آخر تحديث:15:15(بيروت)
الخميس 14/10/2021
share

"يوم خاص" لنصرالله: النساء للبيوت والرجال للحرب

محمد أبي سمرا | الخميس 14/10/2021
شارك المقال :
"يوم خاص" لنصرالله: النساء للبيوت والرجال للحرب ..وهتفوا فجأة "شيعة شيعة" (مصطفى جمال الدين)
النساء في البيوت، زوجات وأخوات وبنات. والأطفال الأولاد أيضاً بعضهم في البيوت وفي شوارع أحياء الأهل. وشطر آخر منهم في المدارس ربما. والفتيان والشبان والرجال إلى الشارع، أي إلى الحرب.
****

هذا هو مبدأ  "التظاهرة" التي سيرها حزب الله وحركة أمل على أطراف المربع الجغرافي الحدودي، الصامت وشبه الميت، الخالي من هوية أهلية - طائفية. وهو يضم حرج بيروت وميدان سباق الخيل. وشارع بدارو للسهر والترفيه ولسكن الفئات المتوسطة المختلطة بغالبية مسيحية. وشارع مصالح الجيش اللبناني ومؤسساته. وعلى أطرافه قصر العدل ومقر قيادة الأمن العام ونقابة المحامين وبيت المحامي والمتحف الوطني وقصر الصنوبر، مقر السفير الفرنسي. ووصولاً إلى أطراف منطقة البربير، حيث مبنى مدرسة المقاصد الإسلامية.

والمربع هذا تحوطه أوتوسترادات قصيرة بين مستديرة شاتيلا ومستديرة الطيونة وجادتي سامي الصلح وعبدالله اليافي والجادة الفاصلة بين حرج بيروت وميدان سباق الخيل.
****

وأنا وصلت في سيارتي من جهة الأشرفية إلى النزلة المؤدية إلى قصر العدل، كنت مغبش البصر بغشاوة رمادية من أثر فحص طبي لعينيّ. لكنني من بعيد أو في اهتزاز بصري شاهدت في الغبش الرمادي مجموعات أو فرق شبان وفتيان شبه منظمة، تتقدم من جادة سامي الصلح، وتسير منفصلة، وتنعطف نحو بيت المحامي. ركنت سيارتي في مكان قريب، ترجلت منها وسرت مقترباً من مجموعاتهم التي كنت قد رأيت أن ما  يوحد بين شبانها ورجالها ارتداؤهم على أنصاف أجسامهم العليا قمصاناً أو "تي شيرتات" سوداء.
****

ومشيت على الرصيف الضيق، فيما تسير فرق من عشرات منهم على الرصيف المقابل. بعضهم ينتعل أحذية رياضية، وقلة منهم تنتعل أحذية عسكرية.

ووقفت قليلاً أنظر إليهم مستطلعاً: الجميع تقريباً منشغل بمكالمات هاتفه المحمول. وسمعت بعض كلماتهم، فإذا بها جغرافية في معظمها: البربير، الطيونة، النبعة، الحرش، شاتيلا، سبق الخيل.. كأنما هذه الكلمات إشارات أو رموز أو علامات استدلال متفق عليها. وربما تشبه اتفاقهم على ارتداء الـ"تي شيرتات" السوداء، وعلى أماكن تجمعهم، وتوزيع المجموعات أو الفرق، ومواقيت انطلاقها وخط سيرها. ورأيت بعض الفرق يتقدمها رجال بهندام مدني يوحي بالعسكري الخفيف أو الخفي، ونظارات سوداء على العيون، مع صدر منتفخ ومشية واثقة وهاتف على إحدى الأذنين.

وشيئاً فشيئاً راحت تتدفق فرقهم وصولاً إلى المتحف. وفيما تابعت بعضها سيرها فوق الجسر، انقسمت أخرى وسارت في الشارع تحت الجسر متجهة نحو جادة عبدالله اليافي، حيث المحكمة العسكرية.
****

ولما انعطفتُ من أمام المتحف في الشارع المؤدي إلى جادة سامي الصلح، صادفت بعد خطوات قليلة مجموعة صغيرة من فتيان الـ"تي شيرت" السوداء، تتقدم في اتجاه المتحف. كانوا نحو من عشرة فتيان، وهتفوا فجأة "شيعة شيعة". فحدست أنهم من فتيان الدراجات النارية، لكن في مهمة تتطلب اليوم التخلي عن الدراجات.

أحدهم تتدلى من عنقه قلادة من نحاس فضي تمثل اسم علي. وفجأة، فيما هم يسيرون متحادثين، صفع أحدهم آخر على وجهه صفعة قوية، فحدست وجلاً أن شجاراً مفاجئاً وقع بينهم. لكن حدسي سرعان ما خاب، حينما رأيت الصافع والمصفوع يتضاحكان ويتابعان سيرهما وسط المجموعة، كأن شيئاً لم يكن وهوت الصفعة برداً وسلاماً على وجه من تلقاها ضاحكاً.
****

وعدت نحو المتحف. الفرق لا تزال تتدفق صغيرة ومنتظمة من جهة قصر العدل. على المنعطف أبصرت بعض نساء يتساءلن من أين يمكنهن المرور. أحداهن في سيارتها. بدا منظر النساء كأنهن من عالم آخر وبلاد أخرى، أو في شارع محتل لبعض الوقت.

لسن خائفات، ولا أنا خائف. لكن لما لاحت مني التفاتة إلى إحداهن، والتقت أبصارنا لهنيهة عابرة، تبادلنا ابتسامة خاطفة، تراءت لي وكأنها مستلة من الفيلم السينمائي "يوم خاص" للإيطالي إيتور سكولا، في روما، حين استقبل موسولوني وحشود جمهوره الفاشي في الشوارع "الفوهرر" هتلر.
****

ووصلت مجدداً إلى أول جادة سامي الصلح من ناحية مقر الأمن العام. حشود تتقدم آتية من جهة الطيونة. تتقدمها شاحنة بمكبرات صوت عملاقة  تبث مقاطع من خطب حسن نصرالله عن القوة والشرف والغضب والله والإيمان.. وصرخات أخرى: من أنتم؟ أنتم مخطئون، أنتم لا تعرفون جبروتنا وقوتنا وإيماننا بالله وشهدائنا، وهيهات منا الذلة...

كان الحشد خلف الشاحنة كبير العدد نسبياً، ويختلف عن الفرق الأخرى التي سبقته بسيولته وعدم نظاميته، واستجابته الحماسية لمقتطفات التهديد والوعيد: رجال وشبان وفتيان يرفعون الأيدي والأكف والقبضات عالياً في الهواء.

وفجأة اندلعت رشقات نارية من البعيد، من جهة الطيونة. ولمحت على زاوية قصر العدل امرأة شقراء تتحدث بالانكليزية في هاتفها، فقدرت أنها صحافية أجنبية، مكبرات الصوت في الشاحنة التي انعطفت نحو بيت المحامي، تهدد القاضي البيطار وأميركا معاً. وسمعت في البعيد رشقات رصاص أخرى، فأيقنت أن علي المغادرة إلى سيارتي. لكنني لهينهات أضعت الاتجاهات، ولم أعد أدرك أين أنا وفي أي مكان.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها