آخر تحديث:15:44(بيروت)
الأربعاء 17/02/2021
share

اعتذار "الخونة" الأذلّاء

يوسف بزي | الأربعاء 17/02/2021
شارك المقال :
اعتذار "الخونة" الأذلّاء نعتذر عن هذه السذاجة المفرطة في تصور السياسة (Getty)

حان الوقت لنعتذر عن كل آثامنا وخطايانا وأفعالنا. بل ونعتذر عن ما تخيلناه أو أتانا في أحلام اليقظة.

لنبدأ من اللحظات الأولى التي تلت نهاية الحرب، حين اجتاحتنا رغبة عارمة أن نصير "مواطنين" عاديين يخضعون سواسية للقانون، يدفعون الضرائب، ينصرفون إلى وظائف وأعمال ويتشاركون حياة عامة متمدّنة، ينتخبون ويتناقشون في السياسات الفضلى لإدارة البلاد، يدافعون عن حقوقهم وحرياتهم وطموحهم بديموقراطية تصون كرامتهم الفردية والجماعية. ويحرصون على السلم الأهلي كما يرغبون بالسلام (العادل) يعم أرجاء المنطقة والعالم.

نعتذر عن هذه السذاجة المفرطة في تصور السياسة وبرامجها. ونعتذر أكثر أننا امتعضنا وتململنا من "وجود" جيش سوري في ربوعنا رأيناه فظّاً ومهيناً ومخرباً لتوازن السلطة ومعطّلاً لإرادتنا وكاسراً لخياراتنا وخطراً على مستقبلنا. بالضبط، كما اعتذارنا عن رفضنا ومقاومتنا للاحتلال الإسرائيلي الفائض العدوانية واللؤم، وسعينا إلى تحرير بأقل كلفة ممكنة وبأسرع وقت وبكل الوسائل المشروعة. تحرير وطني لا يأخذنا إلى تبعية أخرى ولا إلى احتلال آخر.

نعتذر عن قولنا لا لإعادة إعمار غريبة عن روح المدينة وعن سكانها، وعن نسيجها التاريخي والثقافي. ورحنا نبني فضاءات بديلة طوال ثلاثة عقود حتى طبعنا بيروت على صورة لا تشبه "سوليدير". بل نعتذر أيضاً لأننا رفضنا ونرفض "حرق" سوليدير أو إماتة وسط بيروت لأننا طمعنا أن تكون مناطق برج أبي حيدر أو الطريق الجديدة أو حي السلم والمريجة وحي ماضي وبرج حمود أرضاً لخطط ترتقي بنوعية السكن والعمل والمجاورة والمعاشرة والعيش اليومي، فنلوّن سوليدير و"نهضمها" من دون أن ندمّر مدينتنا مرة جديدة.

نعتذر لأننا ظننا أن تأليف الكتب وعرض المسرحيات وصناعة الأفلام وتصوير المسلسلات ورسم اللوحات وإقامة المعارض والمهرجانات والكرنفالات وإصدار الصحف والمجلات وتأسيس المواقع الإلكترونية ومحطات التلفزيون وإذاعات الـ"أف. أم" وإنتاج الموسيقى والأغاني والفيديو كليب وكتابة الأبحاث في السياسة والفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية ودراسة الطب والفيزياء والرياضيات.. إلخ، لربما سيمنح قيمة مضافة لمجتمعنا وبلدنا واقتصادنا وعمراننا، بعيداً عن أحقاد الماضي وضغائن العصبيات الدينية وثارات التاريخ.

نعتذر إذ غلبنا الظن أن السياسة ليست حرباً أبدية، ويمكنها أن تكون اهتماماً بزرع الأشجار وتنظيف الشواطئ وتأمين مياه نظيفة وكهرباء دائمة وإدارة سليمة للنفايات، ونظام صحي لجميع المواطنين.

ولا بد أن نعتذر لإيماننا باقتصاد رأسمالي موائم لمبدأ العدالة وتساوي الفرص بقدر مواءمته لمبدأ التنافس، بعيداً عن اشتراكيات فاشلة، وأبعد عن أوليغارشيات العالم الثالث. اقتصاد لا دخل له بإقطاع أهلي ولا بكارتيلات طائفية.

أيضاً نعتذر لأننا توهمنا أن نهاية الحرب ونهاية الاحتلالات.. تعني تلقائياً انتفاء الحاجة لميليشيات وعصب مسلحة وفرق اغتيال. وأن لا حاجة إلا لشرطة وجيش قائمان على عقيدة صون الحدود وتوفير الأمان وتطبيق القانون. نعتذر لوهمنا هذا الذي قادنا بسذاجة فاضحة إلى المطالبة بحلّ جميع الميليشيات وتطبيق كامل مندرجات اتفاق الطائف، الذي أيضاً توهمنا أننا ارتضيناه جميعاً دستوراً لنا بلا تحفّظ.

نعتذر بأسف كبير عما بدر منا بين شباط 2005 وأيار 2008. كنا بالغي الوقاحة شديدي الاعتداد بالنفس، واثقين إلى حد الثمالة أن لدينا فرصة عظيمة ليصير اللبنانيون شعباً. شعب سينجو على نحو إعجازي من براثن صراعات الشرق الأوسط المميتة والتي لا تنتهي. سينجو من دوامة المجازر والحروب الأهلية ويصير لبنان لا هو دبي ولا هونغ كونغ ولا هانوي.. أشبه بقبرص مثلاً طالما أن شعار "سويسرا الشرق" بات مبتذلاً.

ولا بد من الاعتذار كثيراً عن إيماننا بحق الشعب السوري والشعب الفلسطيني بحرية تقرير المصير بعيداً عن الاستبداد هنا والاحتلال والاستيطان هناك. حق السوريين بالحرية والكرامة والعدالة وحق الفلسطينيين بوطن مستقل وبقرار وطني مستقل. فهذا أيضاً حق اللبنانيين ومطلبهم. أو هكذا خُيّل إلينا. وهكذا رحنا ننحاز إلى رغبة الفلسطينيين ليتحرروا ليس من الاحتلال الإسرائيلي فقط بل من الاستغلال الدنيء لقضيتهم، تارة على يد ديكتاتور عربي يتفنن بارتكاب الفظائع، وطوراً على يد منظمات الإرهاب والإجرام التي تتفنن بإكثار الضحايا والموت العبثي.

نأسف ونندم إذ ظننا أن هذا الانحياز لحرية الشعوب هو سبيلنا أيضاً للتغلب على عنصريات تفسد وتلوث روح اللبنانيين وتفاقم من طائفيتهم وتنحدر بهم عن العالم السوي المتمدن وتقوض معنى الانفتاح والتسامح والعدالة الانسانية.

وأهم اعتذاراتنا ربما أننا افتخرنا بحرية قبلة على رصيف عمومي، واعتبرناها أعظم بكثير من احتراف استخدام كاتم الصوت.

أعتذر شخصياً من وجودي هنا في هذه البلاد التي لم أعد أشبهها إلى حد الخيانة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب