آخر تحديث:12:29(بيروت)
الأحد 10/10/2021
share

المشنوق يلجأ إلى "روسو".. إخفاق ذريع

نادر فوز | الأحد 10/10/2021
شارك المقال :
المشنوق يلجأ إلى "روسو".. إخفاق ذريع يقول روسو عكس ما يشتهيه المشنوق: صعود قوة القضاة تأتي بفعل تراجع هيئات الرقابة الكلاسيكية (علي علّوش)
بعد دعوى الردّ التي سقطت، ودعوى الارتياب المشروع المقدّمة لوقف ملاحقته في ملف انفجار مرفأ بيروت، لجأ وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، المدعى عليه في القضية، إلى أستاذ القانون الدستوري الفرنسي دومينيك روسو.
الأخير عضو سابق في المجلس الأعلى للقضاء في فرنسا بين 2002 و2006 وبروفيسور ومدير كلية الحقوق في جامعة السوربون، وأحد أفرع جامعة باريس واحد، وفي تاريخه عمل دستوري وقانوني وأكاديمي كبير، دفع فريق الوزير المشنوق إلى وصفه بـ"أهم مرجع دستوري فرنسي".
لجأ المشنوق إلى روسو لإعداد دراسة قانونية حول "الاختصاص القضائي لمحاكمة المشنوق في قضية انفجار مرفأ بيروت". من خلاصاتها، حسب ما نشر المشنوق، أنّ "المحقق العدلي في الملف القاضي طارق البيطار انتهك الدستور ومبدأ فصل السلطات، مع التأكيد على الهدف المرجو من المشنوق وسائر الوزراء المدعى عليهم بأنّ المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء هو المرجع الصالح لمحاكمة الوزراء في قضية 4 آب".
أدناه أبرز النقاط التي أشارت إليها دراسة روسو، إضافة إلى مواقف سابقة له تؤكد على القضاء في محاكمة الوزراء والمسؤولين، ومبدأ عدالة الجميع أمام القانون وغياب الأدوار الرقابية. 

فصل السلطات
يستند روسو على مبدأ فصل السلطات و"تنظيم أصول مختلفة لمحاكمة المسؤولين السياسيين. وأصول المقاضاة المختلفة لا تعني إجحافاً، أوعدم معاقبة أوعدم مقاضاة أوغياب مساءلة المسؤولين السياسيين، فهي تعني فقط أنّه يقتضي محاكمة المسؤولين السياسيين أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وليس المحاكم العاديّة، وذلك ليس لحماية أشخاصهم بلّ لحماية وظائفهم". مبدأ عام وأصيل. إلا أنه سبق لروسو أن أشار في مقال نشره يوم 23 آذار الماضي في "أكتو جوريديك" إلى ما معناه أنّ "صعود قوة القضاة تأتي بفعل تراجع هيئات الرقابة الكلاسيكية، البرلمان بالنسبة للوزراء ومجالس الإدارة بالنسبة لرؤساء الشركات، والجمعيات العامة بالنسبة لمديري المنظمات، يدفع المواطنين إلى اللجوء إلى القضاء لتحديد المسؤوليات". يتحدّث روسو، عن فرنسا وتراجع الأدوار الرقابية للمؤسسات فيها، فما بالنا في لبنان المحكوم من منظومة مافيات، حيث التساؤل الدائم عن استقلالية القضاء وفصل السلطات.

المجلس الأعلى
ولفت روسو إلى أن القانون الجزائي أتاح محاكمة الموظفين لإخلالهم بواجباتهم بناءً على المادة 373 من القانون الجزائي، في حين يمكن ملاحقة الوزير لإخلاله بواجباته وفقاً للمادة 70 من الدستور. مع تأكيده على أنّ "الوزير والموظف من فئتين دستوريتين مختلفتين"، كلام قانوني صائب. ويشدد روسو على أنّ "الاحترام الدقيق للقاعدة القانونية شرط أساسي لكي تأخذ العدالة مجراها، ويكون للضحايا جواب محقّ على مستوى توقعاتهم، باعتبار أنّ احترام القانون والإجراءات هو ضمانة للمواطنين كافة ولا يمكن إصلاح مأساة باختلاق مأساة أخرى ووضع دولة القانون جانباً".
لكن روسو في المقال نفسه المنشور في آذار الماضي، يشير إلى أنّ محاكمة الرئيس الفرنسي السابق، المدان، نيكولا ساركوزي "ليست سوى تطبيقاً لمبدأ عدالة الجميع أمام القانون". كما يقول في مقابلة له مع "mediapart" منشورة في نيسان 2015: "نعيش في ظروف حيث تعيش المؤسسات حياتها، والمجتمع يعيش حياته"، في إشارة إلى الفارق الشاسع بين المؤسسات والمتحكّمين بها والناس المتحكّم بهم. 

المادة 70
واستندت دراسة روسو على "قرار الجمعية العامة لمحكمة التمييز في لبنان الصادر بتاريخ 27 تشرين الأوّل من العام 2000"، وينصّ على الآتي: "حيث أنّه يبنى على ذلك أنّ المادة 70 من الدستور، فرقّت في مضمونها بين فئتين من الأفعال بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء والوزراء، فئة تتأتّى عن إخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم يعود شأنها للمجلس النيابي وللمجلس الأعلى، وفئة تؤلف جرائم عادية تبقى الملاحقة والمحاكمة بصددها من صلاحية القضاء الجزائي العادي". لكن في هذا الإطار أيضاً، لا بد من الإشارة إلى القرار الصادر عن محكمة التمييز الجزائية- الغرفة الثالثة يوم 23 نيسان 1999. فأعاد الباحث القانوني عمر زهر الدين نشر نص القرار بحرفيته، وجاء فيه أنه "حيث يتّضح من المقارنة بين المادة 60 والمواد 70-71 و72 من الدستور أنّ الصلاحية المعطاة للمجلس النيابي، باتهام رئيس الجمهورية ومن ثم محاكمته أمام المجلس الأعلى عن كافة الجرائم هي صلاحية حصرية نافية لغيرها، بدليل ما جاء في النص من أنه "لا يمكن اتهامه (رئيس الجمهورية) إلا من قبل مجلس النواب، في حين أنّ الصلاحية المعطاة للمجلس النيابي باتهام الوزراء عن الخيانة العظمى والإخلال بالواجبات المترتبة عليهم، ومن ثم محاكمتهم عنها أمام المجلس الأعلى، أن هذه الصلاحية ليست إلزامية بل ممكنة وفي حال استعمالها من قبل المجلس النيابي، باعتباره هيئة استثنائية للاتهام في هذا النطاق، أنها تحجب صلاحية القضاء العادي الذي هو السلطة صاحبة الولاية الشاملة للنظر في كل الجرائم التي لم يوكل أمر النظر فيها حصراً إلى مرجع آخر، وبالتالي يعود إلى هذا القضاء العادي الحق والصلاحية والصفة لمباشرة الدعوى العامة ومتابعتها ليس فقط بالنسبة لجرائم الوزراء العادية بل حتى بالنسبة للجرائم المحددة في المادة 70 من الدستور، في حال لم يستعمل المجلس النيابي بالأفضلية صلاحيته، كونها واردة في نص دستوري، وأن الدليل على صحة هذا القول هو ما جاء في مستهل نص المادة 70 المذكورة أنّه "لمجلس النواب أن يتهم الوزراء". ولو شاء الدستور أن يمنح الوزراء في نص المادة 70 ما سبق ومنحه لرئيس الجمهورية في نص المادة 60 من ضمانة قصوى متعلقة بالأصول لناحية الهيئة الوحيدة المحددة لاتهامهم، ومن ثم لمحاكمتهم، خاصة عن الجرائم المحددة في المادة 70 لكان فعل ذلك صراحة باستعمال المعايير نفسها أو على الأقل بما يفيد ذلك، خاصة أنّ نص المادة 60 سابق لنص المادة 70 من الدستور". والخلاصة أنه يجوز ملاحقة الوزراء أمام القضاء العادي.

استنفاد الأدوات
لا بد من انتظار نشر الدراسة الصادرة عن المرجع دومينيك روسو، كاملة وباللغة الفرنسية، للاطلاع على كامل تفاصيلها وتعابيرها ومقاربتها القانونية. ففي الملخص الذي نشره المشنوق وفريقه لا إدانة للمحقق البيطار ولا يذكر روسو عمل الأخير أو تجاوزه للدستور والقوانين. ويغيب عن بال المشنوق وكل الوزراء المدعى عليهم في ملف انفجار مرفأ بيروت، أنّ عمل المحقق العدلي اليوم في الاستجواب والتحقيق لا في إطلاق الأحكام. هو يعمل في تحقيقاته لإصدار قرار ظنّي ليعود بعدها الشقّ المتعلّق بالمحاكمة إلى مؤسسة قضائية أخرى، المجلس العدلي أو غيره. الوزراء المدعى عليهم، مشتبه فيهم غير مدانين ولا محكوم عليهم، حقّهم الدستوري والقانوني والطبيعي بأن يلجؤوا إلى المواد القانونية للدفاع عن أنفسهم. إلا أنهم يستخدمون هذا الحق للتعطيل والعرقلة والممطالة، لا بأس. إذ أنّ هذه الأدوات تنفد من أيديهم مع الوقت. لذا المعركة ولو أنها طويلة ومعقّدة، إلا أنها مستمرة، فلا تغرّنكم هيبة الاسم. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها