image
الإثنين 2022/11/14

آخر تحديث: 14:44 (بيروت)

البحث عن ناطور للبناية.. وعن الرئيس أيضاً

الإثنين 2022/11/14 يوسف بزي
البحث عن ناطور للبناية.. وعن الرئيس أيضاً
الشغور سيد الموقف (المدن)
increase حجم الخط decrease

سهيل وزوجته إيلينا الآتيان من بنغلادش للعمل في لبنان قبل العام 2019 المفصلي، أصيبا بما أُصبنا به جميعاً طوال السنوات السريالية الثلاث، والمرشحة للتمديد إلى أجل غير معلوم.

عمل سهيل ناطوراً لبنايتنا، فيما إيلينا كانت موظفة تنظيف في هيبرماركت. "كوبل" شاب وكادح، يدخران قدر استطاعتهما. سيرة نموذجية للعمال الأجانب في لبنان، بكل ما فيها من كد وشقاء و"خفض جناح". في السنتين الأخيرتين، صار الوضع لا يُطاق وما عاد العمل هنا مجدياً. إنهما أكثر حظاً من لبنانيين كثرٍ، فبإمكانهما ترك هذه البلاد والعودة إلى وطنهما. وهذا ما حدث.

بات لدينا "شغور" في وظيفة الناطور، البالغة الأهمية لسكان البناية، للحراسة والصيانة والخدمات والنظافة. فبدأنا بالتشاور والبحث. وكان على سكان البناية الاتفاق أولاً على "المواصفات" المطلوبة. فمنهم أراد ناطوراً بدوام جزئي، تخفيضاً لراتبه وتخفيفاً لكلفة إقامته، خصوصاً كلفة الكهرباء، والتأمين الصحي. ومنهم يريدونه بدوام كامل بسبب اعتيادهم على ناطور يشبه الخادم المنزلي يعمل تحت تصرفهم طوال النهار والليل. ومنهم من أراد الاستعانة بشخص يأتي مرة في الأسبوع لتنظيف البناية والتخلي عن وجود ناطور كلياً.

الاختلاف على المواصفات لم يحسم حتى اليوم. مع ذلك، السجال استمر و"الترشيحات" أيضاً. وهنا استعر الخلاف أكثر. فجارتنا المتحمسة لتوظيف ناطور بدوام كامل، رشحّت سورياً متزوجاً. فكان رد فعل بعضهم أنهم لا يريدون أي سوري في البناية. البعض الآخر اعترض عليه، لا بسبب جنسيته، بل تخوفاً أن يأتي فجأة بعائلته وأقاربه ويكون لديه عدد من الأولاد.

جار رشح بنغلادشياً يعمل بالبناية فقط نهاراً ولا يقطنها. وجارنا الآخر الذي يبدو مهموماً بالكلفة رشح إمرأة لتنظيف البناية مرتين في الأسبوع فقط. وجاء الترشيح الأخير أن يُكلف عامل في المحطة المجاورة جمع النفايات يومياً والتخلي عن وجود ناطور.

وسط إصرار كل طرف على ترشيحه ومواصفاته، سيبقى "شغور" الناطور مدة لا بأس بها.

في الأثناء، بدأت بعض المتاعب تظهر. من سيجمع النفايات أول المساء، من سيشطف الدرج، من سيحرص على بقاء البوابة مقفلة، ويضيء "كاراج" السيارات عند المغيب ويطفئه في الصباح. من سيساعد في حمل الأغراض الكثيرة للسيدات المتبضعات، من سيكشف على خزانات المياه، من سيعتني بالنباتات أمام مدخل البناية. من سيوزع فواتير الكهرباء، وينتظر موزعي مياه الشرب، ويحرس البناية ليلاً ونهاراً؟

على هذا المنوال، بدأت البناية تشهد تدهوراً وفوضى وقلة نظافة ومشكلات يومية خطيرة إن في أعطال المصعد، أو تعطل ضخ المياه، أو في غرفة عدادات الكهرباء. والأهم، أن الاختلاف حول انتخاب ناطور جديد، أو حتى شبه ناطور، سممّ العلاقة بين السكان، وانكسر التناغم الذي ساد سابقاً، فيما أصبحت "مجموعة" واتساب الخاصة بالسكان ممتلئة بالرسائل الصوتية المتبادلة والتي تشي بالتوتر وبتفاقم سوء الفهم والتشنج.

ثمانية طوابق فقط، ثمان عائلات وحسب لم يعد بمقدورها "التوافق" على مواصفات ناطور هم بأمس الحاجة إليه. خلاف اقتصادي وسياسي استحكم بالبناية. بعضهم يريد "تعطيل" أي اقتراح أو ترشيح لا يناسبه. وبعضهم يرفض الاحتكام إلى رأي الأكثرية، مصراً على مبدأ الإجماع والتوافق، والبعض الآخر يمتنع عن إبداء الرأي كمن يرمي ورقة بيضاء. بعضهم حاول فرض معادلة أن المستأجرين ليسوا متساوين بأصواتهم مع المستملكين..

خلال هذه الأيام العصيبة في البناية، كنت أتابع جلسات مجلس النواب لانتخاب رئيس عتيد للجمهورية، واستمع إلى تصريحات قادة وزعماء وعظات رجال دين، وإلى خطب طنانة بالغة القوة والاستقواء، وأقرأ تقارير صحافية عن مشاورات واتصالات، وما يسمونه "تسريبات" و"مصادر".. وأفكر بسهيل وإيلينا اللذين غادرانا إلى بنغلادش.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها