image
السبت 2022/11/19

آخر تحديث: 07:50 (بيروت)

الوطنية اللبنانية: مركز مسيحي ومراكز إسلامية

السبت 2022/11/19 أحمد جابر
الوطنية اللبنانية: مركز مسيحي ومراكز إسلامية
يبقى سؤال من هو اللبناني، و أيّ لبنان؟ وسؤال الانتماء "الخالص"،اسئلة آنية.
increase حجم الخط decrease

 تحدث البطريرك الماروني، فأدلى برؤيته حول الوضع اللبناني، وحول الحلول الناجعة له. تبعه المفتي الجعفري، فحدّد المناسب من التوجهات، للخروج من المأزق الذي يأسر لبنان واللبنانيين.

من الخطابين الصادرين عن طائفتين، مسيحية وشيعية، كان البطريرك أعمّ لبنانياً، وكان المفتي "أخصّ" مذهبيّا. آية الخلاصة هذه، إلباس خصوصية المصالح المسيحية، لبوسها اللبناني الكياني الأصلي، أي الذي كان لها، من جهة البطريركية، وتفصيل لبوس خاص للمصالح الشيعية، مدخله المقاومة، في معرض الحديث عن لبنان القوي السيّد...، من جهة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

ما يدعو إلى الانتباه، هو ما يختبئ في باطن الكلام المعلن، فما يضمره طرفا الحديث – السجال، ليس أقلّ من إعادة طرح مسألة "الوطنية اللبنانية"، بما هي "موطنٌ أصلي، ومقرّ وجود، ومستقرّ حياة، لمواطنين يتمتعون بالحقوق السياسية، وينفذون ما يطلب منهم من واجبات".

في سياق الوطنية هذه، عادت المسيحية لتكون مركز دعوة داخلية، واستأنفت الإسلامية، سيرة سابقة من عمر الكيان، توزّعت خلالها الإسلامية على مراكز، هادنت المركز واتفقت معه حيناً، ثمّ ناوءته وافترقت عنه أحياناً كثيرة.

مسيحية المركز:
لم تغادر المسيحية فكرة أنها الأصل في إنشاء الكيان اللبناني، وأنها ذات اليد الطولى في استوائه في مركز التعايش والحوار بين الأديان، وأنها صاحبة الصوت الأعلى في النداء بالوطن اللبناني، كرسالة إنسانية يسمح بها تاريخه الممتد في القِدّم، ويتيحها واقعه الجغرافي كمركز وسطي بين شرق وغرب، أي كمكان التقاء بين حضارات مختلفة.

ثبات المسيحية عند فكرة أنها الأصل، نقلته إلى تصورها لمصالحها في الكيان، فاعتمدت فكرة ثبات المصالح، وتقدمها على سائر مصالح الفئات اللبنانية "الكيانية" المشاركة. هذه النظرة إلى الثبات بشقّيه، كانت سبب نزاع داخلي دائم، رافق إعلان لبنان الكبير قبيل، النطق به رسميّاً، وبعدما صار منطوقاً ومرئياً، على الألسنة وفوق الجغرافيا. لم ينجُ الاستقلال اللبناني من "عصبية" الثبات، ولم تخرج السيرة الاستقلالية من حالة "التعصّب" اللاحق، للهويّة، لذلك كان سؤال من هو اللبناني، وسؤال أيّ لبنان؟ وسؤال الانتماء "الخالص"، من جملة الأسئلة الكثيرة التي قطعت استدامة تطوّر لبنان الرسالة، والعيش المشترك، وما سوى ذلك من آمال طموحة علّقتها المسيحية على قيامة الكيان.

إسلامية المراكز:
إسلامية المراكز، تبدو مناسبة أكثر من جملة إسلامية الأطراف، فالأقضية الأربعة التي ضُمَّتْ إلى الكيان اللبناني، لم تمنح الوليد الجديد الرضى، ولم تقدّم له الولاء، وحاولت البقاء ملحقة بمراكز سياسية واجتماعية ودينية، تقع خارج حدود كيان النشأة، لكنها مُنِيَتْ بالهزيمة، على يد الانتدابين الفرنسي والإنكليزي، الذي قمع كلّ منهما العناد "الأكثري" الذي ظهر في أكثر من بلد عربي، وخاض كل منهما مواجهة مع المجموعات الوطنية التي تصدّت لتوزيع الأكثرية "العربية" على بلدان كانت، في نظر خصوم التوزيع، إضعافاً "للأمّة"، ومقدّمة لتشتيتها، ونكثاً للعهود التي أعطاها الانتداب بقيام "كيان" أكثرية عربية.

لقد تراجعت قوى "الأكثرية" المنوّه عنها، على صعيد عربي عام، وكان لهذا التراجع نسخته المحليّة الخاصة، التي توفّرت لها أسباب اكتمال "النصّ" الوطني الداخلي، فكان هذا الأخير حصيلة نشوء مصالح أهلية متداخلة، تتفاوت في مستوى تبلورها، وتتفاوت في مراتب توزّع حصصها من العائد الداخلي العام.

في لبنان، كما في بلدان عربية أخرى، تكوّنت نسخة الداخل في بيئة التفاوت، وأفسحت في المجال أمام حراك "المتفاوتين"، فكان من نتيجة الحراك، صعود طائفي إسلامي، هزّ أركان المعادلة التكوينية الأولى "المارونية – السنيّة"، وهزّ على وجه الخصوص، معادلة تقدّم المذهبية السنيّة على المذهبيّة الشيعية، التي كانت كتلةً أهلية ناهضة في أكثر من ميدان.

على طريق الصعود، كان للإسلامية، بمذاهبها المتعددة، ثبات الحراك المطلبي من الكيان، وكان السلاح "الإسلامي" في ميدان الطلب، مُموّهاً بأسماء قومية، ومدعوماً من دول تجزئة "وحدوية"، أمّا قيادة الجبهة المطلبية فكانت معقودة في لبنان لأحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، التي مارست استقلالياً وتقدميّاً قبل الحرب الأهلية اللبنانية، ثم عادت لتكون صوتاً خلفيّاً للمطالب الإسلامية، ولحقوق "الطوائف المحرومة". لقد انجلى المشهد عن إسلامية مراكز سابقة، سَعَت إلى التمركز في المركز، فنجحت بمقادير واسعة، لكنها ظلّت إسلامية مراكز وهي تُدَعِّم مواقعها المركزية، أي أنها ظلّت أطرافاً لا تشارك مسيحية المركز وطنيّة "التعلّق العاطفي بالكيان، ولا الولاء والانتساب لأمّة محدّدة، ولا حبّ البلد ودعم سلطته، وصون مصالحه العامة".

بين ثبات وثبات:
في لبنان، يتواجه اليوم "ثباتان"، طرفهما الأوّل مسيحية المركز التي تحاول منع مفاقمة الخسارة المصلحية، التي تراكمت خاصةً، بعد الاشتباك الأهلي عام 1958، وطرفها الثاني، إسلامية المراكز، تتقدمها الكتلة الشيعية، التي استفادت من الاشتباك "الماروني – السني"، وتقدمت لتكون قيادة المركز من أطرافه، بحيث تطبق معادلة "الحاكم لا يحكم، لكنه مسؤول، والمتحكم يحكم لكنه غير مسؤول".

مظاهر الاشتباك، ومطارح هذه المعادلة، واضحة ولا تخفى على ذي بحث مدقّق، لكن الوقوف أمام الأسباب المادية الملموسة للاشتباك، ما زالت موضع نكران، من مسيحية المركز، ومن إسلامية المراكز.
في نقاش مواضيع النكران، يجب الذهاب مباشرة إلى تسمية الأشياء بأسمائها، هذا لأن معاينة لحاء الشجر، لن تفيد إذا ما استبعدت معاينة نسغه. بالأسماء، أو بالعناوين، ليست الوطنية اليوم، مسألة حبّ لبنان أو التعلّق به، أو الدفاع عن سيادته... هذا لأن كل فئة لها رأيها وموقفها من كل عناصر الوطنية، ومن كل مضامينها.
عليه، يجب طرح مصالح الفئات مباشرة، وليس مداوَرَة، وعلى النقاش أن يضع على الطاولة أسئلة مثل: ما هي مصالح الشيعة اليوم؟ ولماذا الالتفاف الأهلي الشيعي حول سلاح قيادة حركته السياسية؟ كذلك يجب طرح سؤال، ما هو الممكن الواقعي من مصالح الشيعة؟ وما هو الممكن الميثاقي الواقعي من مصالح الموارنة؟ وما هو الممكن الكياني الميثاقي أيضاً، من مصالح السنّة؟. الخلاصات السياسية التي تقدمها الأجوبة عن الأسئلة، هي ميثاق جديد ودليل سلوك جديد، إذ لا يمكن للبنان أن يقيم في ثبات الجغرافيا، وفي ثبات النصّ، بينما الكتل الأهلية التي أنتجت النصوص، واحتلّت الجغرافيا، تقيم على حراك مجتمعي دائم. هذا يستدعي حواراً هادئاً؟ نعم. والأمر يتطلب توافقاً واقعيّاً؟ نعم. والوضع سيكون مفتوحاً على تعديل في موازين المصالح؟ نعم. وكل ذلك يجب أن يراعي خصوصية الوطنية اللبنانية؟ هذا أكيد، وإلاّ لن تكون قيامة للبنان لا مركزه ولا بمراكزه.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها