image
الجمعة 2022/09/23

آخر تحديث: 10:54 (بيروت)

موازنة إلى الأمام لا توازن إلى الوراء

الجمعة 2022/09/23 عارف العبد
موازنة إلى الأمام لا توازن إلى الوراء
تحول الرئيس عون من كونه حامياً للدستور إلى كونه معرقلاً لتطبيقه (عباس سلمان)
increase حجم الخط decrease

يتجه لبنان عبر مجلس النواب خلال الساعات المقبلة لإقرار موازنة العام 2022، لكنه مع التقدم بهذه الخطوة الضرورية إلى الأمام، يتراجع في الوقت عينه خطوات إلى الوراء، لناحية ضبط توازنه واستقراره.

نقطة الضعف الرئيسية في الموازنة أن إقرارها يأتي متأخراً عن الموعد الطبيعي بضعة أشهر. إذ كان يجب أن ترسل في هذا الوقت إلى المجلس موازنة العام 2023، لكي يبدأ بحثها. لكن ما جرى أن أغلب المواعيد أو الوعود أو الافتراضات السابقة لاقت الفشل أو التأخر، وهي كثيرة.

كان يفترض بحكومة "معاً للإنقاذ" التي شكلها الرئيس نجيب ميقاتي، بعد إفشال رئيس الجمهورية ميشال عون محاولات حكومية كثيرة، أن تحقق جملة من الأهداف لكي تضع لبنان على خط العودة إلى الحياة الطبيعية، منها إنجاز اتفاق أولي مع صندوق النقد الدولي وهذا ما تحقق، إعداد خطة للتعافي أو إعادة العافية على المستوى المالي الاقتصادي، للنهوض من قعر حفرة جهنم، إضافة إلى إنجاز جملة من القوانين المواكبة أو المرافقة والمتممة، منها قانون الموازنة العامة للعام 2022، قانون الكابيتال كونترول، وتعديل قانون السرية المصرفية، إضافة إلى خطوة إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتنقيته، بعد الانهيار الذي أصابه جراء عملية النصب المشتركة والمتبادلة بين أرباب العصابة المصرفية وأعضاء المافيا السياسية الطائفية المسيطرة على البلاد.

الذي جرى أن كل هذه الخطوات التي ينتظرها لبنان والمجتمع العربي والدولي من المسؤولين، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي المعني المباشر بها، لم تتم كما يجب أو بالنجاح المفترض منها. بل تم إنجاز خطوات بسيطة غير مكتملة من كل بند من هذه البنود.

خطة التعافي التي أقرتها الحكومة مصابة بتشوهات كثيرة، أبرزها البعد كل البعد عن التطلع إلى أحوال الشعب اللبناني المنكوب جراء عملية الاحتيال التي نفذت ضده. إذ أن أولى البنود التي كُشفت، بينت أن موضوع توزيع الخسائر المقترح يعيد تحميل المودعين المنهوبة ودائعهم جانباً كبيراً من الأكلاف، وبالتالي المسؤولية الفعلية.

أما موضوع السرية المصرفية، فقد كان مشوهاً بشكل كبير، كما أن رئيس الجمهورية رده ورفض التوقيع عليه.

أما مشروع قانون الكابيتال كونترول، فلا يبدو أنه قادر على إقناع الكثير من النواب، إذ يعتبر كثر منهم أنه لمصلحة أصحاب المصارف وليس المواطنين الذين أودعوا أموالهم وسرقت أغلبها.

يبقى إذاً من هذه الخطوات الموازنة العامة للعام 2022 التي نحن بصددها. وقد ظهر أن هذه الموازنة المشوهة أُعدَّت من دون رؤية تقودها وتحملها، وحتى من دون فذلكة تشرح أهدافها، بل هي عبارة عن أرقام وحسابات مجمعة من دون إطار يحوطها.

مجلس النواب يتجه في جلسته المقبلة في 26 الشهر الجاري إلى إقرار هذه الموازنة، بالرغم من معرفته بالثغرات المشار إليها. وقد أفاض النواب في تشريحها وتقطيعها في الأيام السابقة، وهي ستقر على أساس سعر صرف دولار فوق العشرة آلاف ليرة وربما بحدود الـ15 ألف ليرة، فيما أسعار السوق تتجاوز ذلك، على أن يتم التصحيح في الموازنة المقبلة 2023، وبالتعاون مع صندوق النقد.

باختصار، المجلس بات أمام واقع صعب، وهو ضرورة إقرار الموازنة الحالية بكل ثغراتها كي لا يستمر الإنفاق على القاعدة الاثني عشرية، ويستمر الانفلات والصرف على قاعدة عشوائية.

المجلس مجبر من حيث واجب المسؤولية على إقرار الموازنة هروباً من الفوضى الراهنة. لكن لم يتبلور لديه حتى الآن الحل الجدي لمعالجة المعضلة الأساس، وهي معضلة انتخاب رئيس الجمهورية المقبل.
المعطيات المتوافرة ترجح التوصّل إلى تفاهم يعيد تعويم حكومة ميقاتي الراهنة، مع بعض التعديلات الطفيفة، لكي تتولى وكالة صلاحيات رئيس الجمهورية المغيب في حالة الشغور المرجحة.

حين سئل أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله مؤخراً عن تقويمه لعهد الرئيس عون والخطوات التي قام بها، أجاب بطريقة أبعد فيها المسؤولية عن حليفه، قائلاً إن الرئيس عون لا يتحمل المسؤولية عن ما آلت إليه الأمور، باعتبار أن صلاحيات الرئيس محدودة في الدستور، فيما الصلاحيات الفعلية بيد مجلس الوزراء.

دفاع نصرالله عن حليفه صحيح من حيث الشكل. وهو حاول أن يرفع ستارة تحجب الحقيقة، ولكنه لم ينتبه أن كلامه عن صلاحيات رئيس الجمهورية وأنها محددة في الدستور الحالي نسبة إلى السابق صحيحة، لكن المسألة لا تكمن في الصلاحيات فقط، بل في الدور الذي تخلى عنه الرئيس من كونه حامياً للدستور وإلى كونه معرقلاً لتطبيقه، باعتباره رأس التوازن في دولة تقوم على التوازن بين كل المكونات. إذ أن دور الرئيس عون كان مؤثراً في إفشال محاولات عديدة لقيام حكومة فاعلة قادرة على قيادة إعادة النهوض وتتحمل المسؤولية.

وهكذا، فيما يتجه مجلس النواب الجديد لإقرار الموازنة في خطوة لا هروب منها، يتراجع إلى الوراء ويعجز في الوقت عينه عن التوافق على انتخاب رئيس لا بد للتوازن في لبنان منه.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها