الأربعاء 2021/12/22

آخر تحديث: 11:38 (بيروت)

أولوية أميركية في لبنان: تأديب رجال الأعمال والمصرفيين الفاسدين

الأربعاء 2021/12/22
أولوية أميركية في لبنان: تأديب رجال الأعمال والمصرفيين الفاسدين
الغرب لم يعد يحتمل استمرار هذا الفساد المفرط في لبنان (علي علوش)
increase حجم الخط decrease

فعلها وسيفعلها الأميركيون. كفرت الولايات المتحدة بأولئك اللبنانيين الذين لطّخوا سمعة النموذج الليبرالي العالمي. كفرت بمن هم، بحكم الواقع، حلفاؤها في لبنان. بمن يفترض أنهم يؤمنون بـ"النموذج الأميركي" ومؤتمنون على "مُثُله" في المشرق. فقررت محاسبتهم وعزل البعض منهم نهائياً، ليس لحماية الفرد اللبناني وحسب، بل أيضاً لصَوْنْ سمعة الليبرالية وتطهيرها من السوء الذي سببته لها المافيات المالية والمصرفية ورجال الأعمال والسياسيين الفاسدين، المسيحيين والمسلمين.. على مرّ العقود في لبنان.

تنوي واشنطن إذاً تأديب المتمولين الكبار الفاسدين، من خلال سياسة ممنهجة من العقوبات بحقهم. هذا ما يوحي به مضمون الكلام العالي النبرة، الذي أدلى به وكيل وزارة الخزانة الأميركية للإرهاب والاستخبارات المالية، بريان نيلسون، في لقاء افتراضي يوم الخميس، 16 كانون الأول 2021، مع جمعية المصارف في لبنان (راجع "المدن").

نظام ليبرالي لا مملكة فساد..
تريد واشنطن عموماً من حلفائها في بلدان العالم أن يحكموا وفق نظام مبني على الحرية الفردية والتبادل الحر، وعلى الشفافية والمساءلة والمحاسبة أيضاً. لا أن يتربعوا على عرش مملكة من الفساد والغنائمية والزبائنية ومحاباة الأقارب والإفلات من العقاب.. كما هو واقع الحال في لبنان. أكثر من ذلك، يمكن للأميركيين أن يكونوا سعداء بوجود نموذج لبناني مفرط في نيوليبراليته. أي نظام يتميز بغياب دور الدولة في تنظيم السوق وضبطه، ويقوم على ترك الرأسمالية تعمل من دون ضوابط، وحصر دور الدولة في الاضطلاع بوظائفها الأساسية: الأمن، العدالة، الدفاع، من دون التدخل لتأمين الحماية الاجتماعية للسكان. لكن حتى النظام النيوليبرالي لا يحتمل وجود الفساد، بما هو ممارسات غير قانونية يقوم بها الحكام للدفاع عن مصالحهم الخاصة، على حساب الصالح العام.

كلام نيلسون والتحذيرات السابقة
الرفض الأميركي لنظام الفساد، من منطلق ليبرالي أو حتى نيوليبرالي، يستند إلى حجة بديهية، ذكرها نيلسون في اجتماعه مع جمعية المصارف، حين قال إن الفساد الذي أصاب الاقتصاد اللبناني ونظامه المالي، أصبح عدو الاستثمار، لأن الشركات الأجنبية اعتبرت أن العمل في لبنان سيتطلب رشوات على مستويات حكومية مختلفة، وعدم شفافية في المناقصات، ذلك أن السياسيين يستخدمون نفوذهم لتحقيق مصالحهم الخاصة. وهذه ليست المرة الأولى التي يدين فيها الغرب واقع النظام اللبناني المشوّه.

لقد حاول الأميركيون إفهام العصابات اللبنانية الحاكمة، أكثر من مرة، وبأكثر من أسلوب، بضرورة تنفيذ إصلاحات بنيوية في النظام اللبناني من أجل تأمين الشفافية ومكافحة الفساد، وليس فقط مكافحة الإرهاب وشبكات تمويل حزب الله. إلا أن تلك العصابات لم تستوعب الرسائل والتحذيرات، ولم تضع حداً للفساد قبل فوات الآوان.

تسريبات "واشنطن بوست" و"لوموند"
في الواقع، لا تقتصر تلك الرسائل على المداولات في الكواليس الدبلوماسية، ولا على الاجتماعات الرسمية مع مسؤولين لبنانيين. ثمة رسائل علنية تم تسريبها عبر الصحافة الدولية في السنوات الأخيرة. أبرزها تلك المعلومات التي كشفت عنها صحيفة "واشنطن بوست"، في 12 تشرين الأول 2016، والتي تفيد بأن "أكثر من ثلث الإنفاق السنوي للحكومة اللبنانية يذهب لتمويل فوائد الدين العام، الذي تمتلك المصارف نحو 85 بالمائة منه. وبما أن السياسيين اللبنانيين وعائلاتهم يسيطرون على ثلث الأصول المصرفية، فإن هؤلاء القادة السياسيين هم من يستفيد في المحصلة من هذه الأموال التي تسددها الحكومة (...)". وهناك أيضاً معلومات نشرتها صحيفة "لوموند" الفرنسية، في 18 كانون الأول 2019، تفيد بأن "لبنان تلقى تحويلات مالية بقيمة 260 مليار دولار تقريباً، على مدى 30 عاماً، مما يساوي مرة ونصف قيمة ما تلقته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية في إطار خطة مارشال"، لإعادة إعمار القارة المدمرة. ورغم ذلك، لا تزال "البنى التحتية والخدمات العامة، إما غير موجودة وإما متعثرة"، حسب تقرير الصحيفة آنذاك.

تظهر هذه الأرقام مدى عمق الفساد في لبنان، وتعكس امتعاضاً وغضباً غربياً، ورسائل سياسية مفادها أن الغرب لم يعد يحتمل استمرار هذا الفساد المفرط في لبنان، الذي أدى إلى الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي. من هنا كانت الخطوة الأولى بعدم تقديم مساعدات للدولة قبل تنفيذ إصلاحات شاملة. أما الخطوة الثانية فتتمثل في فرض عقوبات على الفاسدين والمتورطين بنهب المال العام وتبييض الأموال..

حلفاء ذو صدقية.. ضد حزب الله
تحتاج واشنطن إذاً لحلفاء نظيفي الكف، وليس لعصابات من اللصوص، يمكن أن تتواطأ مع خصومها وأعدائها. وهذه الحاجة ترتبط بشكل وثيق باستراتيجيتها ضد حزب الله. فالحزب يستفيد بمكان ما من نقطة ضعف هذه الاستراتيجية. ونقطة ضعفها تكمن في أن القوى الاجتماعية التي ينبغي أن تمثل قاعدة صلبة لقوى سياسية مؤثرة وفعالة، مدعومة شعبياً، وحليفة لواشنطن والغرب، هي مكونة من مصرفيين ورجال أعمال يجنون أرباحهم بواسطة عمليات فساد. وهؤلاء يفتقدون للصدقية حين يطالبون بنزع سلاح حزب الله. أولاً، لأن هؤلاء مستعدون للخيانة. لبيع أنفسهم وبيع مقدرات الوطن للأعداء وللخارج، مقابل استمرار هيمنتهم على السلطة. وهذا واقع يوظفه الحزب لتخويف جمهوره من خطورة نزع سلاح "المقاومة". وكذلك لأن هؤلاء ليس لديهم مشروع لبناء دولة قوية، دولة القانون والمؤسسات، التي هي وحدها قادرة على تبديد ذريعة ضعف وهشاشة الدولة، التي يستخدمها حزب الله للتمسك بسلاحه.

"تطهير" الحلفاء وبناء نظام جديد
لذلك، تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى تطهير أوساط حلفائها، ربما وفق القاعدة اللينينة الشهيرة القائلة: "لا يقوى الحزب إلا بتطهير نفسه". فيكون الأميركيون قد فهموا جيداً لينين وطبقوا أفكاره بما يخدم نفوذهم في لبنان، عبر تأديب حلفائهم وإجبارهم على التخلص ممن "طلعت ريحتهم"، والانطلاق من جديد. أي تأسيس نظام سياسي واقتصادي جديد في هذا البلد، متحرر من مصارف لا تكافح بشكل فعّال من تصفهم واشنطن بـ"الأشخاص المعرضين سياسياً (Politically exposed persons)، لأنها "متواطئة معهم" أو لا تقوم "بواجبها للتحقيق في حساباتهم" ولا "تبلّغ عن تحويلاتهم المالية المشبوهة"، حسب قول نيلسون خلال اجتماعه مع جمعية المصارف.

استماتة وتواطؤ المافيات والحزب
يتعلق الأمر بأولوية أميركية ضد مافيات الفساد، لا تقل أهمية عما تعتبره واشنطن "أولوية مواجهة" حزب الله، وفق منظورها السياسي والاستراتيجي. ومن النتائج المحتملة لهذه الجبهة الجديدة التي فتحتها واشنطن (ومعها باريس..) في لبنان، أن يزداد التواطؤ الضمني بين تلك المافيات وحزب الله، للحفاظ على نظامهم المربح لهم على حد سواء. فالمافيات تخشى من المقبرة التي حفرتها لنفسها بيدها، والتي تعتزم واشنطن طمرها فيها. أما حزب الله فيخشى من أي نظام جديد، من شأنه أن يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية الداخلية، بينما كان الوضع السابق مناسباً له.

من هنا، تشن المافيات المصرفية حرباً شرسة ضد القوى الجديدة، خصوصاً الليبرالية، فيما يستميت حزب الله في مواجهة القوى المنبثقة من انتفاضة "17 تشرين". ويعتبر أن معركته الانتخابية هي ضد السفارات، تحت ذريعة أن الأخيرة تدعم القوى الجديدة. المفارقة تكمن هنا في أن حزب الله ليس لديه مشكلة في التحالف مع "عملاء" أميركا الفاسدين في الحكومات المتعاقبة.. لكن "عملائها" غير الفاسدين، هم مصدر خطر وأعداء!

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها