آخر تحديث:01:12(بيروت)
الإثنين 12/04/2021
share

بوسطة عين الرمانة وسوابقها.. بين الفلسطينيين والمسيحيين

محمد أبي سمرا | الإثنين 12/04/2021
شارك المقال :
بوسطة عين الرمانة وسوابقها.. بين الفلسطينيين والمسيحيين كانت امرأة فلسطينية تقول لجارتها المسيحية: "والله حتذوقوا زي ما ذقنا يا لبنانيي" (Getty)
تعارف اللبنانيون على أن حروبهم الأهلية بدأت بما سموه حادثة أو مجزرة بوسطة عين الرمانة في ظهيرة الأحد 13 نيسان 1975. والمعروف أن مسلحين من حزب الكتائب اللبنانية في حي عين الرمانة المسيحي، هاجموا في تلك الظهيرة حافلة ركاب متوجهة إلى مخيم تل الزعتر الفلسطيني، فقتلوا 27 من ركابها الفلسطينيين... وانفجرت الحرب الأهلية.

لكن تلك  الحادثة - المجزرة، سبقتها، أقله منذ العام 1969، حوادث مماثلة، ومجابهات كثيرة بين المنظمات الفلسطينية المسلحة، التي أيدها وولاها الشارع الإسلامي، وبين الجيش اللبناني الذي أيده ووالاه الشارع المسيحي. وهكذا راح يتفاقم انقسام اللبنانيين وشقاقهم الطائفي والأهلي ويتسعان، وخصوصاً في بيروت ضواحيها المختلطة طائفياً. وقد لابس ذلك الشقاق احتقان وأحقاد وثارات راحت تتناسل في مناطق لبنانية كثيرة.


وتروي هذه الشهادة من شخص مسيحي ولد في حارة حريك سنة 1964، وقائع ذلك الاحتقان وحوادثه بين تلك البلدة المسيحية ومخيم برج البراجنة الفلسطيني، وصولاً إلى حادثة بوسطة عين الرمانة. وكانت "المدن" قد نشرت حلقات ثلاث من شهادة الراوي: الإثنين 22 آذار الماضي، عنوانها الطائفية ومسرحها الهزلي في حارة حريك الستينات. والأحد 28  آذار، بعنوان رعب المسيحيين: حارة حريك والكحالة وحزب الكتائب. والسبت 3 نيسان، عنوانها مسيحيو حارة حريك وطريق المطار.. قبيل عاصفة الفدائيين. وتبين هذه الشهادات أن حادثة عين الرمانة كانت حلقة من سلسلة حوادث كثيرة متناسلة ومتنقلة.

عملاء وخطف ورصاص
أثناء اشتباكات أيار 1973 بين الجيش اللبناني ومسلحي المنظمات والميليشيات الفلسطينية في بيروت، حصلت موجة نزوح مسيحية مشهودة من حارة حريك. وخصوصًا بعد حادثة خطف ثلاثة شبان من أبناء عمتي التي كان منزلها وبستانها الكبير على تخوم مخيم برج البراجنة. فقد دهم فدائيون مسلحون بيت عمتي الذي كان أبو أسعد الفلسطيني المقيم في المخيم، يعمل في مزرعته بقّاراً (يعتني بالأبقار)، وجاء مع المداهمين، ربما ليدلهم إلى البيت. والأرجح أنه هو من صوّر لهم أن أبناء عمتي يملكون أجهزة اتصالات يتجسسون بها على اتصالات الفدائيين. ومصدر تصوره الساذج هذا - ولربما لابسه شيء من حقد "طبقي" على المسيحيين، أيقظته قوة الفدائيين الفلسطينيين الصاعدة - أن أحد الإخوة الثلاثة كان موظفًا فنيًّا في شركة أركسون لأجهزة الاتصالات الهاتفية وغير الهاتفية. وكان وأخويه يهوون تفكيك تلك الأجهزة وتركيبها واختبارها في بيتهم، الذي دهمه الفدائيون لخطفهم إلى المخيم، بتهمة اتصالهم بإسرائيل، بواسطة أجهزة لاسلكية متطورة لديهم في منزلهم. ولأن أحدهم كان يعاني من وهن في قلبه، أدت رجاءاتُ أمه وتوسلاتها الملتهبة فزعًا، إلى حمل المسلحين على تركه في حضنها، مكتفين باعتقال أو خطف أخويه.

لا أذكر مدة اختطاف الأخوين وغيابهما. لكنني متأكد من أن عمتي وزوجها وابنها المعتل القلب، هجروا منزلهم ومزرعتهم على تخوم المخيم الفلسطيني، ولجأوا إلى بيتنا، وأقاموا عندنا صامتين صمتًا مأتميًا شاركناهم فيه، حتى عودتهم إلى بيتهم بعد إطلاق سراح الأخوين. لكني لا أنسى ما حييت منظرهما حين عودتهما من الاحتجاز في المخيم: ثيابهما ممزقة، دم ينزف من وجهيهما، ورضوض وكدمات ظاهرة في مواضع من جسميهما. وهكذا تحققت في ابني عمتي نبوءة جارتها أم حسن الفلسطينية. فعمتي وأولادها أخبرونا أن أم حسن كانت أثناء زياراتها بيتهم، وتناولها القهوة معهم، تررد على مسامعهم ساخرة مازحة: "والله حتذوقوا زي ما ذقنا يا لبنانيي". وفي زياراتها تلك، كانت أم حسن تصطحب معها ابنتها الشابة أحيانًا. وحينما كان أبناء عمتي يسمعون أزيز رشقات نارية في الجوار، فيشتكون خائفين، متذمرين ومتسائلين عن أسباب إطلاق النار، كانت ابنة أم حسن تجيبهم قائلة: ما في رصاص، وين الرصاص؟! مش عم أسمع رصاص. آذانكم وتوهمكم أنكم تسمعون أصوات رصاص.

وبعد حادثة خطف ابني عمتي، استأجر والدي منزلاً صيفياً في عشقوت في كسروان، لا لنصطاف فيه فحسب، بل لنلجأ إليه كلما تجددت الحوادث المفاجئة والخوف من الفدائيين في حارة حريك. قبل ذلك كنا نهرب إلى بيت جدي لأمي في بزبدين بالمتن الأعلى. لكن والدي أخذ يتجنب أن نلجأ إلى بزبدين كلما دهمنا الخوف في بلدتنا الساحلية. فهو رأى مرة أخوالي المنتسبين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي ينقلون السلاح والذخائر في سيارتهم إلى بيت جدي ويخزنونه فيه. وما زال مشهد السيارة تلك، المزينة بالزوبعة وبشعارات الكفاح المسلح، حاضرًا في ذاكرتي، لمّا أبصرتهم يخرجون منها السلاح.

خوف وتعريب
ثم اختفى اسم مدرستنا سيدة الملائكة عن الأتوكار الذي كان ينقلنا إليها في بدارو، ويعيدنا منها إلى بيتنا في حارة حريك، مروراً في الشياح والغبيري. وكان الأتوكار يمرُّ في أحد أحياء الغبيري الشعبية الداخلية المكتظة، ليوصل تلامذة من السريان السوريين من آل معمرباشي. وأثناء مروره في ذاك الحي، أخذت زمرة من فتيان الشوارع ترشق أتوكارنا بالحصى. ثم طورت هذه الزمرة تقنيات شقاوتها الحاقدة على ما يمثله اسم المدرسة المدوّن باللغة الفرنسية على الأتوكار: راح بعض الفتيان يستخدمون "نقيفات" كاوتشوكية في رمايته بالحصى. ومرة أصابت حصاةٌ وجهي، فوصلت إلى بيتنا منتفخ العين. وبعد مدة قصيرة على تكرار مثل هذه الحوادث، أزالت إدارة المدرسة اسمها عن الأتوكار، ودوّنت في مكانه بالعربية: باص مدرسة. كأنما ما حدث لأتوكار مدرستنا كان خطوة أولى على الطريق الطويلة التي أدت أخيراً إلى تعريب لبنان.

وفي ذلك الوقت تضاعف تغيّر مظاهر الحياة اليومية وملامح العمران في حارة حريك: حلّ في حيّنا ساكنون جددًا، منهم عائلة جنوبية نزلت في الطبقة التي تعلو بيتنا في البناية. كانت تلك العائلة تضم عدداً كبيراً من أولاد جعلوا هدأة العيش في البناية من الذكريات. ومرة هوى صحن من شرفة بيت العائلة الجنوبية، فكاد أن يصيب أمي على شرفة بيتنا، قبل تحطمه على بلاطها وتطايره شظايا أمامها. وحين نزلت جارتنا للاعتذار من أمي، رأيت للمرة الأولى امرأة محجبة على نحو لم أره من قبل في نسوة حارة حريك، اللواتي لم يكن مظهر معظم المسلمات الخارجي منهن يختلف عن مظهر المسيحيات. فالمسلمات السافرات كنَّ كثيرات. أما اللواتي تضعن إشاربات على رؤسهن، فلم تكن هذه لتحجب شعرهن كله. وفي مناسبات العزاء المشتركة بين السكان "الأصليين"، غالبًا ما كان التمييز معدومًا بين مظهر المسلمات والمسيحيات اللواتي كان بعضهن يضع على رؤوسهن إشاربات في أوقات ذهابهن إلى الكنيسة.

ولا أدري اليوم لماذا يرتبط في ذاكرتي تغير حال جارنا جودت البسطاوي - زوج المرأة التي كانت تبدو في هيئة "أرتيست" تائبة أو متقاعدة - بتغير ملامح الحياة المحلية في الحارة، وتفشي الصخب والخوف فيها. فالنساء في حيّنا صرن يجفلن ويتراجعن عن شرفات بيوتهن، كلما أبصرن جودت على شرفة بيته، إذ أخذن يشاهدنه يخرج إلى الشرفة عارياً ويقوم بحركات نابية.

حرب على أعياد المسيحيين
اشتبكوا، نغّصوا العيد: هذه هي العبارة التي رحت أسمع أهالي حارة حريك المسيحيين يرددونها ويتبادلونها في النصف الأول من السبعينات، في أعياد الميلاد والجمعة العظيمة وعيد الفصح، وسواها من المناسبات، كالكرمس السنوي الذي كان يُنظّم في باحة الكنيسة أو في ملعب مدرسة راهبات حارة حريك. لا أدري لماذا راحت الحوادث والاشتباكات والاستنفارات المسلحة، تتكاثر في الأعياد المسيحية. حتى أن الأهالي أخذوا يعتبرون توقيتها مقصود، لتسميم حياتهم وترويعهم وحملهم على النزوح من بيوتهم وبلدتهم. وفي واحدة من حوادث إطلاق النار، أصيب شاب برصاصة في عموده الفقري، فانشلّت قدماه، ثم لم يلبث أن توفى بعد أشهر أمضاها مقعداً.

من نافذة صالون بيتنا رأيت مرة، شابًا دونجوانيًا يقود سيارته "الشلانجر السبور" منطلقًا "يشّفط" مختالًا بها في الشارع. وفجأة سمعتُ صوت رشقات نارية من جهة المخيم، وأبصرت الدونجواني يوقف سيارته ويخرج منها غاضبًا، ويغلق بابها بقوة، متلفتًا ومحدقًا في اتجاه المخيم. ثم سمعته يرفع صوته ويقول حانقًا: عالقة؟! عالقة ما هيك؟! عالقة؟! فعلمت أن مروره صادف أثناء استنفار المسلحين الفلسطينيين واشتباكهم في مخيم البرج وعلى تخومه القريبة من الحارة. نعم عالقة، أكيد عالقة، قال رجل كان يجلس على كرسي على الرصيف، مجيبًا الشاب، الذي التفت إلى الرجل، ثم أدار رأسه مجدداً ورفع يده مشيرًا نحو المخيم، وقال: عالقة، خلّيها عالقة، وك.... أختا ما تروق. وفي غضب دونجواني صعد الشاب إلى سيارته، وانطلق بها مسرعاً عائداً إلى حيث أتى.

مسخرة السلاح المأسوية
مشهد حارة حريك الصامت والحزين، ذاك الذي كنت أبصره بين العصر والمغرب من نافذة مطبخ بيتنا، راسخ رسوخًا أبديًا في ذاكرتي، كأنه المشهد الأخير لتلك البلدة ولطفولتي وصباي فيها. وهو مشهدٌ - حالةٌ متكررة راحت تنتابني، تشجيني وتقلقني، بعد عودتي من مدرستي في شارع بدارو إلى بيتنا في عصاري النهارات. لا أدي كم من الوقت والأيام ظل ذاك المشهد يتكرر: شحوب شفيف يفلِّف العالم، فيما يزوغ بصري، عبر نافذة مطبخنا، عائمًا على بيوت وبنايات تتخللها قطع من حقول وبساتين تتراءى ممتدةً متباعدة حتى حدود مطار بيروت الدولي. لكن الأكيد أن ذاك المشهد - الحالة انطبعا في حواسي وكياني سنوات قبل حادثة أو مجزة 13 نيسان 1975 بفلسطينيي بوسطة عين الرمانة الشهيرة، وظلا يتكرران طوال أيام حرب السنتين (1975 - 1976).

ومن الحوادث التي تزامن ذاك المشهد - الحالة، أتذكر سعيَ شبان مسيحيين من حارة حريك للحصول على بطاقات تفيد أنهم ينتسبون إلى منظمات فلسطينية مسلحة، ليتداركوا بها قلقهم وخوفهم أثناء تنقلاتهم اليومية بين بلدتهم وسائر أنحاء وجهات بيروت وضواحيها. وهي بطاقات يحملونها ويبرزونها لتؤمن لهم الحماية من الخطف في أوقات نصبِ حواجزَ مسلحةٍ فجأةً على الطرق، لخطف العابرين المتبادل على الهوية الطائفية. وكذلك من الحواجز الثابتة التي نصبتها بين الأحياء والمناطق المنظماتُ المسلحة الفلسطينية، وسواها اللبنانية اليسارية والعروبية الحليفة. وسختْ تلك المنظمات في توزيع بطاقاتها العسكرية التي تحمل أحيانًا رتبا عالية.

قبل ذلك كان أشخاص يقيمون ويعيشون على هوامش مجتمع حارة حريك المحلي، قد أخذوا يماشون تمدّد النفوذ الفلسطيني وسلاحه في بلدتنا، فيما كانت وتائر تحولها العمراني والسكاني تتسارع لتصير دائرة بلدية من ضواحي بيروت الجنوبية. ومن أولئك الأشخاص فلسطينيٌ مسيحي يدعى تادرس سطاس، متزوج من امرأة مسيحية من أهل الحارة "الأصليين"، ويسكن الزوجان قريبًا من البناية التي فيها بيتنا. وكان تادرس متواضع الحال، ويعمل دهانًا مثل سواه من فلسطينيي مخيم برج البراجنة المسلمين الذين كان بعضهم عمالًا زراعيين ووراقين وعمال ورش بناء. وبعض الجيران في حيّنا كانوا يشفقون على تادروس، فيما يعامله آخرون معاملة دونية مذِلَّةً، أسوة بسواه من العمال الفلسطينيين المسلمين. وبعد حيازة تادروس على قطعة سلاح من منظمة فلسطينية وبطاقة انتساب إليها، بدا كما لو أنه يسلك سلوكا ثأرياً من مذلّة وضعه السابق، فأخذ أحيانًا يحمل بندقيته الحربية ويتمشى بها في شوارع المحلة.

وأذكر من الساعين في الحصول على بطاقات منظمات عسكرية فلسطينية، شابًا من آل الشويفاتي، هاجر لاحقا إلى أستراليا. وكان على الحاصلين على تلك البطاقات أن يختاروا أسماء "حركية" تُدوّن على بطاقاتهم، ويُفترض أنها تخفي أسماءهم الأصلية المسيحية. لكن الشاب الشويفاتي جعل اسمه الطفولي الذي يدلّعُه به أهلُه وجيرانه (زوزو)، اسمًا "حركيًا" له، وهو تصغير لاسمه الأصلي (جوزف). والأغرب والأشد كاريكاتورية من اسم الشويفاتي الحركي، حصوله على بطاقة عسكرية برتبة عقيد في جيش التحرير الفلسطيني. ولمّا علم الدركي المسلم الذي يسكن فوق بيتنا في البناية برتبة زوزو العسكرية هذه، أخذ يسخر منه ويناديه: العقيد زوزو. ثم يسأله: كيفك سيادة العقيد زوزو اليوم، كيف أحوالك، أيمتى بدك تحرر القدس؟ وبدوره أخذ العقيد المزعوم يغيظ الدركي ممازحاً، فيجيبه: هلق واحد متلك دركي بشريطة واحدة (عريف)، صار لازم يضربلي سلام ويأديلي التحية العسكرية، يالله تأهب لشوف. لكن الدركي سرعان ما يجيب زوزو قائلًا: روح من وجهي وليه، واحد لاجىء فلسطيني، غور عن وجهي. وغالبًا ما كان هذا الحوار الهزلي يطلق قهقهات سامعيه من الجيران.

ومن حوادث تلك الأيام استدعاء والدي مرة مصلِّح أعطال أجهزة التلفزيون، الذي كان يعرفه ويستدعيه كلما طرأ عطل على تلفزيوننا في البيت. وكان المصلح شابًا شيعيًا من أبناء برج البراجنة. وحين حضر في تلك المرة الأخيرة إلى بيتنا، كان يحمل عدّة التصليح في جعبة عسكرية تحوي - إضافة إلى العدّة - طلقات أسلحة حربية وقنابل يدوية. فأثار ذلك استغراب والدي وخوفه، فقال له الشاب إنه يحمل بطاقة خاصة من أبو عمار (ياسر عرفات) الذي يصلّح له أجهزة الاتصال اللاسلكية في مكتبه. ولم يلبث الشاب أن أخرج علبة معدنية صغيرة من جعبته، وقال لوالدي: وهذه هدية خاصة من أبو عمار. ثم فتح الشاب العلبة وعرض علينا محتوياتها قائلًا: شوفو شوفو، هي مسدسات كاتمة للصوت. لم يصدّقه والدي، لكنه ظل مضطربًا خائفًا، فيما هو ينظر إلى تلك الأشياء المعدنية الصغيرة التي في أحجام وأشكال مستحضرات الزينة التي تضغها النساء في حقائبهن اليدوية في أوقات خروجهن من المنازل.

فجر التحرير والعودة
وأتذكر مشهد مظاهرة مسلحة لملثمين تسير وسط شارع حارة حريك الرئيسي في نهار عيد رأس سنة 1975. خلف المسلحين الملثمين مجموعات من شبان وأولاد، متجهين نحو ساحة البلدة. في مقدمة التظاهرة لافتة مدونة عليها عبارة: عام 1975 فجر جديد، عام التحرير والعودة.
وفي نهار الأحد 13 نيسان 1975، عادت أمي من سفرة سياحية، فاصطحبنا والدي في سيارته للغداء في مطعم في الجبل. عندما عدنا مساء من طريق غاليري سمعان متجهين نحو كنيسة مار مخايل في الشياح، رأينا رجال قوى الأمن الداخلي منتشرين بكثافة في الطرق والشوارع. وبدا الناس على حال من الترقب والقلق والحذر في حينا. فأخبر الجيران أمي وأبي بما حدث في عين الرمانة. وبينما جلست وأختي نشاهد التلفزيون في بيتنا، ذهب والدايّ إلى منزل أحد الجيران. وفي لحظة احتباس أنفاسنا حيال مشهد مرعب من المسلسل التلفزيوني، دوى انفجار هائل أرعد فرائصنا، واندفع جسمانا، أختي وأنا، من تلقائهما عن المقعد الذي كنا جالسين عليه في الصالون قبالة التلفزيون.

وكان ذلك الانفجار فاتحة زخات متقطعة من الرصاص، لم تلبث أن أخذت تعنف وتتواصل وتتخللها سلسلة من الانفجارات المتتالية في ساحة حارة حريك وعلى طول الشارع الرئيسي فيها. ومثل غيرنا من الأهالي خرجنا إلى شرفة بيتنا، فرأينا النيران تشتعل في المبنى القديم الذي فيه مركز حزب الكتائب وفي استديو التصوير تحته. وظلت الانفجارات وزخات الرصاص تتوالى حتى ساعة متأخرة من الليل، فيما الأهالي ينزرعون خلف نوافذ بيوتهم تنتابهم موجات من القلق والذعر حيال ما يحدث من حولهم ويشاهدونه: تفجير الصيدلية القريبة من الكنيسة، نهب المحال التجارية وحرقها، سرقة الأتوكارات من ملعب مدرسة الراهبات، إشعال النار في محطة المحروقات... ولمّا توقفت الانفجارات وزخات الرصاص، أنزلنا أبي وأمي من البيت إلى السيارة، وانطلق بها والدي إلى بيت جدي لأمي في بزبدين بالمتن الأعلى، فنمنا بقية ليلتنا هناك.
(غداً حلقة ثانية)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها