آخر تحديث:15:58(بيروت)
الخميس 15/04/2021
share

رينيه ديك وموبقات الاستعمار

يوسف بزي | الخميس 15/04/2021
شارك المقال :
رينيه ديك وموبقات الاستعمار غيابها انتصار جديد للذين طردوها وحاولوا إذلالها (الانترنت)

قبل سنوات طردوا رينيه ديك من كلية الفنون في الجامعة اللبنانية، حين كانت "موديلاً" في صف الرسم البشري. أيديولوجيا الحشمة ما عادت تطيق هكذا تقاليد: لا يجوز رسم العري. لا يجوز وجود امرأة عارية هكذا أمام نظر الطلاب. بل لا يجوز تأمل الجسم البشري والاعتراف به أو تبجيله. تم حذف هذا التعليم الحيّ "الذي صدّره لنا الاستعمار الغربي مع كل موبقاته ومفاسده وانحلاله الأخلاقي".

الذين طردوها هم المهيمنون على الجامعة اللبنانية كما على النقابات وعلى الشارع وعلى الثقافة والسياسة والحدود ومخازن الأدوية وشبكات شراء الدولارات.. إلخ.

ماتت رينيه ديك، الممثلة المسرحية والسينمائية، والموديل العاري لأجيال من خريجي الفن التشكيلي. ماتت بكامل فقرها وانكسارها. اكتملت شيخوختها حتى الانطفاء.

بدا لي غيابها انتصار جديد للذين طردوها وحاولوا إذلالها. غياب علامة أخرى على مدينة كانت هنا، على بشر مختلفين عن أولئك المهيمنين الأقوياء. بشر أو بالأحرى أفراد منحوا ذاك الطعم الغامض والجذاب لزمن بيروت الآفل.

منذ منتصف الخمسينات ابتدأ عصر ثقافي وسياسي واقتصادي في العاصمة، جعلها بفترة قياسية "كوزموبوليتية" بالغة الغواية والتأثير في هذا الشرق الأوسط. مدينة تستيقظ كل يوم لتستعرض نفسها، سياحة وفناً وتجارة واختلاطاً لأعراق وثقافات، مضيئة شرق المتوسط بأكمله.

ورغم كل السذاجة التي تكتنف عادة الادعاءات الكبيرة، كانت فكرة "الحداثة" عنواناً يومياً، وتدريباً عمومياً للسكان وهم ينخرطون في نمط حياة يصبو إلى التشبه بأمثلة المدن الكبرى، المتروبوليتان، باريس أو نيويورك.. وكان هذا يحدث في ازدهار الصحف والمصارف ومقاهي الرصيف والمسارح ودور السينما والمتاجر الكبرى الجديدة وصالات الفنون والمعاهد الأكاديمية والإقبال على اللغات الأجنبية وظهور العمارات الحديثة وتغيّر وظائف السكن واكتساب آداب سلوكية جديدة وفورة المطابع ودور النشر وبروز الحركات الأدبية..

تعود رينيه ديك إلى تلك الحقبة، إلى تلك الأجيال والأسماء التي أضافت للجمهورية اللبنانية ذاك الصدى الخاص في تاريخ المنطقة. وبقليل من الادعاء، هم الذين جعلوا لبنان أكبر من جغرافيته.

كان الفن على وجه التحديد، والمتمتع بالحرية، يؤلف ذاكرة وطنية بقدر ما كان يدبر "عاصمة" على معناها الجامع للكيان وللمجتمع. أي يصنع ذاكرة عامة ومشاعر مشتركة هي إلى حد بعيد الهوية. وأولئك الذين تنكبوا الفن، وألفوا لنا صورة عن أنفسنا ووجداننا ومزاجنا وذوقنا، الطليعيون الأفراد، كانوا أهم من السياسيين أو التجار والصناعيين.. في إضفاء المعنى وتحديد الدور ورسم الوجهة لهذه الجمهورية. وكانوا أول المنهزمين في حروب لبنان المتناسلة. وبهزيمتهم بدت البلاد متشرذمة ومنتكسة إلى ما قبل الدولة. لقد هُزمت الحداثة وأهلها على نحو عنيف وقاس.

عادت رينيه ديك وأشباهها إلى الواجهة في التسعينات.. أضيئت المسارح تحت عنوان "إعادة الإعمار" وبأيديولوجيا استئناف ما توقف في نيسان 1975. هكذا كقفزة هائلة فوق تجربة 15 عاماً من الحروب. وبكامل السذاجة، كان ذاك "الأمل" باستعادة بيروت الستينات والسبعينات يتجاهل قوة التجربة المريرة لتلك 15 عاماً وفظاظة الوقائع الجديدة التي يمكن اختصارها بتجذر عقيدة الحرب والإيمان الطائفي وتبدد الاستقلال الوطني.

بين مطالع التسعينات وحتى منتصف العشرية الأولى، كانت حقبة رفيق الحريري بقدر ما كانت حقبة حسن نصرالله وآل الأسد (والدبابات الإسرائيلية). الإعمار والحرب، الفن والرصاص.. معاً. التعايش المستحيل سرعان ما انفجر وبدأ موت البلد.

في العقدين المنصرمين، أتيح لجيل رينيه ديك أن يمنح جيل ما بعد الحرب ذاك القبس قبيل انطفائه. رأينا اللوحة والمسرحية والفيلم، وسمعنا تلك الموسيقى والأفكار، واختبرنا ذاك العيش الحر الفردي، وانحزنا لطرائق كتابة وسياسة وكلام، واخترنا سبل حب ومعاشرة وسهر وصداقات، بل وأماكن سكن وعيش.. وفق ما يناسب رغبتنا بتلك "الكوزموبوليتية" البائدة. نحن الأقلية الأخيرة من الذين ورثوا "ما صدّره لنا الاستعمار الغربي مع كل موبقاته ومفاسده وانحلاله الأخلاقي".

مئات من أسماء الصحافة والرواية والشعر والمسرح والفكر والفن التشكيلي والسينما.. يحضرون الآن مع رينيه ديك (وقبلها لقمان سليم) كموتى وكمهزومين ومطرودين. هكذا تركع المدن وتخرّ صرعى.

لا عري لا مسرح لا مدينة.. ولا جمهورية تليق بنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني