السبت 2022/06/18

آخر تحديث: 11:25 (بيروت)

عن وطنية لبنانية سياسية جديدة

السبت 2022/06/18 أحمد جابر
عن وطنية لبنانية سياسية جديدة
نحو أحزاب وطنية جديدة، حديثة أو متجددة (Getty)
increase حجم الخط decrease

الدعوة إلى التفكّر في أمر وطنية لبنانية سياسية جديدة، اعتراف ضروري بوطنية قَبْلِيّة قائمة. يناقض هذا الاعتراف ما تنفيه أوساط واسعة لوجود الوطنية، انطلاقاً من كَمّ المعضلات التي تعطّلها، ومن حجم الخلل الذي مازال متحكّما ببنيانها. إذن، يتأسّس جانب من النفي على استعصاء التجاوز السياسي لما هو موجود، وطنيًّا، أي جَمْعِيًّا، فيصار إلى نفي الموجود التاريخي، بسبب من تَعثّر تطور وجوده في التاريخ.

في مقابل نفي "نفض اليد" من إمكانية استواء الوطنية الجمعية على شروط استقامتها العمومية، هناك نفي آخر لحقيقة الوطنية اللبنانية الموجودة، يرفض الاعتراف بواقعها المشلول، ويتجاهل عطالتها في الثبات "الأهلي"، ولا يدرك بطلانها الزمني السياسي، هي الغارقة في سكون المكان.. هكذا، وفي تقابل النَفْيَيْن، يُحاذِر النافيان، التدقيق في حقيقة الوطنية المعيشة، ولا يذهبان إلى إعادة تكوين المعرفة الجديدة بواقع البلد اللبناني الجديد، هذا الذي مازال في طور البحث عن تعريف مشترك، مُعْتَرَف به، ومُتَّفق عليه، يحدّد راهن الوطنية في مضمونها العام.

في إزاء النفيين الآنفين، تقوم مسؤولية التقدم صَوبَ وطنيّة لبنانية ثالثة، إذا جاز القول، تبدأ "معرفيًّا"، هذا لأن المعرفة التفصيلية، بحقيقة وبواقع الموجود الراهن، شرط تأسيسي لازم، يجب أن تستوفيه الحركة الشعبية السياسية، التي تسعى إلى تجاوز الراهن، الذي يمسك بخناق العملية السياسية-الاجتماعية.

الحركة الشعبية
نفترض أن الجديد يأتي من  الجهة المعارضة للسائد، أي من جهة المحكومين، الذين يضغطون بقوة الشارع المنظم، وبقوّة التفاهمات والمشتركات التي تجمعهم بفئات وجماعات من المتضررين من السياسات الرسمية النافذة.

الحركة الشعبية اللبنانية اليوم، لها تاريخ سياسي معلوم، ولها سياق زمني معروف، أي أنها تشكل استمراراً لحالة الاعتراض اللبناني، على نشأة لبنان الكبير، وعلى سياساته طوال عهوده، الانتدابية والاستقلالية.

عام 2019، شهد نزولاً صاخباً وحاشداً للحركة الشعبية اللبنانية، واستدعى الأمر إعطاءها أكثر من مسمّى.

الآن، وفي معرض التعريف، سيظل ملائماً اعتماد اسم الحركة الشعبية، لأن الحركة مازالت في طور مخاض قد يُسْفِرُ عن ولادة "أبناء" متعددين، تكون لهم أسماء مختلفة.

التأسيس على الإسم العام، يتيح المرونة للحركة الاحتجاجية الحالية، ويضعها أمام مسؤولية خياراتها السياسية، وأمام مسؤولية اختيار أطرها التنظيمية، وأمام أساليب عملها، وهي تنخرط في ورشة تنفيذ رؤيتها البرنامجية.

واقع مرونة الحركة، يفترض قراءة ذاتية، خاصة وعامة من قبل أطراف هذه الحركة، مثلما يتطلب قراءة من جانب الأحزاب السياسية، التي تطرح السؤال دائماً، عن الحركة الشعبية وتدعو إلى إعادة بنائها.

القصد مما تقدّم ذكرُه، أنه من الخطأ التعريفي القول إن الكيانات الشعبية المتحركة "كائن ثورة"، فهذا مما لم يبلغه المخاض الشعبي حتى تاريخه، وهذا مما لم تثبته نظريات وبرامج وأقوال وأعمال "الثوريين"، حتى تاريخه أيضّاً.

هذا جانب من الصورة، أما الجانب الآخر فهو الخطاب الجاهز الذي تدلي به الأحزاب، فتدعو من خلاله إما إلى بناء حركة شعبية، وإما إلى النفخ في روحها لإيقاظها، وإما إلى تجديدها.. واقع الحال، إن الدعوات الثلاث تعوزها المعرفة، فما يغيب عن مضمون الكلام الأحزابي، هو معرفة أن الحركة الشعبية موجودة، قيد البصر، وأنها تقوم بما تقوم به، وفق بنيتها، وأنها تعلن ما تعلنه، انسجاماً مع وعيها لمسائلها. عليه، وتأسيساً على ذلك، يصير السؤال المعرفي المطروح على الأحزابية: عن أية حركة شعبية يدور الكلام؟ وإلى أي "غائب" شعبي يوجّه النداء؟ ربما كان الواقعي، أي الملموس الأجدى، الانصراف إلى قراءة هذه الحركة الشعبية، ومحاولة فهم "بنيتها"، والتأسيس لجواب وجواب من قبيل لماذا هذه الحركة؟ ولماذا هذه السمات؟ مما يجعل شعار المواكبة والانخراط في هذا السياق الشعبي العام، هو الشعار التعريفي العارف بواقع اللحظة الشعبية الراهنة.

الاعتراف الأحزابي بالشارع الشعبي كما يقدم الآن نفسه، يفرض على الشارع المتحرك الاعتراف بواقع الأحزاب كما قدمت نفسها سابقاً، وكما تقدم نفسها حالياً. في الموضعين، الأحزابي والحراكي، الأمر أمر اعتراف وجود متبادل، من دون الأخذ بشروط كل وجود بذاته، ومن دون التسليم بشرح كل وجود لوجوده، إنما بالسعي الدؤوب، وبالتدقيق الواجب، لاكتشاف وابتكار المشتركات والتفاهمات، بين أبناء التشكيلات الشعبية الاعتراضية المتنوعة.

إصلاح النظام وتغييره
لا تستطيع الحركة الشعبية، بنسختها الحالية، الاسترسال في اعتماد الشعار التغييري، إلاّ في معرض الحديث البرنامجي البعيد المدى. في هذا المجال، من المفيد الانتباه إلى أمرين اثنين:

الأمر الأول، هو الحركة الإصلاحية التي تبنتها الحركة الوطنية اللبنانية، وذلك قبل انفجار الحرب الأهلية عام 1975.

والأمر الثاني، هو لجوء النظام إلى الحرب الأهلية، لقطع الطريق على محاولة إصلاحه التغييرية. نعم، لقد أدرك النظام أن بداية الانقلاب عليه، تبدأ من الخطوات الأولى لإصلاحه.

الدرس المستفاد راهنًا، هو ضرورة إدراك النسخة الإصلاحية الشعبية لعمق خطورة الإصلاح الذي تواجه به النظام الطائفي الحالي، لأن هذا الأخير مازال يخوض معركة ثباته، على الباب السياسي الأول الذي قد يؤدي إلى ميدان الإطاحة بِعِلَّةِ وجوده.

درس مستفاد إضافي، ومن تجربة الحركة الوطنية اللبنانية، هو أن التنسيق الجبهوي الواسع، بين أطراف المعارضة الشعبية، يشكّل ترتيبًا تأطيريًّا لا بدّ منه، لحشد القوى ولتفعيل ضغط قدراتها.
وفي هذا المجال، مجال التنسيق الجبهوي الواسع، ليس مفيداً، بل لِنَقُلْ إنه مضرّْ سياسيًّا، عدم شمول التنسيق أطرافاً سياسية تجد مصلحة لها في إصلاح النظام القائم، لأسبابها الخاصة، المباشرة أو القريبة، فما هو مهمٌّ ومفصلي، في هذا المقام، هو وجود البرنامج المعارض الواضح، الذي يتيح اللقاء الموضعي، والتنسيق القطاعي، والتفاهم القريب، والتحالف الأطول زمنًا، الحافل بقضايا سياسية واجتماعية، مشتركة ومتداخلة.

بناء عليه، ما الأسس التي يقوم عليها التنسيق المعارض؟ وما الحسابات التي تجيز اللقاء والتحالف والتفاهم، في مكان، ولا تسمح بذلك في مكان آخر؟ وما الأهداف المتوخاة بعد كل أداء عملي من هذا النوع؟ وما حسابات ما بعد فك التحالف، أو تجديده، وفاقاً مع المرحلة الجديدة التي قد يبلغها مستوى النضج الاجتماعي والسياسي المحيط بكل العملية الوطنية؟ هذه الأسئلة، وما قد يتناسل منها، تعيد طرح مسألة المعرفة بمعطيات كل ممارسة، إذ من دون إعمال الفكر، ومن دون المعاينة الفاهمة، ومن دون الخطة المبنية على جداول المعرفة البيانية والاستشرافية، تقع الممارسة في دوامة" الخبط عشواء"، وهذا مما يتنافى مع مقتضيات كل تأسيس سياسي.

الوطنية الجديدة
عندما تباشر الحركة الشعبية انخراطها المتدرج في ميدان العمل السياسي، ستكون ملزمة بولوج هذا الميدان من كل أبوابه.

الدخول الشعبي الشامل، المحمول على رافعة حاجات الناس، تتقدمه رايات المطالب الاجتماعية، أي رايات المصالح الموضوعية لمجموع اللبنانيين. صوت المطالبين، هو بالتعريف صوت جَمْعي، يُدرك الخصوصيات، لكنه يتجاوزها، ويعلم دقَة الحساسيات، لكنه لا يعلق في وحولها.

الصوت الاجتماعي الشعبي، هو صوت فرز، بمقدار ما هو صوت تجميع، وهو نداء أكثري ما بعد الآن، ولو بدا صوتًا "أقليًّا" الآن. الجمع في الحالة الشعبية ليس تجميعاً هشًّا، بل هو حشد واعٍ صلب نواته الاجتماعية المتضمنة فيه. هو تمييز بين اللبنانيين على أساس المصالح، وليس على أساس الطائفيات المتنافرة، أو المذهبيات المتناحرة.

إن السياق الذي تندرج فيه الشعبية الاجتماعية، هو سياق بلورة المصالح الأكثرية، وسياق بلورة معرفتها، وتعميق الوعي بها. هذا من شأنه، أن يطرح على" الشعبيين الاجتماعيين"، مهمّة إعادة بناء الوطنية اللبنانية، من مادة المعارف المكتسبة، ومن مادة المكاسب الإصلاحية المتحققة، ومن مواد انكشاف خلل النظام المتمادي، فتطرح العملية التاريخية مسألة سقوط هذا النظام سياسيًّا، وسقوطه أهليَّا واجتماعيًّا، بعد أن طال الزمن به، هو الذي سقط تاريخيًّا، منذ عقود طوال.

نحو وطنية لبنانية جديدة؟ نعم.

نحو أحزاب وطنية جديدة، حديثة أو متجددة؟ نعم.

أيّ أحزاب؟ هذا ملك الحركة الشعبية الجديدة، وهذا على ارتباط وثيق بإرهاصاتها.

هل يمكن افتتاح العمل السياسي الوطني الجديد، من دون أحزاب وطنية؟

الجواب بالنفي، ولو عاندَ المتضررون من أبناء "العفوية السياسية".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها