بدأت تتوضّح ملامح الكتل والتحالفات الموضعية التي ستظهر في مجلس النوّاب، إن استمرّت الأمور على وتيرتها الحالية. واختلفت عناوين هذه الكتل وأولويّاتها، فكتل أحزاب السلطة التقليدية، التي تتضمن القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة، وكتل 8 آذار من جهة أخرى، تمسكوا بالخطاب والأولويات ذاتها التي اعتمدوها طوال 17 عاماً، كثنائية "المقاومة" و"السيادة".. مع فراغ تنفيذي وعملي. أمّا ما يسمّى بالمعارضة التقليدية، أي نعمة افرام وحزب الكتائب وميشال معوّض وغيرهم، فتحالفهم يدعو إلى جانب "السيادة"، إلى ما يسمّى بـ"الصندوق السيادي" كحل للأزمة الاقتصادية. كما وظهر نوّاب حملوا خطاب مواجهة الميليشيا والمصارف معًا، ولاحظوا ترابط الأمرين، لا استقلالهما.
السيادة الانتقائية والصندوق غير السيادي
بداية، علينا العودة إلى ماهية السيادة. فالسيادة ليست محصورة بالأمن أو بالأدوار الدفاعية لدولة أو كيان ما. بل هي السيادة الكاملة وغير الانتقائية، التي تتضمّن الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي وتملّك الشعب نفسه حرية القرار فيما يخص الاقتصاد وأصول الدولة والأملاك العامة، وكل ما ينطوي تحت الوطن السيادي. فإن لم يكن الشعب هو السيّد في وطنه، فعن أي سيادة نتحدّث؟
ومن هنا، رفع شعار السيادة واقتراح ما يُسمّى بالصندوق السيادي هما توّجّهان متعاكسان. صندوق ثروة سيادية أو الصندوق السيادي ليس ظاهرة جديدة، وعبر التاريخ شهدنا أمثال عدة له. هو صندوق مملوك من قبل دولة يتكون من أصول مثل الأراضي، أو الأسهم، أو السندات أو أجهزة استثمارية أخرى. من الممكن وصف هذه الصناديق ككيانات تدير فوائض دولة من أجل الاستثمار.
والصندوق هذا بصيغته المقترحة لبنانياً، باستثناء اسمه، خالٍ تمامًا من القيم السيادية مع ما يتضمّنه من بيعٍ لأصول الدولة وخصخصة للأملاك العامة وتجريد للوطن السيادي من أملاكه لمصلحة أزلام السلطة المصرفية ورجال الأعمال.
ومن السهل رؤية تواطؤ جميع الأحزاب التقليدية، من دون استثناء، في تحميل "الدولة" المسؤولية والخسائر. ففي حلقة من برنامج "عشرين ثلاثين" التلفزيوني، يصرّح نائب القوّات اللبنانية غسان حاصباني أن مشكلته مع خطة التعافي هي "عدم تحميل الدولة مسؤوليّتها في العجز، من خلال إدارة أصولها بشكل يضمن تحمّلها المسؤولية". ويصرّح النائب آلان عون أن "الدولة بإمكانها المساهمة بكل ما لديها: أملاكها ومؤسساتها ومواردها وأي فائض محتمل".
المعركة بوجه من؟
أمّا من جهة المعارضة، فهناك من يلحظ أن المعركة هي بوجه الميليشيا والمصارف معًا، فكلاهما مسؤولان عن الأزمة الحالية. ومن هنا، يصرّح النائب ابراهيم منيمنة أن "المصارف مسؤولة عن خياراتها والمغامرات التي خاضتها بأموال المودعين وعليها أن تتحمّل كامل مسؤوليّتها"، ويرفض أي محاولات لبيع أصول الدولة أو استخدام الأموال العامة للتعويض عن الخسائر.
إنّ منطق "لنستعِد الدولة ومن بعد ذلك نهتم بالنظام الاقتصادي" يفوّت فكرة أساسية: استعادة الدولة بفحواها هي استعادتها من تحالف المصارف-الميليشيا. فمع ارتهان الأحزاب التقليدية لمحاور إقليمية وتسليم الدولة لتلك المحاور أمنياً وسياسياً، يجب تسليط الضوء أيضًا على تسليم الوطن وأملاك الشعب لـ"محاور" أخرى اقتصادية ومالية.
استرجاع السيادة من محتكري المفهوم
توّلدت علاقة شعبية مع مفهوم السيادة شبيهة بالعلاقة الشعبية مع مفهوم المقاومة، على نحو أن المفهومين باتا وكأنهما حكر على فريق أو آخر. فبارتباطه بحزب الله، بات مفهوم "المقاومة" نفسه يشكّل هاجسًا عند شطر من اللبنانيين، الذين تناسوا أنّ المقاومة سليلة أحزاب وجماعات وتيارات منذ عام 1982 حتى اليوم، وهي تُنسَب أيضاً لكل شخص ينتظّم ويقاوم بوجه السلطة الجائرة، وليست حكرًا على أحد. وبارتباطه بمجموعات يمينية، أصبح مفهوم السيادة نفسه يشكّل هاجسًا عند شطر آخر من اللبنانيين الذين يربطون المفهوم بطائفية ما أو بنزعة عنصرية وصمت أحزاباً تتبنى شعار السيادة،، فدفعتها لتجنّب استخدامه، خوفًا من الوصمة الإقصائية التي ارتبط المفهوم بها.
أي سيادة نريد؟
إن التحرّر الوطني من قبضة الميليشيا والمصارف يكون باسترجاع كامل القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية إلى يد الشعب، وليكن هو المقرّر الأوّل، وليكن الوطن سياديّاً عادلاً. فالاثنان لا يتفرّقان. لا سيادة من دون قرار سلم وحرب وطني، ولا سيادة من دون أصول دولة محفوظة وأملاك عامة مصونة ونظام اقتصادي يحمي صغار المودعين أوّلًا، أي أكثرية من يشّكلون الكيان الذي عليه أن يكون سياديًّا.
وهذه الكتلة الأخيرة التي نتمنى تشكّلها في المجلس النيابي، كتلة تضع كأولوية مواجهة ميليشيا الاستبداد والترهيب، وتضع كأولويّة أيضًا حماية الأكثرية الساحقة من الشعب اقتصاديًّا من غايات جمعية المصارف، المستعدّة لتبديد أي فرصة لنهوض الوطن الذي نريد أن نراه.

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها