آخر تحديث:13:26(بيروت)
الجمعة 02/04/2021
share

ترسيم حدود لبنان جنوباً وشمالاً: دروس اتفاق "17 أيار"

نبيل الخوري | الجمعة 02/04/2021
شارك المقال :
ترسيم حدود لبنان جنوباً وشمالاً: دروس اتفاق "17 أيار" ترسيم الحدود مع كل من إسرائيل وسوريا يكون موحد المعايير أو لا يكون (Getty)

لبنان 2021 لا يشبه لبنان 1983. لا مجال إذاً لمقارنة أي اتفاقية قد يبرمها مع إسرائيل بشأن الحدود البحرية، التي من المفترض أنها غنية بالغاز، بالاتفاقية التي كاد يبرمها معها عام 1983، والتي عرفت باسم "اتفاق 17 أيار". لكن، رغم ذلك، ثمة عبرة يمكن استخلاصها من ذاك الاتفاق، في حال أراد لبنان حماية حقوقه جنوباً وكذلك شمالاً، مع الحديث الآن عن تعدٍ سوري على مساحات بحرية لبنانية تضم "بلوكات" نفطية.

الشروط المتعاكسة
حينها، كانت إسرائيل تشترط انسحاباً سورياً (وفلسطينياً كاملاً) من لبنان، كشرط لانسحاب جيشها. وكانت سوريا تشترط انسحاباً إسرائيلياً كاملاً حتى تسحب قواتها من الأرض اللبنانية. لعبة الشروط المتعاكسة هذه، أدت في النهاية إلى بقاء الاحتلالين. وعندما كاد لبنان أن يوقع على "اتفاق جلاء القوات الإسرائيلية"، مع تقديمه تنازلاً لصالح إسرائيل، من خلال إقامة منطقة أمنية "محدودة الأسلحة" تُتخذ فيها "ترتيبات أمنية" بإشراف "لجان مشتركة للتحقق"، تضم حوالى 50 مراقباً عسكرياً إسرائيلياً و50 مراقباً عسكرياً لبنانياً، ولديها "حرية التنقل" ضمن مناطق محددة، كانت سوريا تقف بالمرصاد. فيما كانت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية، على وشك الانتهاء، كان الرئيس السوري، حافظ الأسد، يبلغ لبنان بأنه يعتبر "أي مكاسب يحققها الغزو الإسرائيلي للبنان تشكل خطراً على أمننا الوطني والعربي، ما سيفرض علينا بقاءً في لبنان مستمراً ما استمرت هذه المكاسب (...)"، حسب مذكرة أرسلها الأسد إلى الرئيس اللبناني آنذاك، أمين الجميل، في 28 نيسان 1983. هذا ما يورده وزير الخارجية اللبناني الأسبق، إيلي سالم، في كتابه: "الخيارات الصعبة. دبلوماسية البحث عن مخرج". بصريح العبارة، قال الأسد خلال استقباله سالم في 2 أيار 1983 بدمشق: "إذا ما حققت إسرائيل بعض المكاسب في لبنان، فإن الجيش السوري لن ينسحب". هكذا، انتقل الوضع في لبنان من مأزق إلى مأزق وتحوّل عملياً إلى منطقتي نفوذ إسرائيلية وسورية (...).

العبرة من تلك التجربة تتمثل في أن أي تنازل كان سيقدمه لبنان لإسرائيل، أياً يكن حجمه ومداه سياسياً وأمنياً، كان مضطراً لتقديم ما يعادله لسوريا أيضاً. وأي امتيازات كانت ستحصل عليها إسرائيل جنوباً، كانت سوريا ستطلب الحصول على ما يماثلها على حدودها مع لبنان، وفق قاعدة الأمن مقابل الأمن.

الحقوق الوطنية
ولّت تلك المرحلة. لكن دروسها لا تزال ذات صلة. فلبنان اليوم لديه إشكالية حدودية مع إسرائيل مماثلة للإشكالية الحدودية مع سوريا. فهو يتمسك بخريطة تظهر أن مساحة المناطق المتنازع عليها تبلغ 2290 كليومتراً مربعاً، بينما تصر إسرائيل على أن النزاع يشمل مساحة 860 كليومتراً مربعاً. والوساطة الأميركية التي أفضت في تشرين الأول 2020 إلى إطلاق مسار التفاوض لترسيم الحدود، تقترح تسوية تقوم على أساس منح لبنان حوالى 58 بالمائة من الـ860 كلم2، مقابل حوالى 42 بالمائة لإسرائيل. في المنظور الإسرائيلي والأميركي، ثمة تنازلات مطلوبة من لبنان كشرط لترسيم الحدود، لبدء الحفر والتنقيب عن مخزون الغاز واستثماره. كذلك، وحسب ما كشفت مديرة "معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، لوري هياتيان، منذ أيام، فإن سوريا كلفت شركة "كابيتال" الروسية بالتنقيب عن النفط والغاز في "البلوك" السوري رقم 1، وفق خريطة تظهر تعدياً على الحدود البحرية اللبنانية ضمن مساحة تصل إلى 750 كليومتراً مربعاً.

صحيح أن الدبلوماسية اللبنانية تتعامل مع إسرائيل كعدو، ومع سوريا كدولة شقيقة. إلا أن الحقوق الوطنية للبنان تبقى مجردة، غير قابلة للمس والانتهاك، لا من قبل العدو، ولا من قبل الحليف. وإذا كان لبنان يريد أن تخلص المفاوضات مع الطرفين إلى اتفاقات ملائمة له، تحمي حقوقه وتجنبه قضم أي مساحة من أرضه في البر والبحر، يتوجب على الدبلوماسية اللبنانية بالتالي أن تضع معاييرَ موحدة ومنسجمة للتفاوض، مستمدة من القانون الدولي. فلا تتنازل لسوريا عن حق، ترفض التنازل عنه لصالح إسرائيل. والعكس بالعكس. فبمجرد أن يتخلى لبنان عن معيار من معايير ترسيم الحدود، بما يؤدي إلى قبوله بتعديل الخريطة شمالاً، سيكون قد فتح على نفسه الباب الذي ستتسلل منه الوقاحة الإسرائيلية المعهودة من أجل الحصول على معاملة بالمثل جنوباً.

معركة الخرائط
معركة الدفاع عن خرائط الحدود البحرية مع كل من إسرائيل وسوريا تكون موحدة المعايير أو لا تكون. وتجارب لبنان مع الطرفين، خصوصاً في مرحلة الثمانينات، تشير إلى أن التواطؤ الضمني بينهما غير مستبعد، بشكلٍ يعزز مصالح كل منهما على حساب مصالح لبنان.

في الماضي، أدت الانقسامات الداخلية اللبنانية إلى التفريط بالمصلحة الوطنية العليا، لصالح احتلالين، إسرائيلي وسوري. فهل ستؤدي الانقسامات الحالية، المعطوفة على الإفلاس السياسي للأحزاب كافة وانحطاط خطابها، إلى التفريط بالمصلحة الوطنية مجدداً، وخسارة قسم قيّم من الثروة النفطية في الجنوب والشمال؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها