آخر تحديث:11:58(بيروت)
الإثنين 11/10/2021
share

لبنان مساحة نفوذ إيراني..

أحمد جابر | الإثنين 11/10/2021
شارك المقال :
لبنان مساحة نفوذ إيراني.. يشترك السلوك الأميركي، مع السلوك الإيراني، في جعل البلد اللبناني ساحة صراع (Getty)

يخطب الغرب ودّ إيران، من مدخل إحياء الاتفاق النووي معها، وتريد الولايات المتحدة الأميركية إلحاق الموقع الإيراني بها، من المدخل النووي ذاته، وبناء على دفتر شروط "توظيفي"، يوكِل إلى الجمهورية الإسلامية الطامحة، وظيفة شرطي الخليج، هذه التي تولاّها بجدارة، الإمبراطور الإيراني الراحل، الذي تخلّت السياسة الأميركية عنه، فذهبت به رياح الثورة الإيرانية الشعبية.

إيران، المقصودة بالودّ، والمطلوبة لشغل الوظيفة، لا تنفي القصد، ولا تستنكر الطلب، وهي، ورغم لفظيات "الخروج"، ومشاكسات مناورات التمرّد، باتت في موقع اللاعب المكشوف، مثلها مثل أولئك الذين يناصبونها الخصومة والحظر، والحصار، والتطويق، جهراً، ويسعون في "مناكب" إلحاقها بحلقات مصالحهم سرّاً. بيت القصيد: يدور اللعب اليوم، بين إيران ومن يعاقبها، في ميدان المصالح المشتركة، أما الخلاف، فسببه الثمن المطلوب من إيران، ليكون متاحاً لها الاستحواذ على درع التثبيت الدولي، في منطقة الخليج "العربي – الفارسي"، وفي "ما ملكت أيدي" الحرس الثوري الإيراني، من بلدان إضافية.

لبنان ساحة صراع
يشترك السلوك الأميركي، مع السلوك الإيراني، في جعل البلد اللبناني ساحة صراع. هذه حقيقة تُسقط يومياتها كل الادعاءات التي تخالفها، أو تنكرها، أو تنفيها. يتعرض اللبنانيون، لتداعيات هذين السلوكين، فيدفعون من عيشهم الوطني، ومن استمرارهم الحياتي، ثمناً يكاد يكون "قاتلاً"، في امتداد هذه الحقيقة، والتزاماً بالواقعية الكلامية، وقبل الواقعية السياسية، ينبغي توجيه تهمة الكذب إلى ساسة المناورات الخارجيين، مثلما يجب مواجهتهم بمضمون هذه السياسات التدميري، الذي ألحق بالعباد خسائر مصيرية.

وفي السياق، يعمد الأميركي إلى تأديب اللبنانيين، إذا ما آنَسَ منهم ميلاً إيرانياً، وتلجأ إيران إلى هراوة التأديب، إذا ما واجهتها غلظة الزجر الأميركية. هي معادلة مفهومة، وليست غريبة، فـ"الكبار" لا يتواجهون فوق أراضيهم، ما دامت أراضي الصغار، جاهزة، ومؤهلة، لتكون ساحات معارك بديلة. من الأمثلة العيانية، كل الانهيار الذي أصاب لبنان العاثر، في مؤسساته وفي سلطاته، وفي مرافقه، وفي اقتصاده، وفي بنيته الاجتماعية، وفي "منظوماته" القِيَميَّة.. كل ذلك، وعين "الداعمين" ترى. كل ذلك، وأذن "الحريصين" تسمع. كل ذلك، وخليط الغيارى على سلامة "البلد الرسالة"، يتدافعون للفوز بقصب سبق.. تمزيق هذه الرسالة. واقعياً، نجح الغيارى في جعل البلد بلداً آخر. وفاز الخصوم بتكوين فهم جامع لما يجب أن تكون عليه أحوال نفوذهم.. الموزع بالتناسب مع أمرين: الحرص على عدم كسر قوّة القوي، والحرص في الوقت ذاته، على تأبيد إقامة الضعيف، في موقع الضعف المستدام.

إذن، ولأنه لا يمكن القول لهؤلاء "أخرجوا من حياتنا"، يجب هَتْك حجاب الأكذوبة السياسية التي يدّعي أصحابها، السعي إلى حفظ المصالح اللبنانية. يصح في هذا المقام رفع شعار موجز يعلن: أول السياسة، كشف الكاذب، هذا ليبنى على الحقيقة الواضحة ما يجب اعتماده من أساليب في مواجهة خبث السياسات، وأكاذيب رجال مصالحها.

الداخل الطارد
مسؤولية الداخل اللبناني، تتقدم على مسؤوليات الخارج، ففي منحنيات هذا الداخل، وفي نتوءاته، تأسست، وتتأسس نسخ الهيمنات المتناسلة.

الداخل طارد لذاته أولاً. هذه الذات التي لم تباشر جمع شتاتها التأسيسي، ولم تحسن قولبته في "دمج" معقول، أو في "تساكن" مقبول. تنبعث من سيرة الطرد هذه، مطاردات طائفية، لما حاوله الوضع اللبناني من مباشرة خروج من أردان البنية الطائفية. هذا بالجملة. وهذه صارت حالياً مطاردات مذهبية بالمفرّق، للأصوات المعترضة على التفتيت الذي أحدثته المذهبيات، في مفاصل "الكليّة" اللبنانية. حصيلة الداخل الطارد، تخلّف مضاعف استوطن المناطقية الأهلية، وترسّخ في مساكن التجمعات المذهبية، وعليه، فإن "الرسميّة" التي يُفترض أنها فوق الأهلي والجهوي والمناطقي.. باتت "إسماً" مطروداً من إمكانية قيامها بما هو مناطٌ بها من أدوار. لقد صارت "الدولة الرسمية"، وكما هي الحالة المعلومة اللبنانية، ملحقاً موزعاً بين أهلها، وتحوّل دورها إلى ناطق يحمل إلى الخارج ما تمليه حصيلة مناكفات الداخل، من وفاق أو من افتراق بكلمات. طُرِدَت الدولة، وطورِدت، وما زالت مطاردة في مقارِّها، حتى لا يكون لها ثبات الدولة ورسوخ بنيانها.

داخل في مساندة الخارج
الداخل الطارد، يتّخذ موقف المستَقْبِل، عندما يتعلق بولاءاته الخارجية، عيانياً، لبنان، الذي أراده بعض من النخب واحداً، لم يَستجب لتلك الإرادة الطموحة المتفائلة، بل حلّ مكانه "لبنانات"، نسمع بياناتها، اليوم، ونطالع صفحات مصالحها.

في صالون الاستقبال السياسي، جلس "الزائر" الأوروبي، والضيف العربي، وصاحب الدار الإيراني، وظلَّ الأميركي سفيراً "فوق العادة"، للنوايا التي غلب "لا جمالها" على جمالها.

صفة كل ذي انتساب أعلاه، لا تجعله غريباً "صافياً"، بل إن عناصر داخلية كثيرة، تمنح كل غريب "جنسية" محددة، أو تأذن له بالإقامة، بموجب سند مكوث مديد. بناءً على ما تقدّم، يجري تصنيف المجنسين والمقيمين، بالاستناد إلى قواعدهم الأهلية الداخلية، فنكون عندها في إزاء مجنّس فئة أولى، ومقيم فئة ثانية، وممدّد له بحكم الضرورة التي تقتضي بقاءه إلى أمد معلوم.

والحال، وبما أن كل خارجي داخلي بمقدار، وبما أن المقدار يعود إلى الوزن الداخلي الأهلي المحدَّد، يمكن الاستنتاج، أن الإيراني متقدم على الآخرين، ما دامت الشيعية السياسية اللبنانية، متقدمة على قريناتها من المذهبيات السياسية الأخرى.

نَفْي هكذا خلاصة يعوزه الإثبات بالدليل، وليس بالافتراض، ولا بالتمنّي، ولكل إثبات، أو في مواكبته، دليل عمل، إذا ما كان مقدّراً "للعقلانية" اللبنانية أن تكتسب عادة الحسابات العقلانية.

خارج في استثمار داخل
يسهل على الخارج الاستثمار في الداخل اللبناني، بسبب من انكشاف هذا الأخير، بُنية وأداء وارتباطات. في هذا المضمار، يمتلك الإيراني مبادرة هجومية، مثلما يحوز قدرة على المناورة العامة، في المنطقة، وتتوفر له وسائط وقوى في كل بلد بعينه. ترتبط الهجومية المناوراتية، بالسياسة التدخلية العامة التي ما زالت السياسة الإيرانية تتمسك بها منذ قيام جمهوريتها.

تغطية "عيوب" الداخل، "بفضائل" الخارج، سياسة معتمدة، عربياً وإيرانياً، وملء فراغات التدخلات في المنطقة، سهلة لدى الإيراني، لأنها مبنية على فصائل الداخل أولاً، وعلى إسناده لها ثانياً.

إذا كان هذا هو الاستثمار الناجح، من الجانب الإيراني، فإن الاستثمار العربي صار تخلّياً وانسحاباً، والاستثمار الدولي لا يتعدى معاقبة البلدان، كبديل عن التعرض لإيران، أما الشعارات، من ديمقراطية وشفافية.. فلا تقف على أرض صلبة، ولا يوفّر لها "الجمع المدني" ما يلزمها من قوّة إسناد مجتمعية.

في الحصيلة، تبزّ السياسة الإيرانية قريناتها، من خلال ميّزاتها. فهي، أي السياسة، مبادرة واقتحامية، تعرض ما هو ملموس، وهذا مقبول، بالنظر إلى الحاجات، مما يصرف النظر عن خلفية "العرض"، وعن التدقيق في واقعية تحقيقه.

واقع لبناني
لن يصمد الواقع اللبناني طويلاً، فهو خالي الوفاض داخلياً، هذا لجهة الطاقة الإيجابية، وصناديقه ملأى، لجهة المتناقضات السلبية، واستعداده عالٍ لاستدراج الولاءات الخارجية ومشاركتها في هيمنتها، مقابل أجر وظيفي معلوم.

ولن يصمد الواقع "مساعداتياً"، أو إنقاذياً، طالما أنّ كل ما يأتيه لا يتعدّى الشروط، التعجيزية، هذه التي تنذر ممراتها بنشوب مزيد من النزاعات الأهلية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها