آخر تحديث:11:57(بيروت)
الجمعة 23/04/2021
share

تمرّد غادة عون: "التيار" يثأر من إرث إميل لحود

نذير رضا | الجمعة 23/04/2021
شارك المقال :
تمرّد غادة عون: "التيار" يثأر من إرث إميل لحود بدعم سوري سعى لحود عبر تعديل قانون "أصول المحاكمات الجزائية" إلى القبض على السلطة (Getty)

الانقسام الشعبي بين اللبنانيين إزاء تحرك النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان، القاضية غادة عون، ضد شركة "مكتّف للصيرفة، لا يظهر إلا جزء من جبل الجليد السياسي المتراكم بين "التيار الوطني الحر" وخصومه، ويشيح الأنظار عن الرسالة الحقيقية التي يدفع بها التيار، وهي الثأر من إرث رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود، و"خطأه" في العام 2001، بحسب ما يقول مسيحيون اليوم.

لا يختلف اثنان على أن ما قامت به القاضية عون مخالفة للقانون تصل إلى حد "التمرّد" على قرارات قضائية، حسب ما تقول مصادر سياسية من خصوم "التيار"، لكنها في الوقت نفسه، تبدو خطوتها محميّة من الناحية السياسية. فالاجتماع الأمني الذي عُقد في قصر بعبدا الخميس، لم يتطرق إلى أصل الفعل، بل ناقش نتائجه، وهو ما عبر عنه رئيس الجمهورية ميشال عون بانتقاد استخدام القوة مع المعتصمين، وهم في هذه الحال من مناصري القاضية عون الذين آزروها إلى مركز الشركة في عوكر.

ويخفي الانقسام السياسي معركة صلاحيات، تتمدد من مواقع الرئاسات إلى العمل القضائي الآن. وجد المسيحيون أنفسهم في هذا الوقت، بلا صلاحية تقريرية في القضاء، وذلك بعد نحو عشرين عاماً على تعديل قانون "أصول المحاكمات الجزائية" الذي منح مدعي عام التمييز صلاحية مطلقة. فالمادة 13، تنص على أن سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز تشمل جميع القضاة النيابة العامة، بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وله أن يوجه إلى كل منهم تعليمات خطية أو شفهية في تسيير دعوى الحق العام.

والموقع الذي يشغله قاضٍ ينتمي إلى الطائفة السنية، يرأس بحكم القانون مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، (يشغله ماروني)، كما يرأس النيابة العامة المالية (يشغلها شيعي)، والنواب العامين في المناطق ومن ضمنهم بطبيعة الحال في جبل لبنان، الذي يشغله عرفاً ماروني، وتتولاه الآن القاضية غادة عون.

والتعديل القانوني الذي وسّع صلاحيات النيابة العامة التمييزية، دفع باتجاهه الرئيس الأسبق إميل لحود في العام 2001. لم ينظر لحود إلى أبعاده الطائفية في بلد تتقاسم الطوائف، بتوازن، سلطاته وإداراته ومواقعه. كان همّه، بدفع سوري آنذاك، القبض على السلطة من قلب الإدارة، بالنظر إلى استحالة القبض عليها شعبياً بسبب ضعف تمثيله. وكان القاضي عدنان عضوم آنذاك، رأس حربة في النظام الأمني السوري – اللبناني المشترك. لذلك، يعتبر جزء من المسيحيين أن ما قام به لحود "خطيئة"، يدفع الآن ثمنها المسيحيون.

على أن المواجهة التي تقودها القاضية عون الآن، ليست إلا امتداد لهذا الصراع الخفي الذي يتصدر "التيار الوطني الحر" المعركة فيه. بدأت فصولها في ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس في ربيع 2019 على مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، واعتبرته قيادات سنية آنذاك "اعتداء مباشراً" لأن المراجعة القضائية تتم عبر مدعي عام التمييز، الذي هو رئيس مفوض الحكومة.

تتالت تحركات القضاة المسيحيين تجاوزاً للقانون المعمول به، وانفجر يوم ادعاء القاضية عون على رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي بتهمة الإثراء غير المشروع. يومها، أصدر رئيس الحكومة سعد الحريري تعميماً طلب فيه من جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات حصر مراسلة قضاة النيابات العامة على اختلافها، من خلال النائب العام التمييزي.

اصطدم فريق "التيار الوطني الحر" بالقانون، فيحاول التعويض عن "كفّ يده" بخرقه. ويمثل تحرك القاضية عون جانباً من هذه الاستجابة السياسية، وتكريس أمر واقع سيواجه بالخطاب القائل بصلاحيات المسيحيين لدى مواجهة التمرّد القضائي القائم من قبلها. تحاكي عون الملف بطريقة شعبوية، لإدراكها بأن الركون لقرار مجلس القضاء الأعلى، سيخمد تحركها، بحكم القانون.

وإذا كان "التيار" الداعم لتحرك القاضية عون يسعى للثأر من إرث لحود السابق، فإنه ينضمّ إلى سلسلة تدابير تعوّض فيها الرئاسة "عما مضى" منذ اتفاق الطائف. فالمراسيم الاستثنائية التي يروّج لها البعض، واجتماع المجلس الأعلى للدفاع كبديل عن اجتماع الحكومة، ينظر إليها البعض على أنها استدعاءً لصلاحيات الرئاسة ما قبل الطائف، يتم توظيفها في فترة تصريف الأعمال وكبديل عن العجز عن تعويم الحكومة المستقيلة. 

عند كل اشتباك بين القوى السياسية، تصبح الحاجة ملحة للبحث عن معركة الصلاحيات. تلك التي تحكم العمل السياسي، وتأخذ شكلها الفاقع أخيراً في صراع سني – مسيحي منذ عامين على الأقل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها