الجمعة 2022/06/17

آخر تحديث: 10:45 (بيروت)

بعد الفشل المائي هل جاء دور الفشل النفطي؟

الجمعة 2022/06/17 عارف العبد
بعد الفشل المائي هل جاء دور الفشل النفطي؟
لم نجد نقطة زيت في البلوك رقم أربعة (الأرشيف، Getty)
increase حجم الخط decrease

بعد المياه جاء دور النفط، عاشت أجيال لبنانية وعربية لسنوات خلت، منذ قيام دولة إسرائيل، على التحذير من أطماع هذه الدولة العدوة تجاه الثروات اللبنانية، وتحديداً تجاه ثروات لبنان المائية قبل النفطية.

تاريخ من التحذيرات
جوهر هذه التحذيرات التي عاشت عليها أجيال من القوى السياسية اللبنانية ولا تزال، تقول ان إسرائيل تواجه أزمة عميقة تتعلق بوصول قدرتها المائية إلى مأزق كبير، بمعنى انها لا تمتلك مصادر مياه كافية لتلبية حاجاتها الزراعية والحياتية والتوسع العمراني الاستيطاني الذي قامت وتقوم به. ولذلك، فهي تخطط وتعد الدراسات وتتحين الفرص للاستيلاء على مياه الدول المجاورة، وتحديداً مياه لبنان الغني بمصادر المياه وتعدد أنهاره، أي الأنهر الوطنية المنتشرة فيه، وكمية المتساقطات السنوية. وهذا ما لا يتوفر في إسرائيل وباقي الدول المحيطة.

العميد ريمون إدة لطالما خصص قسماً كبيراً من نضاله وكلامه ومواقفه السياسية للتحذير من أطماع إسرائيل بمياه لبنان. وكان يُعتبر في فترة من الفترات من أبرز الأصوات التي تدعو إلى اليقظة من الأطماع الإسرائيلية بمياه لبنان، وعلى وجه الخصوص نهر الليطاني، أغزر وأقوى الأنهار اللبنانية. وقد أُعدت دراسات وندوات متعددة وكتب وأبحاث تتحدث عن أن إسرائيل توصلت إلى حفر خنادق تحت الأرض، لشفط المياه اللبنانية من الجنوب إلى الداخل الإسرائيلي.

وبطبيعة الحال، ليس في الأمر مبالغة. فالخطر الاسرائيلي على المياه اللبنانية موجود وحقيقي وبقوة.

هدر الثروة المائية
لكن الذي جرى عملياً وواقعياً وأطاح بالثروة المائية اللبنانية الثمينة والنادرة، وحوّل اللبنانيين إلى شعب يشحذ المياه أو يشتريها بأعلى الأكلاف من دون أي دور عدواني لإسرائيل، هي الممارسات والتصرفات اللبنانية من قبل أجهزة الدولة الفاشلة أو المتلاشية، والمجتمع الأهلي المتفلت عشوائياً في ممارسات تدمير وهدر الثروة المائية اللبنانية، التي حولت أنهر لبنان في أغلب المناطق، وفي مقدمهم نهر الليطاني إلى أكبر مجرى مائي لنقل مياه المجارير على طول سهل البقاع وصولاً إلى بحيرة القرعون، التي تحولت إلى بحيرة سامة تموت فيها الأسماك حتى تلك القادرة على مقاومة التلوث.

مياه القرعون التي يفترض أن تكون منطلقاً وواحة للحياة والنمو والتطور، تحوّلت بفعل العبقرية اللبنانية إلى مستنقع للموت والأوبئة التي تلوث المنطقة المحيطة.

وصل الأمر أن بعض قرى البقاع الغربي قامت بتظاهرات للمطالبة بوقف توجيه مياه القرعون إلى أراضيها عبر أقنية الري، بسبب الروائح الكريهة التي تحملها، والتلوث الذي تتسبب به للأرض الزراعية!

تجربة لبنان مع الثروة المائية وتحويلها من ثروة إلى نقمة، ليس من المستبعد في ظل الذهنية والممارسة الراهنة أن تحوّل الثروة النفطية الموجودة في لبنان إلى نقمة مشابهة لما تحولت إليه الثروة المائية.

الجنّة المتخيّلة
المشكلة الأولى التي واجهت وتواجه لبنان هي استخدام ملف النفط في البازار السياسي أو سوق المزايدات الداخلية. وأول من عمد إلى استخدام ملف النفط في التسويق السياسي والذاتي كان صهر العهد الميمون جبران باسيل، عبر إنتاجه حملة إعلانية وشريطاً دعائياً من صور متحركة، لعب فيه دور البطل مع ابنه، حفيد رئيس البلاد، يصور ويفترض القيام بجولة سياحية تخيّلية على طول الساحل اللبناني، يحكي فيها لابنه عن طموحه كيف سيتحول لبنان بفضل النفط واستثماره إلى جنة من الجنات المنتظرة.

خطورة الأمر ليس في الترويج للمستقبل اللبناني الواعد آنذاك، بل إن الخطورة كانت تكمن في إلهاب التوقعات اللبنانية نحو جنة موعودة بشكل مبالغ فيه وغير واقعي، قطعت الطريق على أي محاولة للتفكير في كيفية إنهاض لبنان من خارج احتمالات الثروة النفطية.

بسبب المبالغة في التوقعات، والتي دخل إلى تأجيجها كثر، ومنهم رئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي تولى التفاوض مع الوسطاء فترة طويلة قبل أن يعود رئيس الجمهورية ويسترد حق التفاوض منه وفقاً لمنطوق الدستور.

المبالغة اللبنانية في التوقعات النفطية لعبت وتلعب دوراً في نفخ وتضخيم النتائج المقبلة، ومفاقمة الصراعات. ولم يكن آخرها قيادة الرئيس ميشال عون ورئيس حكومته الفريدة حسان دياب لسفينة التنقيب الأولى، التي لم تجد نقطة زيت في البلوك رقم أربعة.

كل هذه العوامل إضافة إلى هشاشة وشراهة القوى السياسية اللبنانية، جعلت وتجعل المسألة النفطية اللبنانية أشبه بسوق عكاظ حقيقي، يختلط فيه الصالح بالطالح والعالِم بالجاهل والمختص بغير صاحب الاختصاص، لدرجة أنه بات لدى لبنان كمية كبيرة من المستشارين بالشؤون النفطية والبترولية تضاهي ما لدى منظمة أوبك من مستشارين ومحللين.

هوكشتاين.. والتفاخر
انتهت زيارة الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، وهو الجندي السابق في الجيش الإسرائيلي، إلى حصيلة شبه هزلية ليس من المعروف إلى أين ستصل!

قُرعت طبول العرس والرقص لمقولة أن لبنان نجح أخيراً في توحيد موقفه تجاه الوسيط، فكانت النتيجة أن الوسيط المجرِّب جال مع سفيرة بلاده على عدد هائل من الشخصيات التي اعتبرها معنية بالأمر، والتي بدأت بمدير عام الأمن العام وانتهت بالسفيرة الفرنسية آن غاريو. لكن الغريب في هذه الجولة السريالية أنها تجاهلت رؤساء الطوائف اللبنانية ورجال الدين، بالرغم من بركتهم الطافحة والغامرة التي تغطي على كل جوانب الحياة السياسية اللبنانية، لتنتهي هذه الجولة عند رئيس البلاد الذي أبلغه الجواب اللبناني، وطلب منه الإسراع في الجواب الاسرائيلي بسبب الرغبة في اغتنام الفرصة لإدخال لبنان -بعد تأخير دام لأكثر من عشر سنوات- في نادي الدول النفطية!

طالما أن لبنان يتفاخر بوحدة موقفه، ألم يكن من الأفضل أن يزور الوسيط الأميركي رئيس الجمهورية وحده لتلقي الجواب، بدلاً من هذه "الشمشطة" على الطرق من مقر رئاسي إلى آخر؟

وكل ذلك، ولبنان لم يعرف أو يتأكد بعد إذا كان حقل قانا المفترض يحتوي على النفط أو الغاز أو لا يحتوي على أي شيء؟!

وسط ذلك كله، هل سينجح لبنان بعد هذا التأخير والتخبط والتفاخر المنفوخ والمتمادي في استخراج نفطه الموعود وغازه، وبيعه واستفادة شعبه وأجياله منه؟

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها