آخر تحديث:12:36(بيروت)
السبت 30/10/2021
share

زحلة الغامضة انتخابياً: ميريم سكاف وحيدة في بيت مطفأ

لوسي بارسخيان | السبت 30/10/2021
شارك المقال :
زحلة الغامضة انتخابياً: ميريم سكاف وحيدة في بيت مطفأ هل انقطع "حبل السرة" العاطفي بين الزحليين وبيت سكاف؟ (المدن)

شكلت زحلة منذ ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تحدياً بالنسبة للأحزاب التي تمددت نحو مختلف أنحاء لبنان. فالدائرة التي تضم سبعة مقاعد تمثل ست طوائف مختلفة، تميزت بخصوصية عائلية، جعلت من "البيوت المفتوحة"، معياراً للحفاظ على زعاماتها، أيا كان تموضعهم السياسي. وبالتالي وجدت الأحزاب نفسها مضطرة في فترة من الفترات للتحالف مع هذه العائلات، صوناً لخصوصية اعتقد الزحليون لفترة من الفترات أنها ستبقى عصية على موجات التغيير في الحياة السياسية اللبنانية عموماً.

التمثيل الكاثوليكي
انطلاقاً من هذا الواقع، لم يكن سهلاً على الأحزاب، في ثلاث دورات انتخابية خاضتها بزحلة، أن تتخطى عائلاتها السياسية، ولا سيما الكاثوليكية منها. وأبرز هذه العائلات هي عائلة "السكاف" الضاربة في جذور الحياة السياسية الزحلية لثلاثة أجيال متتالية، قبل أن تتحول مع "بيت" فتوش "السياسي" إلى ثنائية، بعد أن زُرع هذا البيت بقوة "الوجود السوري" في لبنان، بهدف إنهاء أحادية النفوذ الكاثوليكي للزعامة السكافية في دائرة زحلة. عائلة الهراوي المارونية، كانت واحدة من تلك العائلات التي تقاسمت النفوذ السياسي في المدينة خلال عهد رئيس الجمهورية الياس الهراوي، إلا أن نفوذها تبدد بعد فترة قصيرة من إنتهاء ولايته، وصار حضورها مربوطاً بتحالفاتها التي استمرت طيلة الوجود السوري مع إحدى العائلتين السياسيتين الكاثوليكيتين، لتختفي بشكل فاضح منذ تمدد الأحزاب المسيحية إلى المدينة. 

وهكذا دخل التيار الوطني الحر بقوة إلى زحلة من بوابة "دارة السكاف السياسية"، في أول استحقاق انتخابي بعد انسحاب الجيش السوري، قبل أن تحل القطيعة بينهما لاحقاً، وتتفكك كتلتهما المسيحية الأقوى على أعتاب زحلة. وكذلك فعلت القوات اللبنانية بتحالفها مع آل فتوش، قبل أن تنكسر ما أسماه النائب نقولا فتوش "المزهرية" السياسية التي جمعتهم مع تيار المستقبل وحزب الكتائب. ومن ثم وجد حزب الله في دارة آل فتوش غطاء كاثوليكياً للائحته، التي أطلقها في زحلة خلال آخر انتخابات نيابية، من دون أن يغنم بمقعدها الكاثوليكي في المدينة.

منذ الانتخابات النيابية الماضية (2018) بادرت الأحزاب المسيحية خصوصاً إلى فصل مصيرها الانتخابي في المدينة عن مسار عائلاتها. لم يعد الغطاء "الكاثوليكي" الذي يمكن أن توفره عائلتي سكاف وفتوش يعنيها في زحلة، وخصوصاً أنها كانت الانتخابات النيابية الأولى التي تجري بغياب "زعيم" الكتلة الشعبية "المحبوب" من أبناء مدينته الياس سكاف. وقد جاءت بعيد انتخابات بلدية "هزم" من خلالها تحالف الأحزاب مع رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب عائلتي سكاف وفتوش في عقر دارهما.

"المرأة القوية"
لم يكن الياس سكاف من انهزم في المدينة، وإنما زوجته ميريم التي ترأست لائحة مستقلة عن الأحزاب، لم تؤمن لها حاصلاً كافياً للفوز ولو بمقعد نيابي واحد.

إلا أن "المرأة القوية" التي ثبتت قدمها في "بيت السكاف" منذ لحظة انتقال "نفوسها" من عائلة "طوق" "السياسية" في بشري إلى زحلة، تحولت شريكة في التخطيط لمستقبل الكتلة الشعبية منذ ما قبل وفاة زوجها. وبالتالي، لم تبق بعد وفاته مجرد وريثة أخرى من باقة السيدات اللواتي ورثن "المجد السياسي" لعائلتهن.

ساهم في ذلك تحدرها من عائلة سياسية تخاصم "القوات اللبنانية" في عقر دارها ببشري. وقد رفع ذلك من منسوب التحدي لديها، لتتقدم صورتها في بعض المراحل على صورة إبنة عمها ستريدا جعجع، التي اختفت مجدداً خلف زوجها بعد خروجه من معتقله.

"الكاريزما" التي تحلّت بها ميريم سكاف منذ ما قبل وفاة زوجها الياس سكاف، بينت أنها ليست من السيدات اللواتي تختفين خلف الرجال. وعلى رغم كل الحديث عن استعدادها لنقل إرث عائلة زوجها السياسي إلى نجلها الأصغر جبران، فهي تبقى من السيدات اللواتي تطغى صورتهن على صنع قرارات الكتلة التي ترأسها. وقد يكون ذلك ما وضعها في معظم الأحيان على حد السيف مع القواعد السكافية "العتيقة"، التي اعتادت بقاء مشورتها أساسية لدى زعيمها "الهادئ" الياس سكاف.

ملء الفراغ
كشف القداس السنوي الذي أحيته الكتلة الشعبية لزعيمها الراحل، بعد غياب قسري لهذه الذكرى في السنتين الماضيتين، الفراغ الذي خلفته أركان بارزة في القاعدة السكافية. فلم تتحول الذكرى مناسبة لتعيد السيدة سكاف التفاف كتلتها وأركانها الأساسية على أعتاب انتخابات نيابية مقبلة، على رغم هدنة ما بعد العاصفة التي أرستها سكاف مع مطران المدينة عصام درويش، الذي يتهيأ لتسليم ولايته إلى خلفه، حيث ترأس الأخير قداس الذكرى لأول مرة منذ ست سنوات.

فبعض هذه القاعدة وجد ضالته لدى الأحزاب. وبعضها الآخر انكفأ بانتظار "ملء الفراغ" الذي بدأ يترقبه من قبل حالات "سياسية" جديدة آخذة بالتمظهر في المدينة، ولو من خلال نفوذها المالي (ميشال ضاهر مثلاً).

في وقت اقترنت خسارة ميريم السكاف لهذه القاعدة بانقطاع "حبل السرة" العاطفي الذي لطالما ربط الزحليين ببيت سكاف، وخصوصاً في فترات إضطهاده سياسياً وحتى شخصياً.

في الكلمة التي اعتبرت إطلاقاً لإشارة خوضها غمار المعركة الانتخابية مرة ثانية، كرئيسة للكتلة الشعبية، سقطت سمة الاضطهاد عن شخصية سكاف، وإن بقيت سيرة زوجها الآدمي سلاحها الأمضى في استمالة الزحليين مجدداً..

إلا أن سكاف التي تحدثت عن فراغ خلفه غياب زوجها عن المدينة، لم تنجح في التنصل من مسؤوليتها عن جزء من هذا الفراغ الذي لم تستطع ملئه، على رغم مرور سنوات على غياب زوجها. فكان لافتاً أن تبحث عن مخرج لإخفاقها، في الهجوم على الطبقة السياسية التي خرجت السكافية من وسطها قسراً، كنتيجة للانتخابات النيابية، ولتتحصن بتاريخ زوجها الآدمي، في طرح نفسها كـ"قوة تغييرية" للطبقة السياسية، من دون أن تكون سكاف قادرة فعلاً على استمالة "الفئة الصامتة" الأقرب لتوجه التغيير ومحاسبة كل الأحزاب في المدينة.

فمن دون الخدمات الشخصية التي كان يسددها بيت السكاف، من الصعب استعادة استنهاض هذا البيت. والخدمة الشخصية في المقابل مرتبطة في أذهان التغييريين بإقطاعية يسهل على الخصوم رشقها، وتعبر الأجيال الجديدة خصوصاً عن رفضها لها.

سياسة الأبواب المفتوحة
العدد الضئيل لعنصر الشباب في الذكرى السنوية لغياب السكاف قد يشكل واحداً من المؤشرات على هذا الرفض لفكرة "البيت الإقطاعي". علماً أن السكاف التي قلصت من حضورها في المدينة منذ وفاة زوجها، لم تسع لتغيير وجهة هذا التفكير، ولو من خلال روابط تجمع أولادها بشبان من جيلهم في مدينتهم. فبقيت إطلالات إبنيها محصورة بالدائرة الضيقة التي تجتمع في مناسبات محدودة.

ولأن فكرة السكافية قامت بالأساس على سياسة الأبواب المفتوحة أمام كل من يقصده، وحتى بظل عهد الوزير الراحل جوزف سكاف، الذي تميز بشخصية فذة، نجحت بتوسيع الحالة السكافية، وجعلها محوراً في الحياة السياسية على مستوى لبنان، فإن ذلك كان سبباً حال دون تحويل السكافية إلى حالة سياسية منظمة. حتى المحاولات التي أجراها النائب الياس سكاف بسعي حثيث من  زوجته ميريم قبل وفاته لتحويل كتلته "حزباً"، باءت بالفشل، وبقيت شخصية الزعيم ومدى قربه من الناس هي ما يحدد وجود الكتلة الشعبية أو اختفائها من الحياة السياسية.

بعد وفاة سكاف خسرت "الكتلة الشعبية" جزءاً كبيراً من قدراتها على الوصول إلى الخدمات الشخصية في الدوائر العامة والخاصة. وعلى رغم بضعة محاولات أجرتها رئيسة الكتلة الشعبية ميريم سكاف، فقد اكتشف الزحليون أن التعاطي معها لا يمكن أن يرقى إلى مستوى علاقتهم مع زعيمهم الراحل. فزوجة الياس سكاف ليست الياس سكاف. وبالتالي، صارت العلاقة مع المرأة "القوية" التي تسلمت البيت، عرضة لمواجهات عديدة، حتى من داخل البيت الواحد في بعض المراحل.

وهكذا، على نحو ما، بدت سكاف "وحيدة" في صالة كاتدرائية سيدة النجاة خلال إحيائها ذكرى رحيل زوجها. وباستثناء حضور النائب سليم عون الذي لا يمكن تحميله أي مضامين سياسية، أحيطت إلى جانب عائلتها، بشخصيات ممن حافظت على روابطها مع "بيت السكاف"، من دون أن يعني ذلك المحافظة على وجهة صوتها الانتخابي، الذي جُيّر لفترة طويلة لمصلحة الكتلة الشعبية.

النوستالجيا لا تكفي
تمدد الأحزاب، والانشطار العمودي اللبناني بين فريقي 8 و14 أذار كانا لهما الدور الأساسي في خفوت ضوء هذا البيت بعد وفاة السكاف. ولم ينجح الخطاب "الفوقي" لرئيسة الكتلة الشعبية في استعادة موقعه. فكانت الخسارة الأولى للكتلة الشعبية بعد وفاة الياس سكاف في انتخابات زحلة البلدية، والثانية في انتخابات 2018 النيابية، من دون أن يعني ذلك نهاية أبدية لهذا البيت الذي لا تزال تحيطه نوستالجيا علاقة الزحليين التقليدية به، خصوصاً أنه لم يخرج من بين الشخصيات السياسية من تمكن فعلياً من سد الفراغ الذي خلفه غياب "السكافية السياسية" في المدينة.

في المقابل لم يعد الخطاب الذي يستحضر ذاكرة "الاضطهاد" للسكافية، كافياً بالنسبة لميريم سكاف كي تستعيد مكانة عائلتها السياسية. وانطلاقاً من هنا يمكن فهم خروج سكاف من زواريب السياسة الزحلاوية إلى الخطاب اللبناني الشامل في هجومها على الطبقة السياسية الحاكمة.

إلا أن سكاف القوية بخطابها اللبناني، فقدت خلال سنوات من إغلاق "البيت السياسي" جزءاً أساسياً من مقومات استمالة القاعدة التي أبعدتها عنها ظروف عدة. وما قد تحتاجه أولاً، هو ترتيب بيتها الداخلي. وإعادة فتح هذا البيت فعلياً ومجازياً. الأمر الذي يرى مراقبون أنه لن يكون سهلاً خلال المرحلة القصيرة التي تفصل اللبنانيين عن الانتخابات.

أما محاولة رئيسة الكتلة الشعبية الإيحاء في كلمتها بالذكرى السنوية لرحيل زوجها، بأنها ستكون رأس حربة بمواجهة "الطبقة السياسية" المتهمة بالفساد وإفقار اللبنانيين، فلم يجد فيها مراقبون سوى محاولة لـ"ركوب" موجة الضيق الذي يعانيه اللبنانيون عموماً. والحالة الاعتراضية السياسية في المدينة لا تزال مبهمة، ولم تتبلور لها أي شخصيات بديلة يمكن أن تواجه الأحزاب السياسية في تمددها، وتستعيد قرار زحلة للمدينة ودائرتها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها