image
الخميس 2022/05/05

آخر تحديث: 00:05 (بيروت)

المسيحيون محور المعركة: "مشرقية" إيرانية أم شرعية عربية-دولية؟

الخميس 2022/05/05 منير الربيع
المسيحيون محور المعركة: "مشرقية" إيرانية أم شرعية عربية-دولية؟
الانهيارات الكبرى حصلت كلها في عهد عون المتحالف مع حزب الله وإيران (Getty)
increase حجم الخط decrease
تكتسب الانتخابات النيابية الحالية رمزية مسيحية واسعة المدى. وفي تصوّر عام لسياق المعركة، وعلى الرغم من الاهتمام بما يجري على الساحة السنية، يتركز اهتمام استثنائي بالساحة المسيحية: كيف ستكون نتائج تصويتها وتوازناتها؟

شرعية عربية- دولية
بتبسيط للمشهد، إذا أراد المرء تصنيف المعركة على الطريقة اللبنانية، يتضح أن "الكباش" السعودي-الإيراني في لبنان مسيحيُّ الوجه، وقوامه الصراع بين طرفين على هوية لبنان: طرفٌ مسيحي مؤيد للعرب والانفتاح عليهم، إلى جانب تأييده الغرب انسجامًا مع تاريخ لبنان. وطرفٌ مسيحي آخر مشروعه "مشرقي"، ومتحالف مع حزب الله وإيران والنظام السوري، وهو على درجة عالية من الخصومة مع العرب واللبنانيين الآخرين.

لذا، تتخذ المعركة طابع انقسام بين طرف موال للعرب والمجتمع الدولي، ويعتبر أن لا خلاص للبنان بلا عودته إلى الشرعيتين العربية والدولية. وطرف مؤيد للمحور الإيراني، منخرط فيه ومنضوٍ تحت لوائه. الطرف الأول يعتبر أن ركائز المجتمع اللبناني والمسيحي، مقدراتهما ومؤسساتهما، انهارت بسبب انضواء البلد في المشروع الإيراني واغترابه عن العرب. فتعطلت السياحة وقطاعاتها الخدماتية، وانهارت المؤسسات والقطاعات المصرفية والصحية والتعليمية، وتفجر مرفأ بيروت ودُمر.

أما الطرف الثاني فيستمر في تحميل المسؤولية لخصومه السياسيين وللحصار الدولي واللاجئين السوريين. وهذا النوع من الخطب أصبح مستهلكًا. فاستضافة لبنان اللاجئين، والأزمات المتناسلة في إدارات الدولة اللبنانية ومؤسساتها جميعًا، من عمر لبنان الكبير، وكان اللبنانيون قادرون على التأقلم معها.

انهيار لبنان العوني  
من هنا تتتركز المعركة على تاريخ لبنان ومستقبله، وعلى إقناع المسيحيين باستعادة وجهتهم ووجهة لبنان التاريخية، على نحوٍ معاكس للأجواء والأوضاع التي أشاعها الجنرال ميشال عون بعد عودته من فرنسا، ونجح في تحقيق تسونامي انتخابي في العام 2005.

لكن القوات اللبنانية والمسيحيين الآخرين من حلفاء العرب والغرب، يراهنون اليوم على تسونامي معاكس للتسونامي العوني القديم. وهذا بعد الانهيارات الكبرى التي حصلت كلها في عهد عون المتحالف مع حزب الله وإيران. ولا يقتصر الانهيار على لبنان، بل يتجاوزه إلى صور ومشاهد وسط المعممة في دول الطوق الإيراني كلها، من إيران نفسها إلى العراق وسوريا واليمن فلبنان.

تبدو إيران ومن خلفها حزب الله أشد الحريصين على إنجاح حلفائهم المسيحيين، وخصوصًا التيار العوني. وذلك لاستعادة شرعية مسيحية معطوفة على الشرعية الشيعية. إضافة إلى سعي لتحقيق اختراقات سنية تثبِّت موقع حزب الله، وتبيِّن أنه غير منبوذ لبنانيًا وصاحب أكثرية نيابية.

المسيحيون والإطار العربي
أما على الطرف النقيض، فتحاول الدول العربية استعادة دور لبنان وحضوره التاريخي، مرتكزة على العلاقة مع الطرف المسيحي الآخر، سواء القوات اللبنانية أو الكتائب أو المستقلين وغيرهم. إلا أن القوات تشكل رأس الحربة في هذه المواجهة السياسية، وتتركز المساعي على حصولها على أكبر كتلة مسيحية.

هذا السعي قادر على تشكيل جو مسيحي متلائم مع الاتجاه العربي. وهو لا يزال حاضرًا بقوة، وستكون له آثاره ومفاعيله في المعركة الانتخابية المقبلة. ويتجلى ذلك في مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، وفي قداديس أديرة كثيرة وكلمات رجال دين مسيحيين كثيرين، يتخذون مواقف واضحة حول ضرورة حسم الوجهة الانتخابية في البيئة المسيحية. وآخرها بيان المطارنة الموارنة يوم الأربعاء، الذين شددوا فيه "على وجوب سعي المسؤولين جديًا إلى إزالة كلّ الألغام من أمام إجراء الانتخابات النيابية في الخامس عشر من الشهر الجاري، وتحرير إرادة الناخبين والمُرشَّحين من الضغوط المختلفة التي تُعرقِل حسن هذا الإجراء. وهم يشجعون جميع المواطنين على الإقبال بكثافة على ممارسة حقهم الدستوري، بضمير واعٍ والتزام وطني صادق، علهم يسهمون في إحداث التغيير المنشود، وإخراج البلاد من الإنهيار الذي يدهمها". 

انطلق هذا المسار منذ نظمت السفارة السعودية احتفالًا في البطريركية المارونية بذكرى مرور مئة عام على علاقات السعودية بالبطريركية عينها. وقد استُعيدت مخطوطات ووثائق ومراسلات بين الجانبين، سبقت ولادة لبنان الكبير، وجرى البحث في التنسيق والتعاون في هذا الاتجاه.

السنة وشراكتهم مع مسيحيي الخيار العربي
هذا المسار من العلاقات السعودية- اللبنانية (المسيحية تحديدًا) كان قد انعكس في العلاقة مع الرؤساء بشارة الخوري، وكميل شمعون الذي سمّي "فتى العروبة الأغر" وصولاً إلى بشير الجميل، إضافة إلى العلاقات التاريخية بين السعودية والمسيحيين. وكان ذلك يتعارض مع توجهات جموع من المسلمين الذين تحمسوا لعبد الناصر والناصرية والقومية العربية. وانعكس ذلك في دعم السعودية اليمين اللبناني، وصولًا إلى زيارة بشير الجميل الشهيرة إلى السعودية، عشية انتخابه رئيسًا للجمهورية. وكان بشير الجميل قد رفع شعار لبنان أولًا. وهو الشعار الذي عاد إليه المسلمون والسنة تحديدًا بعد اغتيال رفيق الحريري. وثمة استعادة لهذا المسار اليوم في العلاقات المنسجمة بين المسيحيين والسعودية.

هذا كله حاضر اليوم في هذا الاستحقاق الانتخابي، ويشكل ركيزة أساسية في تحديد وجهة المسيحيين الانتخابية، سعيًا إلى الحصول على أكثرية مسيحية مؤيدة للعرب والغرب، ومعارضة لحزب الله وإيران. وهذا لا يمكن فصله عن سعي السعودية إلى ضرورة إحياء الوئام السنّي- المسيحي، اجتماعيًا وسياسيًا وانتخابيًا، بتحفيز حماسة السنّة للتصويت. وذلك لتشكيل جو سياسي متوازن، ويكرس استعادة علاقة تاريخية إسلامية- مسيحية بالخليج. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها