آخر تحديث:14:57(بيروت)
الجمعة 26/02/2021
share

النزعة الوطنية نحو التدمير الذاتي

يوسف بزي | الجمعة 26/02/2021
شارك المقال :
النزعة الوطنية نحو التدمير الذاتي كأنها حرب شاملة تدور رحاها بلا أسلحة نارية (Getty)

محاط بمساجد كثيرة، في لحظة اندلاع ميكروفوناتها بخطب الجمعة. صخب هائل من الكلام الغاضب الفائض بالاستياء والوعظ الناري. فضاء من أصوات ساخطة متوترة، في مدينة الفوضى العارمة وبشرها الكئيبين المأزومين العالقين في بلاد المهانة والضيق. هي لحظة انتبهت فيها إلى أن البلاد مصابة بانهيار عصبي. ما يشبه هستيريا النقمة الشاملة.

على مثال ظهيرة الجمعة هذه، تضج البيوت اللبنانية بشاشات تلفزيوناتها المحشوة أيضاً بخطب متصادمة موتورة، تبث الافتراءات والإسفاف والبذاءة والكذب. شاشات يحتلها متصدّرون من الجهلة وقليلي الحياء. شخصيات منتفخة بأوهامها النرجسية، مفسودة بالوقاحة والغرور، لا تفعل شيئاً سوى تسميم النفوس والعقول وتسعير أسوأ المشاعر والأفكار.

من قلب التلفزيونات إلى صفحات "التواصل" الاجتماعي حيث الضراوة الشنيعة لعمليات الاغتيال المعنوي، وحفلات الإعدامات المتبادلة، وصرير الأسنان المفعم بالكراهيات، ورذاذ الشتائم المتطايرة بفحشها ولؤمها. طغيان لروح الاقتتال ورغبات الإبادة.

من الإنترنت إلى شوارع الرعب الفعلي لحشود المارة والسيارات والدراجات النارية المتعاركة مع بعضها البعض في دوامة جهنمية من التنازع الشرس بلا قيد ولا وازع ولا قانون، كأن الناس جميعاً يحاولون النجاة من الخطر بالدوس على بعضهم البعض والتسابق الأرعن للخروج من هذه الدوامة اليومية المهلكة.

كأنها حرب شاملة تدور رحاها بلا أسلحة نارية. حرب لا قيود أخلاقية فيها، لا أعراف ولا شهامة. حرب منفلتة الغرائز بين جماعات ما عادت تطيق بعضها البعض. بل ما عادت تطيق الحياة نفسها. نزعة وطنية نحو التدمير الذاتي.

صور الانحطاط والانهيار الكثيرة التي أنستنا تقريباً معاني الدعة واللباقة والهدوء، أنستنا تلك الدماثة التي تتيح للبشر سبل التواصل والتفاهم، كما تكسبهم مزايا التعاون والانسجام. أنستنا روحية التضامن أيضاً والتعاطف الإنساني.

مع هذا النسيان المتمادي لـ"فضائل" الاجتماع، والذي يضفي على حياتنا اليومية طابعاً جحيمياً، اعتاد اللبنانيون سياسة سياسييهم بوصفها ملحمة كبرى بالتكالب والتحارب والمنازعة بلا أي حياء أو مضبطة أخلاقية. سياسة فاحشة بالدسائس والغلّ الشخصي والاستعداد التام لتجريد الآخرين من أي كرامة.

وفي الأصل كانت "الميليشياوية" هي الجذر الذي نمت منه هذه الشجرة الشريرة للسياسة اللبنانية، بل للأخلاق العامة والسائدة في علاقات الجماعات والأفراد ببعضهم البعض. القتل والاغتيال والسحل والتدمير والإرهاب كوسيلة للغلبة. واستتب هذا في صميم يومياتنا وأحالنا كائنات عدوانية نظن أن لا سبيل للنجاة والاستمرار والكسب والمكانة إلا باحتراف الحرب ولغة الحرب وأخلاق الحرب. ومن لا يطيق ذلك (وهم كثر) نراهم الآن في طوابير طلب فيزا الهجرة. إما التوحش أو الهرب. هذه هي المعادلة الوطنية راهناً.

ما يقال في تشكيل الحكومة أو في حملة التلقيح أو في تأمين الكهرباء أو حتى في الوقوف عند إشارة سير، أو بضبط سعر ربطة الخبز، ناهيك عن التحقيق مثلاً في انفجار المرفأ أو بأي إجراء قضائي، أو التدقيق المالي وما شابه، أو فض خلاف بين جارين، أو إجراء معاملة مصرفية.. كل هذا كأنما صار مستحيلاً لشدة استفحال العداوات والريبة والتحلل من القوانين والتوغل عميقاً في الانتهاك وارتكاب الفواحش، على نحو لا رجعة فيها. انحطاط أكثر تفشياً وفتكاً من كورونا بما لا يقاس.

لا بابا الفاتيكان ولا الأمم المتحدة بقراراتها الممنوعة التنفيذ ولا "الطائف" المرمي جانباً ولا الدستور الممزق إرباً ولا جيوش العالم ولا التظاهرات المليونية المبددة يأساً وتعباً والمتشظية سريعاً بقوة العجز.. قادرة على إنقاذنا من مصير التدمير الذاتي.

وفي حالنا هذه، ليس السياسيون اللبنانيون، بكل أسمائهم اللامعة والصاخبة، سوى مرآتنا المقعرة، رموزنا المخزية والمشينة التي تبعث فينا الخجل والشعور بالعار.. إنهم نحن. فضحيتنا الشخصية. مثال تحضّرنا ومدنيتنا.

وعلى هذا كان فسادنا العظيم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني