آخر تحديث:13:21(بيروت)
الأربعاء 24/11/2021
share

زحلة والاقتراع الشيعي: انفصال طائفي عميق وهجران مسيحي

لوسي بارسخيان | الأربعاء 24/11/2021
شارك المقال :
زحلة والاقتراع الشيعي: انفصال طائفي عميق وهجران مسيحي تتجه البيئة الشيعية نحو عزلة عن باقي مكونات المجتمع الزحلي (Getty)
في انتخابات 2018 كان النائب الشيعي في زحلة، هو الأقوى بين نوابها بعدد الأصوات التفضيلية التي نالها. ومع ذلك لا أهمية فعلية لشخصه. يستطيع أن يكون "عصا سوداء"، يقول أبناء الطائفة الشيعية، "ومع ذلك سيُنتخب نائباً في كتلة حزب الله، لأن الحزب إياه هو الأقوى حضوراً في البقاع من حركة أمل، وهو من يقرر لا نحن".

الأحزاب ونواب الصدفة
هكذا يكون النائب عندما يستعير قوته كلها من عصبية حزبه، لا من هموم شعبه، فلا يحتك بها أو يتدخل فيها، بل يتصرف حسبما تقرره له قيادته الحزبية، لامتصاص نقمة شعبية، وتحقيق مصالح انتخابية. ولا داعي للقلق من أن يُحاسب في صناديق الاقتراع، لأن قيادة الحزب لا تضمن أساساً ترشيحه لدورة ثانية، بل هو أصلاً نائب الصدفة، مرشح لأن يُستبدل بسواه من الذين "بذّرتهم" الأحزاب في المناطق اللبنانية كلها.

لكن لتدخل حزب الله المباشر في اختيار النائب الشيعي بدائرة زحلة، خلفيات تتعلق بأداء الأحزاب الأخرى حيال هذا المقعد، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فبيئة الثنائي الشيعي القوية تجييرياً هنا، ابتُلِيت في دورتين انتخابيتين بنائبين لم يتمكنا من احتضان طائفتهما. الأول كان النائب حسن يعقوب الذي انتخب ضمن تحالف التيار العوني مع الكتلة الشعبية. أي أن موجة التسونامي المسيحية المواجه للتحالف الرباعي حينذاك، هي التي أوصلته إلى البرلمان. ويعقوب -وهو نجل أحد صديقي الإمام المغيب موسى الصدر المجهول المصير مثله- ظلت علاقته السياسية بالرئيس نبيه بري متوترة، رغم خطابه الشيعي المتناغم مع حزب الله بعد توقيعه ورقة التفاهم مع التيار العوني. فعائلة يعقوب ادعت أن توقيف ابنها النائب في قضية اختطاف هنيبعل القذافي نجل الرئيس الليبي المخلوع معمر الفذافي، جاء انتقاماً سياسياً من قبل حركة أمل.

أما النائب الشيعي الآخر، فهو النائب السابق عقاب صقر الذي كان خطابه الأكثر استفزازاً لبيئة الثنائي الشيعي. وقد سدد تيار المستقبل بإيصاله إلى البرلمان، صفعة لشيعة لبنان عموماً. لذا، لم يسبق لنائب شيعي في البقاع أن تلقى قدراً من الانتقادات والشتائم والاتهامات كما التي تلقاها صقر من البيئة الشيعية. فهو صُوِّر كعدو أوحد للطائفة، وحُلِّل سفك دمه أثناء المعارك التي خاضها حزب الله في سوريا. وهذا ما دفع بـ"نائب المستقبل الشيعي" صقر، إلى التواري عن الأنظار والاعتكاف عن مسؤولياته النيابية لمدة طويلة.

قوة الشيعة التجييرية
وجاء قانون الانتخابات الأخير لمصلحة بيئة زحلة الشيعية تحديداً. فبات بإمكان أبناء الطائفة أن يحظوا بنسبة تصويت عالية، تعيد مكانة الطائفة وتنهي يتمها، وتحقق "وعدها" باستعادة المقعد (مقعد صقر). لذا نال أنور جمعة أعلى نسبة تصويت في انتخابات 2018. وقد خاض حزب الله معركته الأشرس ضد المرشح المقبول في بيئته، النائب السابق محسن دلول، رغم انسحابه من المعركة في اللحظات الأخيرة قبل انطلاق اليوم الانتخابي. وكاد استمرار دلول في المعركة يهدد تيار المستقبل بخسارة مقعده السني في البقاع، لمصلحة المقعد الشيعي. ولكن انسحاب دلول، صوِّر مناورة لإضعاف صوت حزب الله التفضيلي، فظل حزب الله يحشد جمهوره لمصلحة مرشحه الشيعي، على حساب حليفه الكاثوليكي في اللائحة نقولا فتوش، الذي حُرِم من الأصوات التفضيلية التي وعده بها حزب الله.

ويتحدث كثيرون عن أن شيعة البقاع قوة تجييرية "يضعها حزب الله في جيبه"، وقادر على إقراض أصواتهم للأطراف السياسية الأخرى. لكن الانتخابات النيابية الأخيرة، أثبتت أن هذه القوة التجييرية لا يمكن استثمارها إلا في نائب شيعي. وبالتالي، تفقد فاعليتها لدى باقي الطوائف، إلا في تأمين حواصل لتحالفات حزب الله.

حزب الفصل الطائفي
وما حصل في الانتخابات النيابية الأخيرة يستحق القراءة. فالحاصل الثاني الذي أمنته لائحة حزب الله أوصل النائب الأضعف على لائحة تحالفه مع نائب زحلة الكاثوليكي نقولا فتوش وشقيقه الراحل بيار فتوش. ففاز النائب الأرمني إدي دمرجيان بـ"فلتة شوط"، تسببت بسابقة في المجلس النيابي، إذ صار نائباً بـ77 صوتاً فقط.

وهذه ليست سوى واحدة من السوابق التي تشكل تلاعباً بمفاصل الحياة السياسية في لبنان، وصولا إلى الهيمنة على إرادة الأكثرية، من قبل فئة أنشأت أعداء لها في البيئات كلها. وهذا لا يزال يتسبب في دائرة زحلة تحديداً، بانفصال طائفي عميق قضى أو يكاد ينهي ميزة مجتمعات هذه الدائرة بـ"تناغم طوائفها وتعايشها".

فمع أن هموم أبناء المنطقة واحدة، ومشاكلهم واحدة في البيئة والتربية والاقتصاد والطرق والتنمية، نجح حزب الله بالفصل الطائفي بين أبناء المنطقة الواحدة. وخلق نوعاً من التوجس بين الجماعات، من دون أن ينتج فيها شخصية نيابية قادرة أقله على التواصل معها وتحسس مشاكلها.

عزلة الشيعة وهجرة مسيحيين
والفرز في البقاع حققته أولاً هجرة مكونات البيئة البقاعية غير الشيعية من المناطق التي يسيطر عليها حزب الله سياسياً. فرياق مثلاً تستمر هجرة أبنائها المسيحيين. وتعلبايا وجلالا تشهد الظاهرة نفسها. والراحة النفسية والاجتماعية وحتى الأمنية، هَجَرت من اضطروا إلى البقاء في بلداتهم ومنازلهم في هذه المناطق المختلطة.

والقلق والفرز هذان- وفقا لمراقبين- لا يحقق سوى مصلحة حزب الله، فيما البيئة الشيعية ذات اللون الواحد، تتجه نحو عزلة عن باقي مكونات المجتمع الزحلي. وهذا ما يؤدي إلى مزيد من تقوقع أبناء الطوائف في مناطقهم، وخصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اللبنانيون عموماً.

وفي هذه "البيئة المتقوقعة" في مناطقها، استعاد حزب الله المقعد الشيعي في دائرة زحلة. ولكن هل استعاد أبناء دائرة زحلة تمثيلهم فعلاً في البرلمان؟

لا يعرف كُثُرٌ من أبناء الطائفة الشيعية هوية النائب الشيعي في زحلة. اسمه بكل بساطة "نائب حزب الله". ولم يتعرف البعض إليه، سوى عندما رُشِق منزله في علي النهري في قلب البيئة الشيعية، واتهم بالتقصير في مسؤولياته.

أنين شيعي مكبوت
وأنور جمعة لم يقدم على أي مبادرة يمكن أن تقرّبه من قاعدته. ولما أطل على ناخبيه، اختار "منّة المازوت الإيراني" الذي اشترت شركة كهرباء زحلة كميات منه لمعملها في المدينة. لكن هذا "الإنجاز" الذي سعى نائب حزب الله لرسملته سياسياً، سرعان ما "ذاب" مع فواتير الكهرباء "الحارقة" التي سددها المواطنون، فأحرقت معها الورقة التي حاول جمعة استغلالها انتخابياً.

ويتفشى في داخل البيئة "الشيعية" بمنطقة زحلة امتعاض يوازي امتعاض باقي مكونات النسيج الاجتماعي والطائفي من أداء نواب المنطقة عموماً. ورغم هذا الامتعاض، تواجه بعض البيئة الشيعية محاولات تنميط تطغى فيها صورة الأغلبية على الأقلية، التي تضع الجميع في موقع الاتهام. فمعارضو حزب الله في البقاع، يرون أن الشيعة عموماً يقبضون الدولارات، فلا يكترثون بالهم المعيشي. ولكن هذه ليست كل الحقيقة. فداخل المجتمعات الشيعية أنين مكبوت، تتنبه له القيادات الحزبية وتسعى لخنقه فوراً، بإشاعتها حال الخوف من أعداء الداخل والخارج، التي تصر على فرضها على مجتمعاتها، ليتحول كل من يصرخ وجعاً "خائناً" لبيئته.

وانطلاقاً من حال الدفاع عن الوجود التي أشاعها حزب الله في بيئته، يصبح على أبناء هذه البيئة الاكتفاء من حقوقهم "الإنسانية" كمواطنين، بالتهليل للمساعدات الغذائية وبطاقات التموين والمازوت الإيراني. وهذه كلها خدمات تبقى فاعليتها لدى أبناء الطائفة الشيعية أقل من ضجيجها، فتضعهم تحت رحمة حزب الله المباشرة، في ظل الوضع الاقتصادي الذي تحتاج عائلات كثيرة بسببه إلى هذه المساعدات.

في المقابل، أرسى حزب الله نوعاً من الفوقية في بيئاته الحاضنة، فأقنعها بعدم حاجتها إلى دولة ترعى شؤونها. ومن يرفضون هذا الواقع تسلط عليهم الضغوط والملاحقات. وخير مثال على ذلك ما حصل في علي النهري، حيث خنق الصوت المعارض في مهده.

انطلاقاً من هذا الواقع يمكن لحزب الله أن يرشح مجدداً في زحلة "عصاً سوداء" في الانتخابات النيابية المقبلة، ويتأكد من فوز مرشحه أياً كان هذا المرشح. فأدوات معركته جاهزة. والقانون الانتخابي لمصلحة حفاظه على مقعده في هذه الدائرة. وحتى أعداءه المفترضين جاهزون ليؤمنوا له شد عصب أتباعه. وهكذا يضمن حزب الله مقعداً مريحاً في دائرة زحلة، ساعياً هذه المرة للفوز بمقعد ثانٍ من مكونات الطوائف الأخرى، طالما أنه صاحب القوة التجييرية الأكثر اصطفافاً في أي تحالف يمكن أن يصوغه مع أطراف سياسية أخرى في الدائرة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها