الخميس 2022/08/04

آخر تحديث: 12:31 (بيروت)

سنتان على المجزرة: لا نجاة إلا بلجنة تحقيق دولية

الخميس 2022/08/04 يوسف بزي
سنتان على المجزرة: لا نجاة إلا بلجنة تحقيق دولية
فشل النظام اللبناني بضمان إجراء تحقيق جدّي، على نحو متعمّد (مصطفى جمال الدين)
increase حجم الخط decrease

الرسالة الموجهة من أهالي ضحايا المرفأ قبل عام إلى مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية، هي المبتدأ.

"لا يمكن للبنان الوفاء بالتزامه بتوفير سبل انتصاف فعالة للضحايا إلا على أساس تحقيق موثوق، وفعال، ومحايد". هذا هو الأصل والخلاصة.

إن ضحايا انفجار 4 آب 2020 هم مواطنون من لبنان، وسوريا، ومصر، وبنغلاديش، والفلبين، وباكستان، وهولندا، وكندا، وألمانيا، وفرنسا، وأستراليا، والولايات المتحدة. والحدث نفسه هو اعتداء موصوف على الأمن العالمي.

طوال عامين، اتسمت قضية المرفأ بالتدخل السياسي الفاضح، والحصانة للمسؤولين السياسيين الكبار، وعدم احترام معايير المحاكمة العادلة، وانتهاكات للإجراءات القانونية الواجبة.

إن النظام اللبناني فشل بضمان إجراء تحقيق جدّي، على نحو متعمّد. وهو استطاع إحباط مساعي القضاة، وعطّل الإجراءات القانونية. وطوال عامين، برهنت السلطات اللبنانية أنها تعمل بشكل منهجي على طمس الحقائق والتلاعب بالقوانين، وتسعى إلى تجاهل مطالب أهالي الضحايا وعموم اللبنانيين.

بالأمس، أعربت مجموعة "الدعم الدولية من أجل لبنان" عن "قلقها لعدم إحراز تقدم حتى الآن في المسار القضائي المتعلق بالانفجار، ويدعون السلطات اللبنانية إلى بذل كل ما بوسعها لإزالة كافة العقبات التي تحول دون إجراء تحقيق محايد وشامل وشفاف في انفجار المرفأ"، وأضاف بيان المجموعة: "إن متابعة المسار القضائي يعد متطلباً ضرورياً لاستعادة مصداقية مؤسسات الدولة اللبنانية وضمان احترام سيادة القانون وإرساء مبادئ المساءلة وانهاء ظاهرة الإفلات من العقاب".

بمعنى آخر، النظام اللبناني الذي فشل في توفير أدنى حقوق مواطنيه في الأمن والخدمات الأساسية كالمياه، والكهرباء، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والحماية الاجتماعية.. ويتصف تاريخه بالعجز التام عن المحاسبة وإحقاق العدالة وكشف الحقيقة في أي جريمة سياسية، تماماً كما في أيٍ من الجرائم المالية الكبرى التي تم اقترافها بتواطؤ مكشوف بين حفنة من السياسيين والمصرفيين، وأدت كما هو معلوم إلى واحدة من أكبر السرقات عبر التاريخ.. هو نظام ليس باستطاعته القبول بأي تحقيق شامل، وتالياً لن يُنشئ أي محكمة تطبق العدالة. بل إن شرط ديمومة هذا النظام هو هذا الامتناع عن تنفيذ مبادئ المساءلة أو سيادة القانون أو الشفافية.

لقد نجح النظام اللبناني بكل أجنحته في فرض معادلة "إجرامية" مفادها: كشف الحقيقة في انفجار مرفأ بيروت يؤدي إلى حرب أهلية جديدة. وهذا نهج متّبع باستمرار في أي قضية مشابهة أو حتى أقل أهمية.

إلى وقت قريب، "اعتاد" اللبنانيون مسلسل الاغتيالات والتفجيرات واللجوء إلى التمرد الميليشياوي وتهديد السلم الأهلي واستخدام السلاح على نطاق واسع، كأدوات في السياسة أو السيطرة أو الوصول إلى السلطة. وتوازى هذا مع اعتماد الفساد والإفساد وتكريس "المناهبة" كأداة "لسيطرة ممنهجة على موارد البلاد" (حسب وصف البنك الدولي). واقترن كل هذا لا بالإفلات من العقاب وحسب، إنما بمكافآت نفوذ أو المزيد من السلطة. بمعنى أن الجريمة السياسية والاقتصادية هي النهج الغالب لأركان هذا النظام.

هذه التجارب التي برهنت مئات المرات عن عجز القضاء اللبناني وأجهزته القانونية والأمنية، تفضي إلى خلاصة واحدة: الضرورة القصوى لتحقيق دولي محايد وشفاف وفعّال.

إن سابقة لجنة التحقيق التابعة للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وما أنجزته من كشف كامل لمؤامرة الاغتيالات وقدمت الحقيقة بأدق تفاصيلها، تدعم المطالبة اليوم بتكرار هذه التجربة، وإنشاء لجنة تحقيق دولية خاصة بانفجار المرفأ.

منذ العام 2019، تكررت المطالبات الملحّة من قبل المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية، ومنها مثلاً صندوق النقد، لتنفيذ إصلاحات جوهرية سياسية واقتصادية وقضائية. ليس فقط لإنقاذ البلاد من أزمتها، إنما ليكون هناك "دولة" ذات مصداقية. دولة مستوفية للشرعية ومنخرطة في النظام الدولي.

بهذا المعنى، تكتسب قضية انفجار المرفأ أهمية قصوى، كمعبر إلزامي لمسار إعادة بناء دولة ذات سيادة، والحفاظ على العقد الاجتماعي ووحدة البلاد.

ومن إطلاق تحقيق دولي يضمن "الحقيقة" ويمهّد لإحقاق العدالة، يكون مبتدأ لبنان.. وإلا فسنكون دولة وعاصمة وشعباً على صورة الإهراءات: أطلال وغبار.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها