الخميس 2022/06/16

آخر تحديث: 00:00 (بيروت)

طريق لبنان للنهوض: إحياء السنّية السياسية بخطابها السيادي

الخميس 2022/06/16 منير الربيع
طريق لبنان للنهوض: إحياء السنّية السياسية بخطابها السيادي
الضربة القاصمة التي تلقاها السنّة كانت في التسوية الرئاسية التي أبرمها سعد الحريري (Getty)
increase حجم الخط decrease
يمرّ السُنّة اللبنانيون في أصعب ظروفهم وأشدّها بتاريخهم السياسي الحديث. تشتتهم وضياعهم مستمران منذ قبل الانتخابات الأخيرة وبعدها.. على خلاف ما حققه الثنائي الشيعي من ثبات، وبخلاف تكريس وليد جنبلاط زعامته الدرزية، فيما الساحة المسيحية منقسمة إلى كتلتين كبيرين: التيار العوني يحالف حزب الله، والقوات اللبنانية تخاصمه، إضافة إلى قوى أخرى مستقلة.

تشتت وعقاب
وحدهم السنّة اليوم بلا زعامة، ولا قوة وقدرة على تحديد الموقف الاستراتيجي، وغياب للوحدة في ما بينهم، أو بين الجزء الأكبر منهم. ثمة محاولات كثيرة تبذل لتشكيل كتلة سنّية قوامها عدد من النواب. فيما يعتبر بعض مسؤولي تيار المستقبل أنهم نجحوا في إيصال 7 نواب إلى البرلمان، على الرغم من عدم مشاركتهم فيها مباشرة. ويوم غد الخميس 16 حزيران يُعقد لقاء بين السفير السعودي، الرئيس فؤاد السنيورة، وعدد من النواب، في محاولة لوضع إطار سياسي عام وتنسيقي قادر على رسم خطوط عريضة حول التوجهات، وإن لم يتم الوصول إلى تشكيل كتلة موحدة.

أظهرت العملية الانتخابية، ترشيحًا واقتراعًا ونتائج، حجم التشتت الكبير لدى السنّة. مع إعلان تيار المستقبل مقاطعته الانتخابات، اندفعت شخصيات وقوى أخرى للمشاركة فيها، أبرزهم الرئيس فؤاد السنيورة الذي دعا إلى عدم المقاطعة، كي لا يكون مصير السنّة كمصير المسيحيين عام 1992. تعرّض السنيورة لحملات كثيرة من حزب الله وحلفائه، ولا سيما التيار العوني، ولم يوفره تيار المستقبل، حتى أن كل من شارك في الانتخابات وكان ينتمي إلى هذا التيار وتعاون ونسق مع السنيورة عوقب انتخابيًا، كحال مصطفى علوش، سامي فتفت، لائحة بيروت تواجه، والمرشح يوسف النقيب في صيدا.

علامتان على الحيوية 
لكن الأخطر ليس هذه الحروب الداخلية المتعددة، بل المشهد الاجتماعي الهزيل الذي عبّر عنه تيار المستقبل على طريقته في منطقة طريق الجديدة: سباحة بعض شبانها وأولادها في بركة بلاستيكية وضعت في شارع. فغرق السنّة اجتماعيًا وتعبيرًا ثقافيًا وسياسيًا، في تلك البركة، ليستمر الضياع بعد الانتخابات، وتحديدًا في جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه: الأصوات السنية هي التي أمنت الفوز لالياس بو صعب بدلًا من غسان سكاف.

ومن أبرز تجليات حال الانهيار السنّي وأخطرها، أن يخرج البعض منهم للقول هازئين إن الكتلة السنّية الأكبر في البرلمان هي كتلة "المهرّبين أو المنتفعين". الاستثناء الوحيد هنا، والذي لا بد من المراكمة عليه وعلى سبيل المثال لا الحصر، هو ابراهيم منيمنة في بيروت وأسامة سعد في صيدا. فالرجلان، نظرًا لمواقفهما وحجم أصوات ناخبيهما وتحقيقهما النجاح في غياب القدرات المالية، يمتلكان قدرًا من الحيوية التي تسقط قاعدة أريد تكريسها سابقًا: اللحاق بالمال والمصلحة، أو الذهاب إلى التطرف.

حال السنة اليوم 
يحتاج الوضع السنّي إلى دراسة مفصّلة عن تحولاته. وفي هذا السياق يمكن تسجيل جملة ملاحظات: لا بد من الانطلاق من تيار المستقبل الذي أعلن مقاطعته رغم من عدم الاقتناع بذلك. واستمر المستقبل بالتدخل بشكل أو بآخر في العملية الانتخابية. وهدفه الأساسي القول إن الحريري لا يزال الزعيم السنّي الأوحد، نجح في إيصال من يريد إلى البرلمان، وإسقاط من يريد أيضًا. وهذا ما دفع بالمستقبليين إلى القول إنهم أصحاب الكتلة السنية الأكبر.

قوى المجتمع المدني، نجحت في تحقيق أرقام قياسية، وإيصال عدد من النواب السنّة، سواء من المستقلين أو التغييريين. وهذا دليل على توق سنّي لهذا الخيار. وله دلالات عميقة في التحولات السنّية، مدينيًا أو ريفيًا، كفوز ياسين ياسين وحليمة القعقور.

لا يمكن إغفال البعد "السيادي" لدى السنّة، فكثرة منهم تماهت خياراتهم مع الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية. والمقصود بالمعنى السيادي هنا هو العودة إلى هذا الشعار الذي سطع أيام قوى 14 من آذار: تمكن أشرف ريفي من الفوز في طرابلس متحالفًا مع القوات. وتمكنت القوات في حشد أصوات سنية كبيرة في صيدا، وتأمين نجاح نائبين لها في جزين، على خلاف النظرة التي كانت سائدة سابقًا في صيدا وطرابلس حول القوات اللبنانية.

أما السنيورة فقد خاض الانتخابات بخيار التحالف مع القوات والاشتراكي، نظرًا إلى حاجة السنة السياسية إلى التكامل مع المسيحيين والدروز، في استعادة لمشهدية 14 آذار، ومحاولة تكريس نوع من التوازن السياسي. صحيح أن السنيورة لم ينجح في تحقيق أرقام نيابية، لكن موقفه دفع السنّة إلى المشاركة ولو بحدود معينة. وهو نجح أيضًا في توفير الفوز للقوات في جزين والبقاع الشمالي والأوسط. ودخوله على خطّ السنة في الجنوب الثالثة، وفّر رفعًا لحاصل لائحة التغيير. وفي البقاع الغربي وفرّ الحاصل الثاني الذي أمن نجاح غسان سكاف.

عمليًا، يُفترض بالعمل السياسي أن ينطلق بعد الانتخابات ولا يتوقف في انتهائها. وهذا الخطأ اقترفه السنة والمسيحيون، لا سيما المحسوبين على القوات الذين غرقوا في احتساب من حقق الكتلة الأكبر وكيف سيتم توزيعها. لذا خرج السنّة مهشمين لأنهم لم يتمكنوا من الاجتماع على عنوان سياسي موحد أو مشروع مشترك مع قوى أخرى.

هنا تتجدد الاتصالات في إطار محاولات إعادة انتاج كتلة وازنة قادرة على التنسيق في ما بينها، ومع القوى الأخرى، فلا ينعدم تأثيرها في الاستحقاقات الأساسية. ويتركز التنسيق على تسمية رئيس للحكومة وتشكيلها، وعلى التحضير لانتخاب رئيس الجمهورية.

استباحة بيروت والنهضة الحريرية 
استسلم السنّة تاريخيًا لوجهة نظر تقول إن ثقتهم المفرطة بأنهم أكثرية ولديهم امتداد عربي استراتيجي، سياسيًا وماليًا، فلم ينجحوا في بناء تنظيمات والدخول في مشاريع سياسية. كانت الدولة ومشروعها خيارهم الأساسي، فانخرطوا فيها. وهذه ميزة تجربتهم البارزة طوال أيام الحرب الأهلية، باستثناء أساسي في بيروت، تمثل بتنظيم المرابطون. وهناك من تعرضوا للتصفية في الثمانينيات، وسقطت بيروت الغربية عسكريًا في يد ميليشيات حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي.

لكن عندما توجه نبيه برّي ووليد جنبلاط إلى دمشق لتوقيع الاتفاق الثلاثي مع إيلي حبقية برعاية حافظ الأسد، دخلت مقومات أخرى خارجية أعاقت تطبيق هذا الاتفاق. فالسعودية هي التي دخلت مباشرة على  خط ضرب ذاك الاتفاق، فيما رفض جنبلاط التوقيع عليه بسبب غياب المكون السنّي. ولأن الاتفاق الثلاثي أثار انطباعًا بأنه تحالف بين مجموعة أقليات برعاية علوية.

بعد الدخول السعودي المباشر على الخطّ، بدأ التحضير لتعديل موازين القوى وتغييرها. وهذا ما تجلى في اتفاق الطائف، الذي أعاد إنتاج "السنية السياسية" في حقبة رفيق الحريري. ورغم المطبات التي نصبتها الوصاية السورية للحريري، استشعر السنّة أنهم جزء من صانعي السياسة والمؤثرين فيها، بالتكامل مع حال النمو الاقتصادي.

مع الحريرية خرج السنّة من الاستسلام، فاندفعوا إلى صوغ خياراتهم السياسية، لا سيما في انتخابات العام 2000 التي حقق فيها الحريري فوزًا كاسحًا، بعد مواجهته ضغوطاً سورية كبيرة. استكمل ذلك بمسار مصالحة الجبل ولقاء قرنة شهوان، وصولًا إلى لقاء البريستول عشية اغتيال رفيق الحريري.

وكان دور السنة أساسيًا في القاطرة اللبنانية المنتفضة على دمشق، بالتحالف مع القوات والاشتراكي، وفي صنع واقع سياسي جديد استمر حتى أحداث 7 من أيار 2008. وفي هذه المرحلة وبعدها، لم يظهر السنّة تراجعًا أو استسلامًا.

سعد الحريري بلا سياسة 
الضربة القاصمة التي تلقاها السنّة كانت متمثلة في التسوية الرئاسية التي أبرمها سعد الحريري مع ميشال عون. حينذاك برزت اعتراضات كثيرة، واستشعر السنّة نوعًا من الضعف، لا سيما أن عون جاء في صيغة انقلابية على اتفاق الطائف، وبناء على ثنائية صلبة مع حزب الله، أرغمت الحريري على الالتحاق بها.

وساهم في زيادة إحباط السنة وتراجع ودورهم وتأثيرهم، هو أداء الحريري بتسليمه كل شيء تقريبًا لعون وصهره باسيل، فانفض من حوله كثر من الصقور، أو قام هو بإبعادهم. وقد وصل به الأمر في احتفال بذكرى اغتيال والده، إلى أن يعلن على الملأ أنه لا يهتم بالسياسة، ويركز على الاقتصاد. أدت هذه الذهنية إلى نتائج قاتلة، فأسهمت في إضعاف السنّة، وجاءت نتائج التسوية كارثية على البلد كله، وأوصلته إلى الانهيار المستمر.

الحاجة لمواكبة التطورات 
يعود السنّة حاليًا إلى حقبة تشبه حقبة الثمانينيات: شتات وضياع، فيما تبذل مساع للتكتل. مساع لا بد أن تكون متكاملة، ليس على صعيد الطائفة الداخلي فحسب، بل مع قوى أخرى مسيحية ودرزية وحتى شيعية، لمواكبة عواصف التحولات اللبنانية في المراحل المقبلة ومتغيراتها الكبيرة، التي لا يمكن للسنّة أن يقفوا خارجها أو على هوامشها.

وهذا يتطلب مرتكزين: الأول، البحث في إعادة انتاج خطاب سياسي وتكوين موقف يفرض تأسيس قوى حزبية أو مجموعات سياسية. والثاني، الحصول على اهتمام ودعم خليجيين، ولا سيما من السعودية. وهذا يفرض استعادة التوازن، عندما تحين الحاجة إلى عقد مؤتمر خاص بلبنان والبحث في متغيرات وقائعه السياسية.  

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها