آخر تحديث:00:04(بيروت)
الإثنين 22/02/2021
share

مبادرة الراعي "فرصة أخيرة" لإنقاذ لبنان.. والشيعة

المدن - لبنان | الإثنين 22/02/2021
شارك المقال :
مبادرة الراعي "فرصة أخيرة" لإنقاذ لبنان.. والشيعة موافقة حزب الله هي الشرط الأساسي لنجاح المبادرة (علي علّوش)

إنها دعوة للتبصر في مبادرة البطريرك بشارة الراعي لتحييد لبنان، وللتروي قبل رفضها. وتستند هذه الدعوة إلى قراءة موضوعية لمعطيات وحقائق، بعيداً عن الانفعالات وأوهام الانتصارات وخفايا المؤامرات، وأهمها ما يلي:

- يقف لبنان حالياً على مفترق طرق، إما تسوية داخلية تقوم على تحييده عن صراعات المنطقة، وليس حياده عن قضاياها. وإما مواصلة كل طائفة انتظار نضوج التسويات الإقليمية، والمراهنة أن تكون لصالح محورها، فتفوز أو تكرس بعض المكاسب والامتيازات. علماً أنه ليس هناك ما يضمن أو من يضمن عدم تحوّل الصراع خلال فترة الانتظار إلى حرب أهلية، خصوصاً إذا تطلّب إنضاج التسوية الإقليمية ناراً أكثر حماوة من نار سوريا والعراق. وليكرر التاريخ نفسه، فنصل بعد سنوات من مآسي القتل والتدمير والفقر، إلى التسوية ذاتها مع فرق بسيط قد يكون وزير مالية "بالناقص" بدل "بالزايد".

- يجب التوقف ملياً عند الدعم العلني والقوي للمبادرة من قبل الفاتيكان. وكذلك عند مؤشرات توافر دعم ـ أو على الأقل ـ مباركة فرنسية وأميركية وخليجية لها. وأهمية هذا الدعم تستند إلى توجه العالم بسرعة نحو حرب باردة بين الصين وأميركا. ومباشرة جو بايدن، حتى قبل دخوله إلى البيت الأبيض، إعادة بناء تحالفات أميركا، حين ستكون دول المنطقة حكماً من نصيب أميركا، خصوصاً وأن الصين غير مهتمة عملياً بمقارعة أميركا في هذه الدول. ويعني ذلك ببساطة أن مبادرة البطريرك الراعي بتحييد لبنان تجنب البلاد كأس الاختيار المر بين تموضعها ضمن النفوذ الأميركي أو المحور المعادي له. أي أن المبادرة تشكل حبل نجاة ونافذة مفتوحة مؤقتاً ـ نعم مؤقتاً ـ  ليدخل منها لبنان إلى "جنة" الاستقرار، بدلاً من "جهنم" الحرب الأهلية.

- تشكل موافقة حزب الله الشرط الأساسي لنجاح المبادرة، علماً أن تصاعد الحديث عن تدويل الأزمة اللبنانية من جهة، والرفض القاطع لحزب الله، هما المقدمة الطبيعية لحرب أهلية. ويدرك حزب الله كما أميركا وإسرائيل، أن الحرب الأهلية هي الوسيلة المؤكدة لإنهائه وإضعاف الشيعة. وهو الأمر الذي لا يتحقق لا بعدوان إسرائيلي ولا بترك لبنان ينهار تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية.

كالزيت والماء
وعليه، يمكن القول إنه وقت التسويات الداخلية بالنسبة لحزب الله وللطائفة الشيعية، لأنهما في أوج قوتهما حالياً، ولأنهما سيكونون المتضرر الأول من انزلاق الوضع إلى حرب أهلية. وليتم تسمية الأمور بأسمائها، فلن يكون هناك رابح أو خاسر في هكذا حرب، مسارها معروف ومجرب، ونتيجتها معروفة ومجربة أيضاً. فلبنان وطن متنوع لكي لا نقول منقسم أو "أرطة عالم مجموعين". كان هكذا وسيبقى، فهناك ناس مع الغرب وأميركا وفرنسا والسعودية، وناس مع الشرق وروسيا والصين وإيران. وهم كالزيت والماء يتعايشون لكن لا يختلطون. وكما أن "خض القنينة" لا يؤدي إلى اختلاط الزيت بالماء، ولا إلى نقص بحجم كل منهما، فإن الحروب والصراعات لن تؤدي إلى تغيير في توجهات كل فئة، ولا إلى انتصار فئة على أخرى، "هيدا بلد ما حدا بيلغي حدا فيه". ولنتذكر أن الطوائف المسيحية كانت عند بداية الحرب المشؤومة في أدنى درجات الضعف السياسي والتنظيمي والعسكري، وكان يتم توزيع كمية بسيطة من الرصاص على المتاريس بكيس بلاستيك كما يروي جوزيف أبو خليل. في حين كانت الفصائل الفلسطينية وأحزاب الحركة الوطنية في أوج قوتها السياسية والتنظيمية والعسكرية، ومع ذلك لم يلغِ أحد أحداً.

عظة التاريخ
ولنقرأ التاريخ القريب قبل أن نكرره، فلبنان كغالبية دول المنطقة، وطن "مركّب" من مجموع الطوائف بتوازن دقيق بينها، وبرعاية وتوافق إقليمي ودولي. ورغم مرور قرن كامل من حفلات التكاذب الوطني، لم يخرج اللبناني من قوقعة الانتماء الطائفي إلى رحاب الانتماء إلى الوطن. وأن محاولة أي طائفة بدعم من الدولة أو الدول الراعية لها للإخلال بهذا التوازن، يتحول سريعاً إلى حرب أهلية، تنتهي عادة بتسوية لا غالب ولا مغلوب، مع تغيير طفيف في الامتيازات والمواقع. كما أن أي محاولة لتغيير جغرافية لبنان تكبيراً أو تصغيراً أو تقسيماً، ستؤدي إلى إعادة انتاج تلك الكيانات الهجينة غير القابلة للحياة، التي تقتات على جثث ضحايا حروب الإبادة بينها، كما حدث خلال 500 سنة التي سبقت لبنان الكبير.

ولنقرأ أيضاً ان فترات الاستقرار والإزدهار كان عندما ارتضت الطوائف التعايش والتعاون، وعندما رأت الدول الكبرى أن مصالحها تقتضي تحييد لبنان. مثال ذلك اقتناع عبد الناصر باستحالة ضم لبنان إلى مشروعه، وأن نشوب حرب أهلية فيه سيشكل عبئاً على المشروع، فوافق على تحييد لبنان حتى بالشكل من خلال الاجتماع الشهير مع الرئيس فؤاد شهاب في خيمة على الحدود. وكذلك الحال حين اقتنعت الدول الكبرى الإقليمية والدولية في العام 1989، أن استمرار الحرب الأهلية بات عبئاً عليها، فكان اتفاق الطائف الذي كرس بعض الامتيازات للطائفتين السنية والشيعية على حساب الموارنة والدورز، والتي يدرك الجميع انها ما كانت تستأهل كل تلك المآسي من القتل والتدمير.

مبادرة البطريرك الراعي هي مبادرة وطنية و"ضربة معلم" لإنقاذ لبنان بكل طوائفه، وبالتحديد الطائفة الشيعية. فهل تبادر إيران وحزب الله إلى تلقف المبادرة وتجنب انزلاق لبنان نحو الانهيار ونحو حرب أهلية تؤدي إلى إحراق ورقة قوة رئيسية تمتلكها في صراعها ومفاوضاتها مع أميركا؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها