آخر تحديث:16:00(بيروت)
الأحد 18/04/2021
share

القاضية عون: ملهاة إعلامية وسياسية بلا عدالة

نادر فوز | الأحد 18/04/2021
شارك المقال :
القاضية عون: ملهاة إعلامية وسياسية بلا عدالة ملف غادة عون أمام هيئة التفتيش القضائي، وكذلك قرار عويدات (عباس سلمان)
مشكلة القاضية غادة عون، أولاً وأخيراً، أنها تنتمي سياسياً لمحور "العهد القوي". من يكنّ العداء لها من هذا المنطلق، محقّ لاعتبارات عديدة منها تدخّل السياسة في القضاء، وشبهة انحياز العدالة والعمل وفق أجندة سياسية، وممارسة الضغوط في هذا الإطار على خصوم سياسيين. لكن من يعاديها انطلاقاً من هذا الأمر، وهو منتمٍ بدوره لحزب سياسي وفريق سلطوي ساهم بسياساته وإدارته بالانهيار المؤسساتي والمالي والاقتصادي، ومشبوه في الرشى والهدر، ومثبّت عليه منطق التحاصص والتقاسم على حساب أموال الناس والدولة، فيكون مفضوحاً بوقاحته. لذا، يضع ملف القاضية عون أغلب اللبنانيين، غير المنتمين إلى أحزاب السلطة وممثليها، والباحثين عن دولة وبلد ومؤسسات، في مأزق. وهو المأزق نفسه الذي تجد فيه هذه الغالبية نفسها مضطرة مرة أخرى إلى الخيار بين السيء والأسوأ.

عراضة الإعلام والسياسة
أمام المشهد المتكرّر يومي الجمعة والسبت في شركة مكتّف للصيرفة، عراضة إعلامية وسياسية موصوفة. والدليل أنّ نتائج كل هذا صدر عن القاضية عون نفسها ليل أمس بإلغاء قرار البحث والتحري الصادر بحق ميشال مكتّف، ورفع الشمع الأحمر عن الشركة أيضاً. حشدت القاضية عون المئات أمام الشركة، استقطبت عشرات الكاميرات، والخلاصة أنّ الملف يسير للأسف إلى خاتمة قضائية من دون شبهات. ليتمّ تحويل ملف جرائم مالية جديد من البحث الجدّي والضروري إلى ملهاة إعلامية وسياسية من دون أي نتائج، والأهم من دون محاسبة. ولو أنّ القاضية عون، كانت تقوم فعلياً بواجبها. وظيفتها الادعاء، وقامت بذلك، ولو أنّها متّهمة بتأدية هذه الوظيفة لصالح طرف سياسي على حساب آخر. وهذا ما عقّد مهمّتها، إذ أضحت وظيفة الادعاء مسيّسة.

إخفاقات القاضية
في 4 سنوات، أثارت القاضية عون ومن حولها من مسؤولين في التيار الوطني الكثير من الضجيج في ملفات فساد وهدر وسوء إدارة. أي منها لم يؤدِ إلى نتيجة. والدليل، أنّ الناس كانت لا تزال في الشارع تطالب بمحاسبة الفاسدين واستقلالية القضاء، في التحويلات المالية إلى الخارج تحديداً، بدءاً من رياض سلامة وصولاً إلى مكتّف وكبار شركات الصيرفة وصغار الصرّافين. لا بل إنه عكس المطلوب، ساهمت كل هذه الجعجعة الإعلامية والسياسية في فقدان الأمل الإضافي بإمكان تحقيق المحاسبة في هذه الملفات. والجواب، كما عهدناه من فريق العهد، "ما خلّونا". وإخفاقات القاضية عون في هذا الإطار سهّلت لمتّهمين فعليين بالفساد القيام بالهجمات المرتدة اللازمة أمام القضاء. فكانت سلّة من الشكاوى والدعاوى القضائية المقدّمة ضدها، بدءاً من ملف الإثراء غير المشروع ضد رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، وصولاً إلى تحويلات حاكم مصرف لبنان أو هيئة إدارة السير وملف الكسّارات وغيرها الكثير من الملفات التي لم تأتِ بأي نتيجة.

مخالفات وقرارات عجيبة
في الحرب المضادة على القاضية عون، إثارة لجملة من المخالفات التي قامت بها، وتحديداً في عدم الانصياع إلى قرارات المدّعي العام التمييزي، القاضي غسان عويدات، ولا إلى مجلس القضاء الأعلى.. والتصريح في الإعلام وغيرها الكثير. هذا كله يمكن التثبّت منه في اقتحامها لمكاتب شركة مكتّف في اليومين الماضيين، ورفض الانصياع للقرار الصادر عن عويدات بكفّ يدها عن ملفات الجرائم المالية.

لكن هذا في ميل، والقرارات القضائية التي صدرت عنها في ملفات أخرى في ميل آخر. القاضية عون، أوقفت قبل عام ثلاثة قاصرين في قضية إحراق صورة لرئيس الجمهورية. استمرّت بتوقيف أحد الشبان لأسبوعين بقضية تشابه أسماء من دون النظر في الملف، بتعليل انشغالها وانكبابها على دراسة ملفات أخرى. أخلت سبيل نجل أحد المسؤولين في تيار سياسي محسوبة عليه، ولو أنه ضُبط بحوزته "ميزان حسّاس" لترويج المخدرات. تأخرت في إصدار قرار منع السفر بحق رئيس مجلس إدارة "سايفكو" المتّهم باختلاس ملايين الدولارات ما سمح بمغادرة لبنان. أخلت سبيل مواطن أجنبي ضُبط بحوزته مخدّرات في مطار رفيق الحريري الدولي. تحويل ملف جناية قتل بحق مرافق إحدى الشخصيات السياسية إلى جنحة إطلاق نار.

مصير عون
مصير القاضية عون مطروح أمام هيئتين قضائيتين لا ثالث لهما، مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي. وحسب ما فُهم من كلام وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال، ماري كلود نجم، أمس، فإنّ ملف عون ومخالفاتها وقرار القاضي عويدات، بات كلّه بيد هيئة التفتيش القضائي. في حين من المفترض أن يستبق مجلس القضاء جلسته الدورية يوم الثلاثاء المقبل، بعقد اجتماع استثنائي يوم غد الإثنين للبحث في الموضوع.

وفي معلومات حصلت عليها "المدن"، فإنّ قاضيين من مجلس القضاء الأعلى أعلنا بشكل قاطع معارضتهما لأي قرار قد يصدر بحق القاضية عون. وهو ما وضع الملف كاملاً في يد هيئة التفتيش، وأقصى "المجلس" عن إمكانية محاسبتها، بناءً على المادة 95 من قانون تنظيم القضاء العدلي، التي تشير إلى أنه "لمجس القضاء أن يقرّر في أي وقت عدم أهلية القاضي". وإذ يسلك الملف درب التفتيش القضائي، وبناءً على القوانين، يتم إحالته إلى المجلس التأديبي الذي يصدر قراراته، التي تتعدّد وتتنوّع بين لوم القاضي أو تنبيهه أو خفض درجته أو عزله.

لكن في هذا الإطار أيضاً، يبقى أنّ أيَ قرار قد يصدر عن التفتيش القضائي بحاجة إلى توقيع وزيرة العدل. والوزيرة في هذه الحالة وفي موقفها السياسي المعروف من شأنه أن يعقّد الملف أكثر. وبفعل الواقع السياسي المحتدم وانقساماته، أي ضربة قد تكون قاضية توجّه إلى القضاء اليوم. عدم معاقبة القاضية عون على مخالفاتها القضائية يفتح المجال أمام أي قاضي آخر لاعتماد الأسلوب نفسه، وارتكاب المخالفات نفسها، فيصبح باب التخبّط والتجاوزات مفتوحاً فيه. ومعاقبة القاضية عون على تنفيذها واجبها بالادعاء على مجرمين وفاسدين، يقضي على أي محاسبة ممكنة في البلد. فنحن، مجدداً، أمام خيارين، السيءّ والأسوأ.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها