آخر تحديث:14:37(بيروت)
الخميس 01/04/2021
share

يوميات بلد ميّت

يوسف بزي | الخميس 01/04/2021
شارك المقال :
يوميات بلد ميّت التراجيديا الرديئة (مصطفى جمال الدين)

فوق تلة مشرفة على بيروت ومطارها يجلس ملك عجوز، شديد الشحوب، شمعي، بعظام متكلّسة مع دفتر ضخم للهزائم والثارات والضغائن، يبكي جمهورية حطّمها بيديه.

على يمينه، راسبوتين صغير، وصولي لجوج، مشعوذ مصاب بهذيان الألوهية. هوس لا محدود بالعظمة والمجد. هوس بمعجزات القديسين وعجائب السحرة. ينام كالبريء ويستيقظ كالشيطان.

في مكان ما من السهل الجنوبي للعاصمة حيث تحتشد البنايات وينحشر مئات ألوف البشر يقبع محارب أبدي، عطوف ودموي. ملتهب بحرارة الإيمان. يتلهف لموت العالم. الجنة على بعد إصبع.

هناك، في رأس بيروت، يسهر أمير القرون الوسطى، شكسبيري مطعون، سليل فرسان الامبراطورية والعطايا السلطانية، وريث الدم المهدور غيلة واغتيالاً، معتنقاً أفكار نيويورك واشتراكية السويد، وتقية القبيلة، وخوف الوريث الأخير.

في قلب العاصمة، داخل البيت الواسع، زعيم الصدفة المأسوية والثروة الناضبة، المتعب الدائم، البكّاء، مدمن الضعف بصلاحيات واسعة للتبديد. المتهدّج حين يتجرأ للحظات قبل أن يندم. الذي لا يعرف حقاً ذاك الفارق بين السياسة والصداقة، بين الفساد والازدهار.

وهناك، على تلك الرابية المطلة على بحر الروشة، يسكن "الأستاذ" العتيق، حاملاً مطرقة النظام كما كان يحمل مسدسه، يجرّ كيساً ضخماً من المظالم التاريخية إلى سوق المستقبل وما بعده، في مقايضات لانهائية لأرباح تدوم قرناً أو تتلاشى بلحظة. بلسان شاعر وعقل متآمر وروح ناشفة يقود شعبه، وفق وصايا الثعلب وأخلاق الملعونين.

في البعيد الجبلي، بالقرب من الضباب، يربض العنيد، بطل الماضي والنهايات المؤجلة، الذي تنفجر في مناماته ذكريات الموت والسجن والرصاصات، والذي يتلو الصلوات كأوامر عسكرية، ويحارب كآخر المبشّرين. الملسوع من التاريخ والمخدوع بالخرافات.. بلا أمل ولا شفاء.

تحت أولئك وفي مدارهم، حاشيات ورهط كبير من خبراء وسماسرة ومغامرين ومتكلمين ومحاسبين وسادة ضامرين وموظفين فطنين، وعصب نميمة وقتل ودسيسة، وفقهاء في كل شيء.. مرتشين نهمين.

وتحت هؤلاء كلهم، شعب من هائمين ومذلولين ومتعصبين وأنقياء وقذرين وفاعلي خير وشر وأذكياء وقليلي حيلة وأطفال منحرفين وأسوياء وأمهات حنونات أو قاسيات وآباء يستشرسون للرزق كيفما كان، مستقيمين أو فاسدين، أميين ومتعلمين، وطلاب لامعين وبليدين، ومزارعين ومهرّبين ومخلّصي معاملات، وأبطال وجبناء، وحالمين وطموحين وعباقرة وموهوبين وتافهين وفاشلين ومحظوظين.. ومئات ألوف من العاطلين ومليوني فقير ومليون معدم.

شعب لا يجتمع ولا يتفرق. شعب منكسر يحتفل بانتصارات من يافطات وترهات تلفزيونية. شعب يخسر كل شيء إن كان ثائراً أو خانعاً، غنياً أو فقيراً، انتهازياً أو متواضعاً، شهماً أو خسيساً.. شعب اقتات دولته كنمل على حبة سكّر. شعب أحرق جمهوريته ليتدفأ في عرائه الشامل.

أولئك فوق، أنجزوا التاريخ المخزي.. وهؤلاء تحت، في التراجيديا الرديئة. بلد ميت. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها