آخر تحديث:10:47(بيروت)
الجمعة 19/11/2021
share

بين الميقاتية والقرداحية

عارف العبد | الجمعة 19/11/2021
شارك المقال :
بين الميقاتية والقرداحية ..ولا يزال الميقاتي يتقدم ويتراجع (دالاتي ونهرا)

"الميقاتية" ليست مدرسة فكرية أو فلسفة قائمة بذاتها، أو تنظيماً حزبياً حازماً. بل هي عبارة عن أسلوب ينتهجه الرئيس نجيب ميقاتي في ممارسته للسياسة والأعمال والحكم، انطلاقاً من موقعه في رئاسة مجلس الوزراء. وهو حاول حتى الآن أكثر من مرة طرح أسلوبه وطريقته، ففشل في أحيان ونجح مرات. وهو لا يزال يحاول الآن مع الحكومة الحالية، حكومة "الإنقاذ معاً".

الرئيس ميقاتي هو من أطلق ما عرف بسياسة النأي بالنفس في العام 2011. وهو ابتدع هذا الشعار للتخفيف عن نفسه والحكومة التي اتُهمت بأنها اتفقت مع سوريا ومحور الثامن من آذار، لإزاحة الممثل الأقوى في الشارع الإسلامي السنّي يومها، سعد الحريري. وقد احتمى بهذا الشعار لكي يحاول التملص من بعض الالتزامات الداخلية، وموجبات العلاقات الإقليمية ومتطلباتها، كما التخلص من بعض المواقف الصعبة والمحرجة عند الضرورة.

بمعنى آخر، فإن "الميقاتية" -كما هو ظاهر في تجاربها- هي طريقة لتسليك الأمور وتسييرها، والتملص من الصعوبات، والتخفيف من حالة الاختناق في البلاد كما هو جارٍ الآن، من دون مواجهتها لكل القوى بشكل حاسم وقوي وكسرها، والتعرض لآثار النزاع. وفي الوقت عينه العمل على حل بعض المشكلات، أو محاولة الالتفاف عليها.

و"الميقاتية" هي عكس "القرداحية"، نسبة إلى الوزير جورج قرداحي، المعجب بالمقاومة الحوثية. وإذا كانت الأولى متعرجة تتسلل بين السطور والنقاط، فإن الثانية ثقيلة الوزن مدمرة، تقع في مكانها من دون حراك، فتحدث أصواتاً قوية من دون أن يبقى لها أي أثر أو تأثير سوى الأضرار والتعطيل والسلبية المفرطة بحجج واهية. فما علاقة لبنان المتلاشي والجائع والمريض من دون دواء، بأزمة اليمن وانهيار حضارة ومحاور مآرب؟

رغم كل الصعوبات والمطبات، يستمر الرئيس ميقاتي في تكرار المحاولة يوماً بعد يوم من دون تعب، هو لا يعطي الخصم كل ما يريد. ولكنه لا يأخذ حصته كاملة، ويترك الأمور عالقة من دون حل أو قطع.

حين بادر حزب الله مع كل فرق الرقص والدبكة والأهازيج التابعة له، إلى إدخال صهاريج المازوت الإيراني عبر المعابر غير الشرعية، ابتدع ميقاتي جملته الشهيرة بأنه حزين لما جرى نتيجة المس بالسيادة وخرقها. فهو من جهة قال انه غير موافق على خطوات حزب الله، وإن ما يجري اعتداء على السيادة، ولكنه لم يعلن اعتراضه بشكل كامل وحاسم، فدخل المازوت وبدأ الآن بالتلاشي والتبخر، من دون أن يضطر رئيس الحكومة إلى كسر الجرّة مع حزب الله وإيران والدخول في نزاع علني.

وبعد المازوت الإيراني، أتت مشكلة المحقق العدلي بجريمة المرفأ طارق البيطار. فالثنائي أمل وحزب الله المحشور بتهم التقصير والتدبير التي تطال بعض المحسوبين عليه، عطل جلسات مجلس الوزراء بحجة "قبع" البيطار، فكان أن بدل رئيس الحكومة حركته وموقعه وانتقل إلى نقطة أخرى يقول فيها ما يريد ولا يعطي للثنائي مطالبه. فهو يعلن: لن نتدخل في عمل القضاء، ونريد في الوقت عينه للعدالة أن تأخذ مجراها بشكل مستقل.
هنا مرة أخرى اعترض على مواقف الثنائي القوي والمتين، ولم يتورط في خطيئة كسر هيبة القضاء، وترك الأمور تتفاعل في مكان آخر وتبحث عن حلول أخرى، إلى أن تحرك البطريرك الماروني لمحاولة إيجاد الحلول الدستورية، بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي.

في مواجهة الأزمة التي أثارها وزير الإعلام الباهر النجاح جورج قرداحي، لم يتخذ ميقاتي موقفاً حاسماً بالمطالبة باستقالة قرداحي، ولم يتراجع عن الود تجاه دول الخليج العربي، ولم يغفل عن خطأ قرداحي المتفاخر بانتصاراته وشهرته، فوضعه في حالة ارتباك وأدخله في نزاع بينه وبين نفسه، وطلب منه أن يحكم ضميره. وهنا كانت الطامة الكبرى بالنسبة للنجم الكبير.

تدور الاتصالات وتتصاعد الضغوط ووزير الإعلام يطالب بضمانات قبل اتخاذ أي موقف حاسم، لتعود الأمور إلى نقطة جوهرية، وهي أن استقالة قرداحي مدخل لحل الأزمة مع دول الخليج.

كرة الإجراءات تجاه لبنان تتصاعد ولم يعد ينفع تكبير الرأس، وإلا فإن كل الرؤوس ستقع عليها حجارة الخليج الغاضب.

لا يزال الميقاتي يتقدم ويتراجع. يتصل بكل الأطراف ولا يترك القرداحي ومحوره يرتاح، ولا يطالبه بالاستقالة علناً. لكن في الوقت عينه يمسك بحبل الحكومة التي باتت أكثر من أي وقت مضى ضرورة لا بد منها، رغم كل الدعوات من بعض المغالين لاستقالتها.

أصبحت حكومة الميقاتي، في هذه اللحظة، حاجة ماسة ولأسباب جوهرية. وقد أصبحت كل الأطراف متمسكة بها وتريد استمرارها وتهاب إسقاطها.

إذا استقالت الحكومة ستتوقف المفاوضات مع صندوق النقد، وتتعطل خطة التعافي التي يحتاجها لبنان للتنفس، باعتراف من كل المحاور، لإعادة تكوين وترميم الحد الأدنى من ما يسمى أرضية للبنان.

إذا استقالت الحكومة ستتعطل الانتخابات النيابية وتُضرب عملية إعادة التجديد للقوى الحاكمة، المتحكمة برقاب الناس، وتتعطل عملية إعادة تكوين السلطة التي انتهت مفاعيلها.

إذا استقالت الحكومة ستنتقل عملياً السلطة التنفيذية إلى يد رئيس الجمهورية المرتاح إلى تجربة واجتماعات المجلس الأعلى للدفاع. وهي حجة له لكي يمدد إقامته في بعبدا إلى الوقت الذي يريده.

هل ستصمد الميقاتية المتحركة بإيجابيتها الظاهرة في مواجهة القرداحية المتعنتة المحتمية بالممانعة الصامدة؟

لا أحد يملك الجواب، الذي لا يستطيع الانتظار!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها