الجمعة 2021/11/26

آخر تحديث: 13:11 (بيروت)

استقالة جماعية ضد التدخل السياسي: هل نخسر القضاة الشرفاء؟

الجمعة 2021/11/26
استقالة جماعية ضد التدخل السياسي: هل نخسر القضاة الشرفاء؟
ورقات الاستقالة الصادرة قد تكون باكورة تحرّكات داخل الجسم القضائي للملمة واقعه (Getty)
increase حجم الخط decrease
ضجّ قصر العدل في بيروت خلال الأيام الماضية بالمعلومات التي أشيعت حول استقالة عدد من القضاة، احتجاجاً على الأوضاع السيئة التي يعيشها الجسم القضائي، بفعل التدخلات السياسية من جهة، والوضع الاقتصادي من جهة أخرى، إضافة إلى المسّ المستمرّ بهيبة القضاء والقضاة.

حسمت مراجع قضائية لـ"المدن"، بأنّ حركة تقديم الاستقالات التي شملت "ثلاثة من خيرة القضاة اللبنانيين المخضرمين" لا علاقة بملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، ولو أنّ رئيسة الغرفة الخامسة لمحكمة التمييز، القاضية جانيت حنّا، من بين القضاة الذي تقدّموا باستقالاتهم. وإضافة إلى حنّا، تقدّمت كل من المحامي العام التمييزي، القاضية كارلا قسيس، والرئيسة في محكمة الاستئناف، القاضية رولا الحسيني باستقالتهما. وعلى ما تقول أجواء قضاة ومحامين وحقوقيين، فإن لحنّا وقسيس والحسيني تاريخاً ناصعاً في العمل القضائي، وهنّ "من النخبة القضائية التي مضى على نشاطها وعملها في الجسم القضائي ما يقارب ثلاثة عقود".

لا علاقة للمرفأ
وكان أشيع خلال الساعات الماضية تقديم رئيس الغرفة الأولى لمحكمة التمييز، القاضي ناجي عيد، لاستقالته، وهو ما نفته مراجع قضائية لـ"المدن". وقد بنى البعض المعلومات المتداول بها حول استقالة عيد، للإشارة إلى أنّ ملف التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت من دوافع الاستقالة. لتعود المصادر نفسها وتشدّد على أنّ "الوضع المعنوي والوضع المزري التي وصل إليه الواقع القضائي هما الدافع لهذه الاستقالات".

هل مسموح إحراق صور قضاة أمام قصر العدل؟ هل مسموح إبقاء قضاة خارج المساءلة عند تنفيذهم تجاوزات في الصلاحيات والأصول القانونية؟ هل مسموح أن يكتفي قضاة بدور المتفرّج عند منع تطبيق القانون؟ هل مقبول اتخاذ موقف الحياد أو حتى التستّر على عرقلة حسن سير العدالة؟ أسئلة كثيرة أخرى يردّدها عدد من القضاة والمعنيين في الشأن القضائي.

ضغوط وتدخلات
ولا يغيب عن أحد، أنّ واقع القضاء ليس سليماً، قبل التحقيق في انفجار المرفأ وبعده. فما شهدته الساحة القضائية خلال الأشهر الأخيرة دليل واضح على الهتك الحاصل في القضاء. كما أنّ التوجيهات السياسية للقضاء ومن فيه، باتت علنية وتظهر بشكل فاضح في خطابات ومواقف ومؤتمرات صحافية، كان آخرها ما قاله الشيخ نعيم قاسم عن "إعادة النظر بالمنظومة القضائية". ولا تعدّ هذه المواقف سوى تدخلات وممارسة الضغوط على الجسم القضائي، وهو الأمر الذي ترفضه ثلّة من القضاة المؤمنين في دورهم وقسمهم.

رفض الاستقالة
وفي هذا الإطار، أشارت مصادر مجلس القضاء الأعلى لـ"المدن" إلى أنّ الرئيس سهيل عبود رفض هذه الاستقالات، كما أنه "ليس سهلاً عليه قبولها نظراً لمناقبية القاضيات الثلاث ونشاطهنّ وتاريخهنّ في العمل القضائي". فطلب عبود من المستقيلات التريّث لحين عرض الموضوع على مجلس القضاء الذي من المفترض أيضاً أن يعقد اجتماعاً مع الثلاثي بهدف توضيح جميع الملابسات والأسباب، والخروج بحلول للحؤول دون استقالتهن وتصويب الأمور لصالح المؤسسة القضائية.

ثمن الاستقالة
من الواضح أنّ كل الممارسات السلطوية والسياسية، خلال السنوات الأخيرة، وصلت إلى ذروتها خلال الأشهر الأخيرة. فالضغوط الفاضحة والإملاءات العلنية إن كانت تدفع عدداً كبيراً من القضاة إلى الشعور بالاشمئزاز والعجز والقرف، إلا أنها تنفّر تحديداً فئتين من القضاة. أو فئة واحدة منهم تجمع أمرين: القضاة الرافضين للإملاءات والتدخلات السياسة، والرافضين لمبدأ المقايضة بغية تحسين واقعهم الوظيفي أو المالي، والمكتفين بمداخيلهم المالية التي باتت محدودة جداً بفعل الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي الحاصل.

وخلاصة كل ما سبق أنّ تفكيك الجسم القضائي والإطاحة بالسلطة القضائية وتقويضها، ومختلف ممارسات السلطة السياسية خلال الأشهر الأخيرة، تطيح أولاً بالقضاة النزيهين والشرفاء، الذي يصّرون على احترام ضمائرهم وقسمهم القضائي. من دون أن يعني ذلك طبعاً أنّ القضاة غير المستقيلين هم في المقلب الآخر. لكن حركة الاستقالة الصادرة عن حنّا وقسيس والحسيني، قد تكون باكورة تحرّكات داخل الجسم القضائي، من أجل إعادة لملمة واقعه في مواجهة السعي الدؤوب إلى قص جناحيه وليّ ذراعه. وهذه الاستقالات، إن كانت تعني شيئاً، فإنها خسارة للبنانيين الراغبين بقضاء مستقلّ لا يرضخ للضغوط السياسية وإملاءات السياسيين.

هل تكبر كرة الثلج أم نفقد قضاة غير مستعدّين للتطبيع مع الأزمات؟ مهمّة جديدة ملقاة على مجلس القضاء الأعلى ورئيسه القاضي سهيل عبّود.

بيان ائتلاف القضاء
وأصدر إئتلاف استقلال القضاء بياناً اعتبر فيه أنّ الاستقالات "التي لا تتوفّر حتى الآن معلومات موثوقة حول نوايا أصحابها، وما إذا كانت نهائية أم قُدّمت على سبيل الضغط أو لفت النظر إلى تردّي الأوضاع التي وصل إليها المرفق العام القضائي" تؤكد على أنّ المرفق القضائي أمام خطر داهم. واعتبر الائتلاف أنّ هذه الاستقالات تستدعي ملاحظات أساسية ومنها "أنها بمثابة إنذار بليغ على ما قد يتسبّب به الانهيار المالي والاقتصادي من انهيار داخل أحد أهم المرافق العامّة وهو المرفق العام القضائي، وإنذار على خطورة استمرار الحملات المُمنهجة ضدّ كلّ قاضٍ يتجرّأ على نظام الحصانات والإفلات من العقاب، والتي تجلّت في أوضح صورها بمناسبة قضية تفجير المرفأ".
وأضاف أنّ الاستقالات "تعكس مشاعر العجز والحنق لدى العديد من القضاة حيال العوامل المادية والمعنوية التي تمنعهم من أداء وظيفتهم القضائية بصورة مناسبة، وتجعلهم في حالة حرج أمام الرأي العام". ورجّح الائتلاف أن "يكون أكثر القضاة تأثّراً بهذه العوامل السلبية القضاة الأكثر حرصاً على الحفاظ على أخلاقيّاتهم القضائية سواء لجهة الاستقلالية أو النزاهة. وهذا الأمر يتأتّى عن اعتماد هؤلاء بشكل أساسي وربما حصري على رواتبهم الأساسية، وذلك بخلاف القضاة المنخرطين في الفساد الذين تزخر حساباتهم بمنافع غير مشروعة".
وندّد الائتلاف باستمرار القوى الحاكمة في سياسة الإنكار وحذّر من استمرار الحملات المُمنهجة والهادفة إلى ثنْي القضاة عن القيام بوظائفهم، وختم بتوجيه تحية تقدير "لجميع القضاة الذين صمدوا حتى الآن في مواجهة جميع أساليب الإغراء والترهيب والتطييف والتمييز والإفساد خلال سنوات وربما عقود عملِهم الماضية". 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها