آخر تحديث:11:34(بيروت)
الأحد 17/10/2021
share

انتفاضة صيدا: شيوعون وناصريون.. اعتبرتهم عائلاتها "غرباء" و"دخلاء"

محمد أبي سمرا | الأحد 17/10/2021
شارك المقال :
انتفاضة صيدا: شيوعون وناصريون.. اعتبرتهم عائلاتها "غرباء" و"دخلاء" كان شبان يحتسون الخمر في ناحية من الساحة، فيما يؤم شخص مصلين في ناحيتها المقابلة (علي لمع)
قبل نحو شهر من 17 تشرين 2019 كان محازبون شيوعيون ومن "التنظيم الشعبي الناصري" يعتصمون في ساحة الشهداء بصيدا، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية. ويوم حرائق 15 تشرين في المشرف شكل سمات أساسية لحراك صيدا أو "صيدا تنتفض" الجامع في 17 من الشهر نفسه. فمجموعات تنسيق بين ناشطين في صيدا وسواهم من بيروت ومناطق أخرى، تداعت للمشاركة في إطفاء الحرائق ومساعدة الناس وإسعافهم. وتجمعت منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والناشطون في مسبح الجسر (يملكه شخص شيوعي وللحزب الشيوعي أسهم فيه) القريب من مكان الحريق، لتنظيم عمليات الإطفاء والإغاثة. وتأسست في المسبح خلية من مناطق مختلفة، وتوزعت على لجان تقاسمت العمل، وضمت مجموعات المحادثة الإلكترونية (واتس آب) الناشطة في ذاك العمل أكثر من 200 شخص من مناطق كثيرة.

بدايات الانتفاضة
وعندما شاعت الأخبار عن قرار الحكومة فرض ضريبة على اتصالات واتس آب المجانية، تداعى وتجمع نحو 50 شخصًا للاعتصام أمام مبنى فرع مؤسسة "أوجيرو" للاتصالات بصيدا. ومبنى المؤسسة قريب من ساحة إيليا (اتخذت اسمها من مستشفى إيليا في إحدى زوايا الساحة)، فاتخذها منتفضو صيدا مكاناً للتخييم والتحرك والتظاهر طوال إيام انتفاضتهم. وبدأ بعض الصيداويين يخرجون من بيوتهم مستطلعين وينضم بعضهم إلى المحتشدين. وكان المتظاهرون أمام "أوجيرو" قد قطعوا طرق المؤدية إلى الساحة في الاتجاهات كلها. واستمر التجمع الليلي في الساحة حتى الصباح. وفي النهار التالي أطلق المحتجون الناشطون نداء إلى سكان المدينة للمشاركة في اسقاط المنظومة السياسية كلها.

وكان الناشطون نحو خمسين شخصًا في البداية،  يجمعهم تعارف وثيق جراء أنشطتهم السابقة في المدينة. فمكثوا في الشارع متظاهرين ومنشغلين في تنظيم إقفال الطرق طوال 15 يومًا بلا انقطاع. أحضروا خيمًا ونصبوها في الساحة، وبدأوا ينظمون تحركاتهم في المدينة. وراحوا يقومون بجولات يومية على الأحياء، مذيعين بيانات تدعو الناس للمشاركة في الانتفاضة. وبين الساعة الرابعة والخامسة فجرًا من تلك الأيام الأولى، نظموا تحركات احتجاجية خاطفة على المرافق الرسمية الحيوية والمصارف في المدينة.

وسرعان ما بدأت أجهزة المخابرات تلاحقهم، فشكلوا لجانًا للعمل والدعاية والانضباط وتنظيم التحركات والمسيرات. وفي الشهر الأول من الانتفاضة أحصوا ووثقوا حوادث الاعتقال التي أدت إلى توقيف حوالى 250 شخصًا من الناشطين. وشكل الناشطون الأساسيون - وهم حوالى 50 شخصًا بدأوا الاحتجاجات في يومها الأول - إطارًا تنظيميًا جامعًا. وكان معظمهم محازبين شيوعيين ومن "التنظيم الشعبي الناصري" ومستقلون، ووجوههم معروفة ومألوفة في المدينة لمداومتهم على المشاركة في النشاطات السياسية الاحتجاجية السابقة. وبعد نحو ثلاثة أيام على بدء الانتفاضة نظموا أنشطة تعبوية ومسيرات نحو فروع المصارف ومحال الصرافين، وعقدوا لقاءات حوارية عامة مساء. وإلى الصيداويين راح يتوافد إلى ساحة إيليا ناشطون من شرق صيدا (مسيحيون) ومن الجنوب (شيعة) والمناطق المجاورة. وشارك في الاحتجاجات كثيرون من حارة صيدا الشيعية القريبة، قبل أن يبادر لاحقًا بعض شبانها من جمهور "حركة أمل" و"حزب الله" إلى الاعتداء على والمخيمين في الساحة. وفي نهار المليونية في لبنان، الأحد الأول من الانتفاضة (20 تشرين الأول)، نُظِّمت في صيدا تظاهرة ضخمة شارك فيها أكثر من عشرة آلاف شخص. فأُعلنت المطالب السياسية المتداولة في مناطق لبنان كافة: إسقاط الحكومة والمنظومة السياسية، تشكيل حكومة انتقالية مستقلة، وانتخابات نيابية مبكرة. ووجد الناشطون في كثافة المشاركة الصيداوية في الأحد الأول ذاك، إشارة إلى أن الشرعية الشعبية صارت للانتفاضة في المدينة. ومكنهم الزخم الشعبي من الاستمرار في قطع الطرق لمدة 15 يومًا بلا انقطاع. ولم تكن قد انضمت إلى الانتفاضة مجموعات "شباب المساجد" و"الجماعة الإسلامية". و"شباب المساجد" منقسمون إلى مكونات ثلاثة: "أحرار صيدا" (منشقون عن الجماعة الإسلامية أو "الإخوان المسلمون" الصيداويون)، ومكون آخر من الشبان المنشقين عن "دار الفتوى الإسلامية". والمكون الثالث من شبان كانوا يناصرون أحمد الأسير.  وهؤلاء مع "الجماعة الإسلامية" كانوا يحضرون إلى ساحة إيليا، قبل أن ينظموا صفوفهم ويكثفون مشاركتهم لاحقًا. ولم يحضر بعض مناصري "تيار المستقبل" باسم تيارهم، وادعوا أنهم مستقلون. وكان المحركون الأساسيون للاحتجاجات الصيداوية من "التنظيم الشعبي الناصري"، "الحزب الشيوعي اللبناني"، "الحزب الديمقراطي الشعبي" (ماركسي لينيني صيداوي)، "حزب الطليعة" (قدامى البعث العراقي المناهض للبعث السوري)، واشخاص تركوا الأحزاب اليسارية سابقًا وانشقوا عنها، ثم عاد بعضهم إليها في خضم انتفاضة تشرين. أما جماعة بهاء الحريري فانضموا لاحقًا إلى الاحتجاجات.

عائلات "أصلية" و"غرباء"
ولدى السؤال عن الانتماءات الهويات المناطقية والطائفية والطبقية للناشطين الأساسيين في مجموعات "صيدا تنتفض"، بيّنت الشهادات أن هؤلاء تنظر إليهم العائلات الصيداوية التقليدية المعروفة، بوصفهم "دخلاء" أو "طارئين" على الاجتماع المديني الصيداوي التقليدي والعائلي المحلي. وتنطوي هذه النظرة على حساسيات يختلط فيها الطبقي المتعالي، بالجهوي المناطقي والطائفي. وذلك باعتبارهم (أي الناشطين الأساسيين) من سكان صيدا وليسوا من "أصول" عائلية صيداوية متجذرة أو معروفة. وحتى مناصري "التنظيم الشعبي الناصري" - وهم من فئات شعبية صيداوية، ومعهم أبناء من قرى العرقوب الجنوبية السنية المقيمين في صيدا والمولودين والمقيم أهلهم فيها منذ عقود - تنظر إليهم العائلات الصيداوية هذه النظرة التي تشمل المحازبين الشيوعيون، وهم في معظمهم من شيعة الجنوب وصيداويين بالإقامة أيضًا.

وكانت هذه الانتماءات واحدة من المشكلات التي واجهت مجموعات "صيدا تنتفض" التي اعتبرها أبناء العائلات الصيداوية "غريبة" عن المدينة أو "دخيلة" عليها. فالعائلات الصيداوية "الأصلية" اعتبرت الناشطين والمحركين الأساسيين في "صيدا تنتفض"، لا يمثلون مجتمعها المديني العائلي. وبعد استقالة سعد الحريري وحكومته كثّف المنتمون إلى "تيار المستقبل" حضورهم في ساحات صيدا، بطلب من بهية الحريري بهدف الهيمنة على ساحة إيليا والتحرك، وعدم تركها لقوى اليسار. وتفاعلت الانتقادات القائلة إن من يحرك صيدا ليس أبناؤها، ولا يحق لهم النطق باسمها.

وفي شهاداتهم يلوم الناشطون الأساسيون في "صيدا تنتفض" أهالي المدينة على التصنيفات التي اعتمدوها للمنتفضين، وعلى مشاركتهم الضعيفة في الانتفاضة. ويعيد ناشطوا "صيدا تنتفض" ذلك الضعف إلى غرق العائلات الصيداوية في ولاءاتها العائلية المتكلسة، وتصنيفها الناشطين بأنهم من صيداويي "الجو الوطني"، الذي يعود إلى  حقبة الحروب الأهلية (1975 - 1990) وغير الدائرين في فلك "تيار المستقبل" وآل الحريري. وعندما اعتصم ناشطون في مجموعات "صيدا تنتفض" أمام مكتب فؤاد السنيورة، وطالبوا بجلبه إلى قوس المحكمة ومحاكمته كرئيس حكومة سابق يمثل "المستقبل" أو "الحريرية السياسية"، خرجت عليهم 19 جمعية أهلية وعائلية صيداوية ببيان يدين تحركهم. أما حينما اعتصمت المجموعات نفسها أكثر من مرة أمام فيلا بهية الحريري في مجدليون القريبة من صيدا، فلم تتمكن الحريري من حشد مناصريها في مواجهة المعتصمين، حسب روايتهم القائلة إن الجو العام المهيمن في أيام الانتفاضة الأولى كان يرفض الأحزاب السياسية كلها، وخصوصًا الحاكمة منها. وحتى أسامة سعد زعيم "التيار الشعبي الناصري" تعرض لانتقادات كثيرة طالبته بالاستقالة من المجلس النيابي، ليبزر استقلاليته وتنظيمه وانسجامه مع الشارع المنتفض. فالمجتمع الصيداوي التقليدي والعائلي ليس حزبيًا وغير منخرط سياسيًا على المعنى والمنوال "النضاليين" اللذين يعتمده ناشطو "صيدا تنتفض" ومجموعاتها المتحدرة من عمل حزبي سابق، على الرغم من سكوتها عن الانتماءات كلها والتستر عليها. والمجتمع الصيداوي التقليدي والعائلي الراكد والمستكين أو الثقيل الحركة - حسب الناشطين - أقرب في فهمه السياسة إلى نشاطات المواسم الانتخابية، وإلى ولاءاته للزعامات والوجهاء في المجتمع الأهلي وجمعياته وإلى المجتمع المدني ومنظماته، منه إلى الأحزاب السياسية وعملها.

وفي الاجتماعات التنظيمية الأخيرة لمكونات ساحة "صيدا تنتفض"، كان يحضر نحو 21 مكونًا من صيدا، الأساسي فيها المجموعات أو الجهات المذكورة أعلاه، وبينها مجموعات ترفض التحزب والحزبية، والوجوه المحسوبة على "التنظيم الناصري" (المناوئ السني الصيداوي الطبقي لـ"تيار المستقبل"، والمحسوب على "الممانعة" المتحدرة من عروبة ناصرية ذاوية)، وكذلك الناشطين الحزبيين الشيوعيين، باعتبار هذين الطرفين هم المسيطرون على ساحة الانتفاضة ونشاطاتها.
وكانت اللجنة المشرفة على تنظيم المنصة في ساحة إيليا تراقب وتتدخل في تفاصيل كل كلمة تقال على المنصة. وهي منعت أي شخص يرتدي زيًا دينيًا من اعتلائها والكلام من على منبرها. لكن المجموعات الإسلامية المحظورة النشاط العلني في صيدا كانت حاضرة في ساحة إيليا، ومتسامحة مع بعض المظاهر في الساحة: شبان يحتسون الخمر في ناحية من الساحة (وهم غالبًا شيوعيون ويساريون)، فيما يؤم شخص مصلين في ناحيتها المقابلة. ومثل هذا المشهد غير مسبوق في مدينة صيدا المحافظة، والمحظور عرفًا بيع الكحول في محالها التجارية كلها.

هويات محلية وخلافات
وقد يكون المفاجئ في شهادة ناشطي "صيدا تنتفض" توكيدهم أن 90 في المئة من المشاركين في حراك صيدا لم يكونوا ممن يُعتَبرون أبناء العائلات الصيداوية "الأصلية"، بل ممن تعتبرهم تلك العائلات التقليدية وافدين إلى صيدا من خارجها وطارئين عليها ومقيمين فيها وفي ضواحيها. أما ناشطو "صيدا تنتفض" فيرفضون نظرة العائلات "المتعالية" عليهم وينفرون منها نفورًا طبقيًا وسياسيًا، ويؤكدون انتسابهم إلى مجتمع المدينة. وهم في هذا ينقسمون إلى فئتين: أنصار "التنظيم الشعبي الناصري" الصيداوي المحلي والعروبي، ويضم جمهورًا من فئات وطبقات شعبية صيداوية، ومن الوافدين من مناطق أخرى للإقامة في صيدا. والفئة الثانية يغلب عليها الشيوعيون، وهم خليط فئات شيعية (مقيمة في صيدا وحارتها الشيعية، وسنية صيداوية). ويرى ناشطو "صيدا تنتفض" أن ما يسمونه الشارع السني في عهد رفيق الحريري، ابتعد عن السياسية على معناها العروبي والتقدمي وذهب إلى عالم المال والأعمال الذي جذب إليه عائلات صيداوية راجحة في المدينة. وهم يرون أن الصيداويين لم يشاركوا بكثافة في الانتفاضة، على خلاف مشاركة قرى الجوار. ولما جاء إلى ساحة إيليا شبانٌ من مخيم عين الحلوة الفلسطيني في بداية الانتفاضة، مستطلعين وراغبين في المشاركة فيها، انتحوا جانبًا من الساحة حذرين وخائفين من الاعتقالات لأنهم غير لبنانيين. وبعدما اعتقل أشخاص منهم، منع القيمون على المخيم أي فلسطيني من المشاركة في الانتفاضة.

وانتهت الانتفاضة في صيدا بتأسيس "إرادة شعب" بدل "صيدا تنتفض"، التي جابهتها انتقادات وتهم كثيرة: تبعيتها لـ"التنظيم الشعبي الناصري" وللشيوعيين، وبأنهم من خارج صيدا. وهذه التهم - إضافة إلى أن الساحة كانت مشرعة للجميع، وراح من يحلو لهم من الناشطين مهما صغر عددهم يكوِّنون مجموعات تقوم بإشعال الإطارات وقطع الطرق على هواها، ولم تعد "صيدا تنتفض" تستطيع السيطرة على الساحة - حملت ناشطو "التنظيم الشعبي الناصري" والشيوعيين و"الحزب الديمقراطي الشعبي" و"حزب الطليعة" (البعث العراقي سابقً) و"منظمة العمل الشيوعي" إلى تشكيل هيئة جديدة في الأيام الأخيرة من الانتفاضة، وسموها "إرادة شعب"، ثم نقلوا نشاطهم ومنصة ساحة إيليا إلى ساحة الشهداء التي كانوا يتظاهرون ويعتصمون فيها قبل انتفاضة تشرين.

سلاح "حزب الله" و"المستقبل"
منذ بداية الانتفاضة تجنب ناشطوا "الساحة تنتفض" - حسب شهاداتهم -  الخوض في مسألة سلاح "حزب الله" و"حركة أمل". فطلبوا وضع "سلاح المقاومة" جانبًا، كي لا يستغل الساحة طرف سياسي ما، ويأخذ انتفاضتهم في اتجاه لا يرغبونه ولا يريدونه، معتبرين أن المطالب السياسية هذه تؤدي إلى انقسامات في الساحة. لذا وضعوا للخطاب السياسي معايير تناسب حساسيات الانتماءات والولاءات السياسية في المدينة (السنية) وجوارها (الشيعي في حارة صيدا). فحصروا توجهاتهم وشعاراتهم بالشؤون والقضايا المطلبية المعيشية، ليجمعوا أكبر عدد من الناس في المدينة حولها وحولهم. وإلى تجنبهم الخوض في ما يتعلق بالسلاح، منعوا رفع صور لأي شخصية سياسية وإطلاق شعارات ضدها وشتمها. وعلى الرغم من ذلك تعرضوا - بعد نحو شهر على بداية الانتفاضة - إلى استفزازات واعتداءات وتحطيم خيمهم المنصوبة في ساحة إيليا. وهم يقولون إن "تيار المستقبل" - يؤازره شبان من "حركة أمل" على دراجاتهم النارية (معقلهم في الحارة) - نظموا مسيرات ترفع أعلام "المستقبل"، وقاموا باستفزازهم والاعتداء عليهم في الساحة.

أما النائب ورئيس "التنظيم الشعبي الناصري" الصيداوي  أسامة سعد، فتعرض إلى سهام من الطرفين ("المستقبل" وجمهور "المقاومة" الشيعي) تنتقد مواقفه السياسية المستقلة، بحسبهم. فجمهور "المقاومة" اعتبر أن سعد حاد عن "الخط السياسي المقاوم"، لأن تنظيمه الصيداوي استمر مشاركًا في انتفاضة تشرين، بعدما دعا حسن نصرالله جمهورَ هذا الخط إلى الخروج من ساحات الانتفاضة، وهدد المستمرين في حراكهم وتظاهراتهم. أما "تيار المستقبل"، المناوئ الصيداوي لسعد وتنظمه، فظل يعتبرهما نصيران لـ"حزب الله". وفي المرحلة الأولى من الانتفاضة - حسب ناشطي تنظيمه في "صيدا تنتفض" - حاول أسامة سعد تجنب طرح قضايا سياسية في الساحة، لئلا يتعرض إلى انتقادات على خلفية سيره في "خط المقاومة" وسلاحها. فحارة صيدا الشيعية قريبة جدًا من ساحة إيليا. وكان من مكث طوال الوقت في خيم الاعتصام يخافون على سلامتهم من اعتداء قد تجره عليهم ظهور مواقف ضد سلاح "حزب الله" أو شتمهم أي شخصية سياسية قيادية. والجيش اللبناني وضع عناصره على مداخل الحارة، للحؤول دون صدامات قد تحصل بين شبان الحارة والمعتصمين في الساحة. وقبل اعتداء بعض شبان من الحارة على الخيم، اجتمع أسامة سعد مع مسؤولين في الحارة، استباقًا لمثل تلك الصدامات. واستمرت كثرة من العائلات الصيداوية على رفضها أي هيمنة حزبية على ساحة إيليا، وخصوصًا الشيوعيين واليساريين و"التنظيم الشعبي الناصري". فكثرة من الصيداويين، ولا سيما مجموعات توالي بهاء الحريري، لا يعلمون إلا القليل عن "الحزب الشيوعي اللبناني" و"التنظيم الناصري"، ولا يميزون بين الأحزاب ولا يريدون حضورها في الساحة.

حراك الطلاب
وفي مطلع كانون الأول 2019 فتحت المدارس أبوابها. لكن سرعان ما بدأ في الخامس من الشهر نفسه تحرك طلابي في سائر المدارس والمناطق اللبنانية، كأنما ليملأ فراغًا ما في النشاطات الاحتجاجية ويجدد زخم حراك 17 تشرين. وكانت مجموعات "صيدا تنتفض" قد أدركت في نهايات تشرين الثاني أن قطع الطرق لم يعد ممكنًا. فاجتمع ناشطوها وتداولوا في الكف عن هذا النشاط الاحتجاجي، والتفكير في أشكال أخرى للتحرك. وكان قطع الطرق قد أثار في مناطق لبنانية كثيرة لغطًا وآراء متباينة واستنكار فئات من الناس، بعدما حصلت بعض شجارات بين العابرين في سياراتهم وناشطين. وروى ناشطوا صيدا أن اجتماعهم ذاك حضره بعض طلاب صيداويين، فأبدوا استعدادهم لتنظيم تحركات طلابية في المدارس. لذا فكر الناشطون في تنظيم تحرك احتجاجي للطلاب. وهم يعتبرون أنهم أول من بادر في لبنان إلى تنفيذ هذه الفكرة التي سرعان ما انتشرت في سائر المدن والمناطق. وذلك بعدما كانت مخابرات الجيش قد فرضت عليهم - حسب روايتهم - أن ينسقوا مع الأجهزة الأمنية في المدينة. وكانت قد تزايدت التهديدات الأمنية والسياسية للمحتجين في لبنان لمنعهم من قطع الطرق، بعد سقوط جرحى واعتقال كثرة من الناشطين.

وحضر مئات الطلاب إلى ساحة إيليا، فاتفق ناشطوها معهم على تنظيم مسيرة طلابية. وقام أولئك الطلاب بتظاهرات أمام بعض مدارس صيدا، داعين تلامذتها وطلابها إلى الإضراب والتظاهر. فسرت الدعوة وانتشرت، واستجاب إليها أكثر من خمسة آلاف طالب من مدارس وثانويات في المدينة والجوار، وسار الجميع في تظاهرة ضخمة، سبقت تحركات سائر طلاب لبنان في أيام مشهودة بدأت في 6 كانون الأول 2019، واستمرت نحو أسبوعين، وكانت تحركات طلاب صيدا مثالًا لها. وروي ناشطوا "صيدا تنتفض" أن السبق الصيداوي الطلابي جاء بعد سبق آخر، انتقل من المدينة إلى مناطق ومدن لبنانية: إيقاف السيارات وسط الشوارع وإطلاق أبواقها تحت شعار "زمِّر للثورة".

وتشكلت في صيدا لجنة طلابية لإدارة تحركات الطلاب في المدينة، وتنسيقها مع التحركات التي يقوم بها ناشطو ساحة إيليا. والتنسيقية هذه راحت تتصل بإدارات المدارس، وتطلب منها إقفال أبوابها في نهارات الإضراب العام. والمدرسة التي كانت تمتنع تشتعل حرائق الإطارات المطاطية أمامها، فتضطر الإدارة إلى السماح لطلابها بتعطيل الدروس والخروج في تظاهرات. وهذا ما حمّس التلامذة والطلاب على الاعتصام في ساحة إيليا وبعض شوارع المدينة. وسرعان ما صارت إدارات مداس صيدا تلتزم تلقائيًا الإقفال، ما أن كانت تتصل بها لجنة التنسيق طالبة منها ذلك. هذا علمًا أن إدارات مدارس صيدا تجمعها شبكة منظمة تتداول في توحيد قراراتها. فانتدبت الشبكة مدراء مدارس أربع لتتفاوض مع "صيدا تنتفض"، التي تعهدت بأن المدرسة التي لا يريد طلابها الإضراب لن يُرغموا عليه، شرط ألا تمنع أي إدارة طلابها من المشاركة في الإضراب. وهكذا باتت الشبكة ملزمة بما يتقرر في ساحة إيليا، في حال قرر ناشطوها إضرابًا طلابيًا عامًا وإقفال المدينة.

بوسطة الثورة
ومن نشاطات حراك 17 تشرين، ابتكار المجموعات الناشطة ما سمي "بوسطة الثورة". وروى ناشطو "صيدا تنتفض" أن شكوكًا راودتهم حول الجهات التي أطلقت فكرة "بوسطة الثورة" ومولتها وغايتها منها. ورفضوا استقبال البوسطة في صيدا، معتبرين أن رفضهم نابع من الحفاظ على سلامة منظمي مسيرتها. فتخطي الحافلة مدينة صيدا كان - بحسبهم - ينذر بمذبحة، لأن عناصر مسلحة من "الثنائي الشيعي" نصبت كمائن لاعتراضها على الأوتوستراد بين صيدا وصور، وهددت بإطلاق النار عليها. وأثار موكب البوسطة انقسامًا بين مجموعات ساحة إيليا. فالشيوعيون ومحازبو "التنظيم الشعبي الناصري" قالوا إن المنظمين أردوا دخول البوسطة إلى الساحة بلا تنسيق معهم، وفرض شعاراتهم وخطابهم عليهم. لكن المجموعات الموالية لبهية الحريري أرادت - بحسبهم أيضًا - إدخال الحافلة عنوة وبلا تنسيق، واتهمت أسامة سعد ومحازبيه برفضهم دخولها إلى صيدا. وقال ناشطو "صيدا تنتفض" إن ذلك كان من شأنه أن يؤدي إلى صدامات بينهم وبين أنصار الحريري، ويشق مجموعات الحراك الصيداوي في ساحة إيليا. وأبلغهم الضابط المسؤول في الجيش اللبناني قراره: منع الحافلة من اجتياز حاجز الأولي على مدخل صيدا. ولتدارك الشقاق والخلاف واحتمال الصدام بين الناشطين، تدخل أسامة سعد شخصيًا، وأشرف على دخول الحافلة إلى المدينة، فرُحب بها في الساحة، بعدما اتُفق على عدم إعلانها أي موقف سياسي. ولم تمكثت الحافلة أكثر من دقائق خمس في الساحة إياها، وعادت إلى بيروت متخليّة عن متابعة طريقها إلى صور.  وشبه ناشطو "صيدا تنتفض" وصول الحافلة إلى صيدا بوصول ربيع الزين ومجموعة من أنصاره الناشطين في حراك مدينة طرابلس، إلى صيدا في وقت سابق، وطلبه إلقاء كلمة في ساحة إيليا. فرفض نشطاء الساحة طلبه، لأنه رفض الكشف عن مضمون كلمته مسبقًا، وطردوه من الساحة.

"صيدا تنتفض" وهيئات المدينة
وفي شهادتهم رأى ناشطو "صيدا تنتض" أن "تيار المستقبل" في صيدا لم يكن قادرًا على تجييش أكثر من عشرات الأشخاص في المدينة وحشدهم. وعقب إعلان سعد الحريري استقالة حكومته عمد بعض شبان "المستقبل" إلى قطع طرق  بالإطارات المشتعلة في صيدا. لكن ذلك لم يدم إلا وقتًا قصيرًا.  وتكرست إيليا ساحة نابضة بالاحتجاجات والحياة، ومتنفسًا لمن يريد من الصيداويين الذين راح بعضهم يقصدها للفرجة والتنزه أحيانًا.

واستقطبت ساحة إيليا محتجين من مناطق مجاورة: شبان من بلدات شرق صيدا المسيحية. وكذلك الشبان الذين لم يتمكنوا من قطع الطرق في بلدات جنوب صيدا، مثل الغازية وسينيق والزهراني، حيث يسيطر "الثنائي الشيعي"، وقمع من أرادوا الاحتجاج في بلداتهم. وذكر ناشطو "صيدا تنتفض" أن الساحة راحت تفرض سلطتها على صيدا. فتجار المدينة كانوا - بحسبهم - معادين لهم بسبب دعواتهم إلى الإضراب والإقفال العامين. لذا فاوضوا جمعية التجار، وممثلي شبكة المدارس الصيداوية التي تهيمن عليها بهية الحريري. وبات للجمعية والشبكة ممثلون في لجنة التنسيق المنبثقة عن الحراك في الساحة، وتقرر نوعية التحركات في المدينة. ففرضت اللجنة على التجار الالتزام بالإضراب وعدم فتح الأسواق. وتفاهمت معهم على عدم فتح الأسواق. لكن لجنة التنسيق لم تضم ممثلين عن فروع المصارف في صيدا ولا فاوضتهم على الإقفال العام، بل الزمهم الحراك عنوة بالإقفال. وإقفال محال الصيرفة بعد ارتفاع سعر صرف الدولار، والاعتصام داخل المصارف لإلزام إداراتها بدفع رواتب الموظفين الموطَّنة فيها، والدفع بالدولار النقدي للمودعين بعدما حجزت أموالهم جميعًا، صارت من نشاطات "صيدا تنتفض". وحصلت هذه التحركات يوميًا، ما استدعى تدخل القوى الأمنية لحماية المصارف. ثم لجأ ناشطون في صيدا إلى العنف ضد المصارف، بعدما فشلت تحركاتهم السلمية. فهددوا الصيارفة، وحطموا فروعًا مصرفية وأحرقوا مباني فرع المصرف المركزي وشركة الكهرباء والاتصالات، وزرعوا عبوة ناسفة في مبنى مصرف فرنسبنك.

ومع بدء تفشي وباء كورونا في شباط 2020 توقف النشاط الاحتجاجي في ساحة إيليا، وتحول ناشطوها إلى  العمل السياسي والإغاثي. ولما برزت الأزمة الاقتصادية وبدأت مؤسسات عدة تقفل أبوابها وتطرد بعض موظفيها، وطرق العوز أبواب كثرة من العائلات الفقيرة، قاموا بجمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين. وصفحة "صيدا تنتفض" على وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى صفحة للعمل الإغاثي وجمع التبرعات ومساعدة المحتاجين. وراح الناشطون يجمعون مواد تعقيم وحماية ويوزعونها على البيوت. وقاموا بحملات تعقيم في الشوارع والأحياء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها