آخر تحديث:14:46(بيروت)
الخميس 02/12/2021
share

من ضحايا عرقلة تحقيق المرفأ أيضاً: 18 موقوفاً

نادر فوز | الخميس 02/12/2021
شارك المقال :
من ضحايا عرقلة تحقيق المرفأ أيضاً: 18 موقوفاً إذا استمرّ التعطيل والعرقلة "سيبقى الموقوفون موقوفين، والرؤوس الكبيرة خارج السجون" (Getty)
لا يدرك القيّمون على التعطيل المستمرّ لملف التحقيقات في جريمة 4 آب، أنّ معادلة العرقلة والموت السريري التي أرسوها على الملف، لا تسري فقط على عمل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار. وتعطيل التحقيق لا يؤثر فقط على أهالي الضحايا والشهداء والجرحى والمتضرّرين، الذين حوّلوا ملف الانفجار المرفأ إلى قضية أولى وأساسية في حياتهم يومية. لكن في درب وقف يدّ البيطار وتوقيف التحقيق، ضحايا آخرين صرخة أغلبهم لا تزال مكتومة. إنهم الموقوفون في ملف المرفأ، يدفعون ثمن التعطيل أيضاً، وهو الأمر الذي لا يدركه كثر.

الموقوفون في نظاراتهم
يتوزّع الموقوفون في ملف انفجار مرفأ بيروت على مراكز توقيف عدة في بيروت ومحيطها وعلى مشارفها. يمضون أيامهم في نظاراتهم. وفي أوقات الفسحة المشتركة، يمشون ويتريّضون. يلعبون طاولة النرد والورق. يتابعون ما تيسّر من أخبار تدخل عبر وسطاء أو زوّار. منهم من بلغ سنّ التقاعد، ومنهم من هم على أعتابه. كأنهم يتقاعدون في السجون. وقبل أشهر، دخلت "جهة فاعلة" على خطّ الموقوفين، وعرضت على أحدهم إمداده بعض الحاجيات واللوازم وجهاز تلفاز (فقط لمشاهدة أشرطة الفيديو). بالنسبة لعدد من أهالي الموقوفين، "ما يحصل هو حجز حرية متواصل".

أضرار فعلية
لا يشكو أغلب الموقوفين في ملف انفجار مرفأ بيروت من أماكن احتجازهم. ينقل عنهم عدد من أقاربهم أنهم موجودون في نظارات أو شبه نظارات لائقة نسبة لواقع السجون الأخرى. تصل وجبات الطعام على الوقت، وكذلك الأدوية. لكن طبعاً لا يعني ذلك أنهم، أو أغلبهم، مرفّهون. فلا يمكن الوصول فعلياً إلى واقع احتجاز ضباط أمنيين من الموقوفين. لكن سواهم من الموقوفين هذه هي حالتهم. يقيس أهاليهم الأضرار الناتجة عن استمرار توقيفهم على مستويات مختلفة. "هم مدمّرون معنوياً بفعل التوقيف، وصحياً يعاني بعضهم من أمراض مزمنة وربما بحاجة إلى فحوص دورية، واجتماعياً يعيشون وضعاً كارثياً هم وعائلتهم". فيشكو أقارب عدد من الموقوفين من حملات "تنمّر" يواجهها أبناء بعضهم بفعل الاتهام والتوقيف.

ضرر مادي
وبالنسبة لبعض الموقوفين، فإنّ استمرار توقيفهم يعني موتاً مادياً أيضاً. منهم من توقف عمله كلياً وباتت عائلاتهم تعيش على دعم أقارب وما يوفّر لهم في مناسبات أو بشكل دوري. ومنهم من تقبض عائلتهم نصف راتب بانتظار ما سيصدر عن القضاء. ونصف الراتب، بالليرة اللبنانية طبعاً، أي ما يقارب مليون و500 ألف أو حتى مليون ليرة في حالات أخرى. أي بين 40 و60 دولاراً أميركياً. وقد تكون هذه حال أغلب اللبنانيين أساساً، لكن فليضف ذلك إلى الهمّ المعنوي والاجتماعي والعائلي. "كارثة على الولاد"، يقول بعض الأهالي.

التحقيق الدولي
عدا كل ما سبق، يصف أهالي الموقوفين وعدد من وكلائهم القانونيين هؤلاء بأنهم ضحايا جانبيون لملف التحقيقات وعرقلته وإبطائه. المحامون عاجزون عن استئناف قرارات التوقيف، عاجزون عن تقديم طلبات إخلاء سبيل، عاجزون عن إقناع القاضي ببراءة موكليهم. فيرفعون اليوم مطلب "تعيين مرجع للبتّ بطلبات إخلاء السبيل"، ولو أنه مطلب لن يلقى آذاناً صاغية قضائياً ولا حتى سياسياً. بالنسبة لهم ما يحصل اليوم هو "توقيف تعسفي وحجز تعسفي للحرية". وحسب عدد كبير من أهالي الموقوفين، إذا استمرّ التحقيق على هذا الحال من التعطيل والعرقلة "سيبقى الموقوفون موقوفين، والرؤوس الكبيرة خارج السجون ورح تطلع براس الصغار، أما الكبار فبرّا الحبس عم يعطّلوا التحقيق". حتى وصل الأمر ببعض الموقوفين إلى "التمني بأن يتم تحويل ملف المرفأ إلى التحقيق الدولي حيث لا عرقلة أو مماطلة".  

18 موقوفاً
غداة جريمة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، بدأت حملة توقيف مشتبه فيهم ومدعى عليهم. بين الخامس من آب 2020 ومطلع أيلول 2021، تم توقيف 27 شخصاً. أطلق سراح البعض، وتم توقيف آخرين، واستقر العدد منذ أيلول إلى اليوم على 19 موقوفاً. 17 منهم أصدر المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوّان مذكرات توقفيهم، وهم: متعهدّ ورشة التلحيم والموظفين فيها سليم شبلي، أحمد رجب، رائد الأحمد وخضر الأحمد، مدير العمليات في مرفأ بيروت المهندس سامر رعد، الذين تمّ توقيفهم يوم 5 آب 2020. مدير عام الجمارك السابق شفيق مرعي والحالي بدري ضاهر ومدير عام مرفأ بيروت حسن قريطهم الذين تم توقيفهم يوم 6 آب. رئيس دائرة المانيفست نعمة الباركس أوقف يوم 19 آب، ورئيس مصلحة المرفأ والمدير الاقليمي فيه بالإنابة حنا فارس يوم 21 آب. رئيس مصلحة البضائع في إدارة العمليات في المرفأ، المهندس مصطفى فرشوخ، ورئيس المشاريع في المرفأ ميشال نحول يوم 25 آب. رئيس مصلحة الأمن والسلامة بالتكليف زياد العوف يوم 26 آب. مدير عام وزارة النقل عبد الحفيظ القيسي، ورئيس الميناء في المرفأ محمد المولى يوم 31 آب. العميد في مخابرات الجيش أنطوان سلوم في الأول من أيلول.

أما المحقق العدلي الحالي القاضي طارق البيطار، فقد أوقف شخصين، هما عضو المجلس الأعلى للجمارك ومدير إقليم بيروت السابق في الجمارك هاني الحاج شحادة يوم 31 آب 2021، ومدير العمليات السابق في المرفأ سامي حسين يوم 6 أيلول 2021.

موقوفون مخلى سبيلهم
وإلى جانب توقيف الحاج شحادة وحسين، أصدر القاضي طارق البيطار قرارات بإخلاء سبيل 7 موقوفين على دفعتين. يوم 15 نيسان 2021، أخلى سبيل الكاتب لدى دائرة المانيفست والمسؤول عن الجردة مخايل المر (أوقف في 18 آب 2020)، السائق جوني جرجس (أوقف في 19 آب 2020)، الرقيب أول في الجمارك الياس شاهين والرقيب أول في الجمارك خالد الخطيب (أوقفا في  26 آب 2020)، الرائد في جهاز أمن الدولة جوزيف النداف والرائد في الأمن العام شربل فواز (أوقفا في الأول من أيلول 2020). ويوم 2 تموز 2021، أخلى البيطار سبيل كل من المهندسة المشرفة على أعمال الصيانة نايلة الحاج (أوقفت في 21 آب 2020) والرائد في الأمن العام داود فياض (أوقف في الأول من أيلول 2020). وفي 20 أيلول 2021، أخلى سبيل أمين مستودع العنبر رقم 14 في المرفأ وجدي قرقفي (أوقف يوم 5 آب 2020)

نتائج التعطيل
في ملف مجزرة 4 آب، التزام أخلاقي بالمبدأ العام، وبما صدر مراراً وتكراراً عن أهالي الضحايا والشهداء، "لا نريد أبرياء في السجون ولا مرتكبين خارجه". وبالطبع ليس مطلوباً أن يدفع أهالي وأبناء الموقوفين الثمن مضاعفاً أيضاً. هل ثمة أبرياء في السجن؟ القضاء يقرّر. هل ثمة مرتكبون خارجه، القضاء سبق وحدّد مشتبهاً فيهم لا يزالون طلقاء. تعطيل تحقيق انفجار مرفأ بيروت، من نتائجه أولاً ضرب مطلب الحقيقة والعدالة. ثانياً، ضرب السلطة القضائية ونسف مؤسستها. ثالثاً، تدمير حياة عدد من الموقوفين الذين قد تظهر براءتهم. رابعاً، تهرّب من المحاسبة الفعلية لمسؤولين سياسيين من رؤساء ووزراء ونواب وضباط أمنيين.

عرقلة التحقيق ونسفه، و"قبع" البيطار ليس مسألة شخصية أو سياسية، إنما تعبير عن نهج كامل من التدمير المؤسساتي والعدلي والحقوقي. نهج، أولى ضحاياه من سقطوا يوم 4 آب 2020، ثانيهم قضية العدالة لأجل الضحايا الأوائل، ثالثهم الموقوفون، رابعهم الشريحة الأكبر من اللبنانيين الساعين إلى منطق الدولة. فإذا كانت "الدولة" في جانب منها تعني القضاء والمؤسسات، فإنّ تعطيل القضاء والمؤسسات يعني القضاء التام على الدولة. ببساطة، معرقلو التحقيق هم مدمّرون للدولة، والمصفّقون لهم جمهور أنصار اللا الدولة. وهويّاتهم معروفة للعيّان. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها