آخر تحديث:17:31(بيروت)
الأحد 12/09/2021
share

.. وما فائدة وعود ميقاتي ببؤس طرابلس ونكبات الشمال؟

جنى الدهيبي | الأحد 12/09/2021
شارك المقال :
.. وما فائدة وعود ميقاتي ببؤس طرابلس ونكبات الشمال؟ طرابلس ومحيطها حتى أقاصي عكار، بقع جغرافية متروكة بلا شيء (دالاتي ونهرا)

عقب إعلان تشكيل حكومة نجيب ميقاتي، الجمعة 10 أيلول، شهدت طرابلس إطلاقًا كثيفًا للرصاص، احتفالًا بولادةٍ عسيرة استغرقت نحو 13 شهرًا.  

لكن، سرعان ما عاد الهدوء إلى المدينة، لتقتصر نشوة "الانتصار" بجائزة رئاسة الحكومة، على أنصار ميقاتي، من محازبي ومؤيدي تيار "العزم"، فرفعوا شعارات "كل الثقة" بـ"دولة الرئيس نجيب ميقاتي"، وكأنهم استعادوا مكانةً وسلطةً اهتزت كثيرًا، بعد حراك تشرين الأول 2019.  

الجغرافيا المتروكة
شكليًا، قد يكون من حظّ طرابلس أن ميقاتي صاحب أكثر من 21 ألف صوت تفضيلي بانتخابات 2018، صار رئيسًا لحكومة في منعطفٍ تاريخي تعيشه البلاد.  

لكن تجارب السنوات الماضية، وما عاشه الشمال بالأشهر الأخيرة، من أحداث أمنية خطيرة انتهت بتفجير بلدة التليل، وما سبقها من محاولات عبثية للشيطنة وزعزعة الأمن، توحي كأن طرابلس ومحيطها حتى أقاصي عكار، بقع جغرافية متروكة بلا شيء، ويُستعان بها فقط لحاجات محدودة وانتهازية.  

ولطالما تنافس ميقاتي وسعد الحريري في المحافظة ذات الغالبية السنّية، بإغداق وعود لم يتحقق شيء منها. وما تشير إليه الوقائع، أن حكومة ميقاتي الثانية عام 2011، ضمّت 5 وزراء من طرابلس، لم تقرر مشاريع جاهزة لطرابلس، لذرائع عدة.  

كذلك في انتخابات 2018، قاد ميقاتي حملة انتخابية شرسة ضد خصمه السابق وداعمه الحالي، سعد الحريري، وأطلق مئات الشعارات بالازدهار الموعود، ولو نُفّذ بعضها لما عاشت طرابلس كل هذا الجحيم.  

حتى مع اشتداد جائحة "كورونا"، وعد ميقاتي ألا يجوع أحد في طرابلس، فمضت الأشهر، لتخلص التقارير الأممية، وآخرها الصادر عن الإسكوا، أن أكثر من 75% من اللبنانيين يعانون من فقرٍ متعدد الأبعاد. ناهيك عن وعوده بإنقاذ طرابلس من العتمة عبر مشروع "نور الفيحاء" ومساعدة مرفأ طراباس بإطلاق مشاريعه الاستثمارية.  

ويملك ميقاتي عددًا من المؤسسات الخيرية في طرابلس، التي تساهم بتوفير بعض الخدمات الصحية للفقراء، والمعونات الغذائية وساهم بتوظيف مئات شبان المدينة بمؤسساته.  

وفي كل مرّة يُسأل فريقه، عمّا فعلوه لطرابلس، يأتي الجواب أنه يقدم الكثير، وأن زعيم طرابلس، وإن كان من كبار أثرياء العالم، غير قادر على سدّ غياب الدولة في رعاية المواطنين.  

والمفارقة أن من يروجون لهذه النظرية، يظهرون نقيضها برفع شعارات توحي للمواطنين المسحوقين، أن انتخابهم ومناصرتهم ليس لتوصيلهم إلى سدة الحكم لتشريع القوانين وتسيير شؤون السلطة التنفيذية وحسب؛ بل أنهم سيكونون أصحاب السلطة المطلقة بالدولة، لإنصافهم سياسيًا وخدماتيًا وتوظيفيًا وطائفيًا.  

درويش: خطوة إيجابية
وهنا، نستعرض بعض الآراء السياسية والمدنية حول التطلعات لحكومة ميقاتي، وانعكاساتها على طرابلس والشمال.  
يعتبر علي درويش، نائب كتلة الوسط البرلمانية التي يرأسها ميقاتي، أن تشكيل الحكومة خرق المراوحة وكسر الاستعصاء، وأن ميقاتي يخطو خطوة إيجابية نحو الخروج من النفق. ويرى في حديث لـ"المدن"، أن أمام الحكومة تحديات جسيمة، وأن طرابلس وعكار بحاجة ماسة لاستقطاب المشاريع الخارجية.  

وقال إن ميقاتي يضع على سلم أولوياته إحداث صدمات إيجابية لاحقًا، وأن فريقه لن يغفل مشاريع طرابلس، كالمتعلقة بالمرفأ ومعرض رشيد كرامي، مشددًا على المساعي لاستقطاب مؤسسات دولية تستثمر بمصفاة النفط في طرابلس.  

علوش: إدارة الكارثة
توازيًا، يرى نائب رئيس تيار المستقبل مصطفى علوش، أن الحدث الأهم هو إعلان تشكيل الحكومة، لكن فرص الإنقاذ من عدمها مرتبط بتطور الأمور، محليًا وإقليميًا.  

ويبدو علوش حذرًا بتفاؤله، لأن الأزمات التي تسببت بالانهيار قائمة، سواء بطبيعة التركبية السياسية أو نفوذ حزب الله واشتداد المحاصصة الطائفية، وفق حديثه لـ"المدن".  

وقال إن اللحظة تتطلب من الحكومة إدارة الكارثة فقط. أما بلوغ أي حل برأيه، فلن يتحقق قبل عقد مؤتمر تأسيسي يعيد النظر بالتركيبة اللبنانية.  

ويرفض علوش اعتبار أن حكومة ميقاتي شكلت هزيمة للحريري، "لأن ما قبله ميقاتي مع عون مختلف عما يقبله الحريري، ولأن خلاف فريق عون مع الحريري أخذ بعدًا شخصيًا".  

ويجد علوش أن منطق الربح والخسارة قائم على معادلة بقاء البلد من عدمه، معتبرًا أن ميقاتي أمام امتحان الإنقاذ. وانعكاسه على طرابلس ومحيطها، بعد أن تحولت مصدر قلق كبير، يضاف إلى التحديات الكبيرة التي تواجهه، وبالتالي تقييم أدائه.  

سلطان: مشاريع طرابلس
من جهته، يعتبر السياسي الطرابلسي توفيق سلطان، أن ميقاتي نجح بتشكيل حكومة تحولت لمطلب دولي وعربي ومحلي، وأن زعيم طرابلس استطاع أن ينتزع الثقة بقدرته على تدوير الزوايا، و"ثمة تعويل أن ينجح بتحقيق بعض الانجازات التي ترفع البلاد قليلًا من أسفل القعر".    

ونوّه سلطان بأهمية إعطاء حقيبة الداخلية للوزير بسام مولوي. وهو قاضٍ من طرابلس وكان رئيسًا لمحكمة الجنايات في الشمال. وقال لـ"المدن" إن الثغرات الأمنية في الشمال، تتطلب وجود وزيرٍ للداخلية يتفهم طبيعته وتركيبته. لكن الأزمة، وفق سلطان، بـ"وجود محافظ للشمال صاحب أداء مشبوه وليس موضع ثقة، ما يحمل ميقاتي مسؤولية السعي لإقالته من منصبه، بعد سنوات من المعاناة من سوء أدائه".  

ويرى سلطان أن الظرف راهنًا مختلف، وأن عرقلة مشاريع طرابلس المنجزة بحكومة 2011 يتحمل مسؤوليتها أيضا محمد الصفدي حين كان وزيراً للمالية.  

وشدد على ضرورة تنفيذ بعض المشاريع، كصرف قرض الـ87 مليون دولار لاستكمال البنية التحتية لمرفأ طرابلس وبناء الجسور، وتلزيم شركات جديدة إدارة مشروع مكب النفايات، لافتًا أن استجرار الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى معمل دير عمار، من شأنه أن يعزز دور الشمال الاقتصادي، محليًا وإقليميًا، بالمرحلة المقبلة.  

يأس مدني  
وواقع الحال، تعكس حكومة ميقاتي طبيعة التوازنات بين القوى السياسية، وإن كانت ملغومة ببعض الأسماء، التي لا تنفي عنها حقيقة: حكومة الحزبيين غير الاختصاصيين.  

وهنا، يعتبر يحيى الحسن، طبيب وناشط مدني من طرابلس، أن الحديث عمّا ينتظره الشمال من حكومة ميقاتي ساقط أساسًا، لأنها حكومة "تدوير السلطة"، بغض النظر عن بعض أسماء وزرائها. وبالتالي، لا يمكن لطرابلس وغيرها أن تنتظر إنقاذًا من السلطة عينها التي تسببت بدمارها.  

وقال لـ"المدن" إن يأس الناس هو ما دفعهم للتعبير عن سعادة مؤقتة بتشكيل الحكومة، فيما تداعيات الانهيار ورفع الدعم ستكون أكثر كارثية.  

وذكّر أن أركان السلطة التي توافقت على تشكيل الحكومة، لم تعرف يومًا سوى الفساد والمحاصصة، وأن بعض الأسماء "المستقلة" أخطأت بقبول توزيرها.  

ويرى الحسن أن الحكومة ولدت ميتة، لأنها تألفت نتيجة تركيبة مصالح، وليس انطلاقًا من رؤية إنقاذية. وهذا ما ستكشفه الأشهر المقبلة، التي أجلت فقط موعد الانفجار الكبير.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها