آخر تحديث:16:01(بيروت)
الإثنين 13/09/2021
share

أيلوليَّات نيويورك، الأشرفية، بيروت

أحمد جابر | الإثنين 13/09/2021
شارك المقال :
أيلوليَّات نيويورك، الأشرفية، بيروت أيلول سنة 1982، هو تاريخ دخول العدو الإسرائيلي أول عاصمة عربية (Getty)

تجتمع في أيلول ثلاثة أحداث، أحدها خارجي، والآخران محليّان.

جَمْعُ الأحداث في باقَة واحدة، لا يَضَع كلاً منها على السويّة ذاتها، إن من حيث الضخامة، أو من حيث النتائج، لكنه يعطيها، فرادى، صفة "التحويل" الذي ترتّب على صياغة السياسات، وعلى تصريف مندرجاتها، في مجرى البُنْيَة الوطنية الداخلية، كما في مجرى العلاقات السياسية الخارجية. مثالاً، سَبَق وقْف إطلاق النار في غزّة، تاريخ تحرير الأرض اللبنانية في 25 أيار من العام 2000. قرْب الموعدين زمنياً، مناسبة لإعادة تسليط الضوء على ما يميّز "المقاومتين"، وعلى ما يجمع بينهما، على أصعدة البنية والخطاب والمرجعية والمقاصد والأهداف.

أيلول نيويورك
اهتزّت مدينة نيويورك، عندما ضربتها آلة القتل الإرهابية، ثمّ اهتزَّ لاهتزاز نيويورك العالم، ثمّ بَعَثَ الزلزال الأميركي هزّاته الإرتدادية صوب المعمورة، فنزل الدمار بأفغانستان، ثمً حلَّ الخراب بالعراق، ثمّ تزعزعت بُنى اقتصاد العالم، الذي جرّه الغضب الأميركي إلى عين إعصاره..

المتواليات الحَدَثِية معلومة، وحقباتها قد تكون الأطول، سياسياً وعسكرياً، لكن خلاصاتها مازالت ناقصة، وتعيين المسؤوليات مازال مبتوراً، والجاني، الإرهابي، ما زال هو المتَّهم الوحيد، والمُنْتَقِم، الذي بادر إلى الثأر، ما زال منزّهَاً عن كل عيب أخلاقي.

عقدان زمنيان مرَّا، بعد الهول النيويوركي، والمدَّة الزمنيّة عينها، عاشتها أفغانستان، وعانَى خلالها العراق. والمقدّمة نفسها، مازالت هي المعتمدة لِنَصِّ رواية العَقْدَيْن التدميريين. والقِسْمَة "الفسطاطية" ذاتها، ما زالت هي السائدة. وعليه، فإنّ الثناء والتضامن، يحوزهما من كان "الخير كلّه"، أي الأميركي الضحية، أما الهجاء والشّجْب، فيظلّان لصيقين بمن هو "الشرّ كله"، أي الإرهابي القاتل.. وشيئاً فشيئاً، تَكْبُر كرة التصنيف، فتَتّسِع لتأخذ، على الشُبْهَة، مسلمين من هنا، ومسلمين من هناك.

بعد كل ذلك الوقت المهدور، على غير طائل، ما زال السؤال: وما مسؤولية الولايات المتحدة الأميركية، عن ما بعد الهجمات التي استهدفتها؟ هذا السؤال تهرب منه المؤسسة الأميركية، وتتجنّب الخوض في إعادة رَسْمِ إطاره، وتخشى الإعلان عن خطيئتها الكبرى، عندما اخترعت تهديد أسلحة الدمار الشامل الوافد من الوطن العراقي. لقد تبيّن أن التقرير الذي تلاه كولن باول، وزير خارجية أميركا، كان تضليلياً، وبانت موافقة طوني بلير، رئيس وزراء بريطانيا، على التضليل، بصفتها موافقة خرقاء، من قبل شخصية سياسية تابعة بلهاء. ومع ذلك، وبعد اكتشاف الفبركة المقصودة، وبعد كل فصول المعاناة العراقية، لم نسمع من الرئيس الأميركي الحالي، تصريحاً يعتذر فيه عمّا جَنَتْ آلته الحربية في بلاد الرافدين، مثلما لم يعتذر من أفغانستان، التي عاقبها لعشرين عاماً، انتقاماُ لهجوم إرهابي، جاء من وراء ظهر الشعب الأفغاني، وعلى الضد من إرادته.

في ذكرى المأساة النيويوركية، تباهى جو بايدن، الرئيس، بوضع نقطة ختام لحرب أميركا خارج حدود أراضيها. في الذكرى ذاتها، ما زال العراق وأفغانستان، ومعهما بلاد أخرى تضمّد جراح الهجمة الأميركية الثأرية، وتداوي آثار انسحاب قواتها المفاجئ، التي جاءت لتنصب ميزان "دمقرطة" الفسطاط المعادي، بالقوة، ثمّ ما لَبِثَتْ أن أنْهَت مهمتها، وسارعت إلى تنظيم هروبها "الديموقراطي الكبير".

أيلول الأشرفية
دخلت منطقة الأشرفية اللبنانية دائرة الضوء الساطع، كونها كانت ساحة عملية الاغتيال التي استهدفت بشير الجميل، الرئيس اللبناني المنتخب، الذي حِيْلَ بينه وبين مباشرة مهمته، بالتفجير.

آذن وصول بشير الكتائب، إلى المنصب اللبناني الرسمي الأول، باختلال التوازن اللبناني الداخلي، وبانتصار نهج سياسي محدّد، رفضه فريق واسع من اللبنانيين. لقد قرأ الفريق المناوئ وصول البشير، تعديلاً لموقع لبنان على خارطة انتمائه العربي، وتحويلاً لهذا الموقع، على خريطة الصراع العربي الصهيوني، واستعداداً لكسر الحلقة اللبنانية، وإلحاقها بالحلقة المصرية، التي شكّلت الحلقة الأولى من سلسلة التطبيع مع إسرائيل.

كان التفوّق "البشيري" مرفوضاً، في أصل نشأته، وفي تعرّجات مسيرته، وفي لحظة فوزه، هذا الذي استفاد من غزو جيش العدو الاسرائيلي الأرض اللبنانية.

ومثل صدمة انتخاب الرئيس الكتائبي، كانت صدمة اغتياله. فمع غياب "رمز" مرحلة قطف ثمار الحرب الأهلية اللبنانية، تبعثر أيضاً ما كانت قد جمعته قوى "الرئيس القوي"، في سلّة الغلال.

من الخلاصات الغابرة، التغلُب في لبنان آنيٌ، واستدامته ممتنعة، والديكتاتورية الحزبية لا تتحقق في لبنان، وتتعذر فيه، نسخة مستبدّ شمولي، يشبه أقرانه في أنظمة الديكتاتوريات العربية، والاستقواء بالخارج، والتحالف معه، يجعل استقامة التأسيسية الكيانية في مهبّ الصراعات الدولية والإقليمية.

استعادة فقرات من كتاب أيلول 1982، هدفه مقارنة ما كان بما هو كائن الآن. على هذا الصعيد، لم تغب "البشيريّة" غياباً كاملاً. استحضار "بشير الحي فينا"، مفهوم، جزئياُ، عندما تدرجه القراءة في عداد شدّ العصب الحزبي، للجمهور الذي مازال بشيريّاً.

لكن مهمّة تأمين "شحذ" الحاضر، بمعطى التاريخ، لا تنجو من إيقاظ الخصومة السياسية، لدى من كانوا ضد نهج بشير الجميّل، فيسمعون كل جملة استنهاضية لجمهور خصمهم، كنفير تهجّم واستعداء في الراهن، يتوسّل لغة الأمس في مواجهة من غادروا مواقع التماس، منذ عشرات السنين. والحال، إن الخصم القديم، لا يستسيغ خطاب المقاومة اللبنانية، في عين الرمانة أو في الأشرفية، لأنه يرى في الخطاب استهدافاً له، وليس للمقاومة اللبنانية الأخرى، التي يمثلها حزب الله اليوم. هذا الذي لم يكن قد أطلّ بعد، على الحياة السياسية.

وكأي مطالعة تتصل بالحاضر، لا يكتسب القول جدواه، إذا تغاضى عن طرح الأسئلة التي تقتضي أجوبة راهنة. في هذا المجال، يواجه ورثة البشيرية سؤال مفتاحي أوّل: مراجعة سيرتكم الأهلية ما زالت ناقصة، فمتى تمامها؟ من منطلق السؤال هذا، تكرّ سبحة الأسئلة الأخرى، التي تتعلق بالماضي الذي لمَّا يَصِرْ ماضياً، وبالحاضر الذي لمّا يمتلك كامل عدٌة "حاضريته"، فظلَّ حاضراً - ماضياً، من وجوه عديدة.

أيلول بيروت
أيلول سنة 1982، هو تاريخ دخول العدو الإسرائيلي أول عاصمة عربية، ويوم السادس عشر منه، هو تاريخ انطلاق أول مقاومة وطنية داخلية، سيكتب لها النصر، وستخرج المحتل من أرضها، من دون شروط.

قتال ضدُ المحتل، تنادى إليه من صمدوا طيلة شهور حصار العاصمة بيروت، وفي الوقت ذاته كان تشييع بشير الجميل، بعيداً من شؤون وشجون القتال الدائر في شوارع المدينة، التي يٌفْتَرَضُ أنها عاصمة كل اللبنانيين. كانت المعادلة ضدّية، وكان الانشطار الأهلي هو واقع الحال. لقد تبادل طرفا الانشطار موقعي الدفاع والهجوم. وقت التبادل فرضته ساعة الاغتيال، التي أعطت إشارة الاحتلال، الذي استدعى نداء المقاومة والقتال.

كما هو معلوم، أراد مقاومو الغزو تجاوز الانشطار إلى دعوة الوحدة ضد العدو الخارجي. كان هذا تحوّلا مهماً، وقد حمل بيان نداء المقاومة عبارات واضحة أرادت القفز فوق انقسام الحرب الأهلية، ليظلّ العداء للمحتل فقط، واضح النبرة، وجليّ القسمات. في هذا المضمار، يمكن القول إن خطاب المقاومة الجديدة، قد نجح في النجاة من المعركة الأهلية التي اندلعت في منطقة الجبل، وفاز باستقلالية قول وعمل، جعلته مستهدفا لاحقاً، بعد جملة من التطورات الداخلية التي نجمت عن الانسحاب الاسرائيلي الباكر من بيروت، والمتأخر قليلاً، من الجبل ومن معظم الأرض الجنوبية.

على طريق القراءة الاسترجاعية، كانت المقاومة الوطنية اللبنانية، محاولة تعويض من قبل بعض الأحزاب اليسارية، بعد الخسائر التي نزلت بها جرّاء الاحتلال. كانت المحاولة طموحة، لكن البنية اللبنانية عاندتها، ثمّ ابتلعتها، لتعود الكلمة العليا لقوى التشكيلات الطائفية.

اليوم، ماذا عن تلك القوى؟ وماذا عن نظراتها إلى "اللبنانية" عموماً؟ وماذا بقي من ماضي الحزبيات المقاومة؟ وما صلته بحاضرها وبمستقبلها؟

الجواب الظاهر للعيان، يفيد بانكفاء تلك الحزبيات، وببقائها في قيد الذكريات، وبمراوحتها ضمن دائرة جمود قاتل، يجعلها في عداد الكيانات المتقادمة، التي لامست فقدان الحيوية، والأهلية.

في إزاء هذه اللوحة، صار الارتكاس واحداً من أساليب قوى "التقدم"، وعليه عاد خطاب هذه القوى إلى كتبه القديمة، فاستلّ منها أوصافا ماضية، لخصوم الأمس الذين غادروا جوانب عديدة من ماضيهم، واستنسب من بين تلك الكتب، أفكاراً ألصقها اعتباطياً بأطراف مذهبية، شارحاً ذلك بمفردات المقاومة الدائمة، أو بلفظية العداء للإمبريالية والرجعية العربية.. كان مآل تلك الممارسة، وما زال، الإقامة في العجز النظري والعملي، مما يوجب مجدّداً، طرح السؤال في صيغة واضحة، ومن دون التباس: ماذا عن الخروج من العجز لدى مقاربة كل معضلات الكيانية اللبنانية؟

وأخيراً..
في أيلول، تجتمع المتناقضات، وفي أيلول، تتناسل الأسئلة، وفي كل أيلول يجب أن تبقى الأسئلة مسلولة، هذا لكي لا يفلت "أيلولي" من سيف الحساب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها