آخر تحديث:21:53(بيروت)
الأربعاء 06/01/2021
share

اقتصاد سياسي جداً.. جداً

أحمد بيضون | الأربعاء 06/01/2021
شارك المقال :
اقتصاد سياسي جداً.. جداً حمايةُ طائفيّةُ للجناياتِ الماليّةِ والاقتصاديّةِ والنشاطاتٍ الجرميّةٍ المتنوّعةٍ (مصطفى جمال الدين)
في عنوانٍ طريفٍ، يصِفُ ركس براينن اقتصادَ الضفّةِ الغربيّةِ وغَزّة بأنّهُ "اقتصادٌ سياسيٌّ جِدّاً" مشيراً بذلك إلى الدورِ الثقيلِ الذي تضطلِعُ به المعونةُ الأجنبيّةُ في هذا الاقتصاد وإلى تَحَكُّمِ الاعتباراتِ المتعلّقةِ بعمليّةِ السَلامِ في هذه المعونة. ويستعيرُ هانس بومان هذا الوصفَ نَفْسَهُ للاقتصادِ اللبنانيّ في عهدِ رفيق الحريري، وفي الأعوامِ الأخيرةِ من ذلك العهدِ على الخصوص..

لا بِدْعَ في وصْفِ الاقتصادِ في دولةٍ من الدُوَلِ ولا النشاطِ الاقتصاديِّ المشتمِلِ على عددٍ من الدُوَلِ بأنّهُ سياسيٌّ.. فهذه هي الحالُ دائماً وهذا هو اسمُ المادّةِ في المناهجِ الجامعيّة... وتُضْمِرُ ماركسيّةُ البُلَهاءِ، إجمالاً، في سعْيِها إلى اختصارِ "حقيقةِ" الاجتماعِ بالاقتصادِ، تناسياً للعنوانِ الثاني لكتابِ "رأس المال" وهو "نقدُ الاقتصادِ السياسي".
مع ذلكَ، يبدو لي وصفُ الاقتصادِ اللبنانيِّ بأنّه "سياسيٌّ جدّاً" وصفاً ألْمَعِيّاً حَقّاً: لا في عهدِ رفيق الحريري وحسْبُ بل قَبْلَ ذلك العهدِ وبَعْدَهُ إلى يومِنا هذا.
و"السياسةُ" المُشارُ إليها ينبغي لها أن توضَعَ في وجهِ "السوقِ" إذ هي تتحدّى الحُرّيّةَ المزعومةَ لهذه الأخيرةِ وترُدُّها في الواقعِ إلى مجموعِ آليّاتٍ محدودِ الدورِ، مقيّدِ الوقْعِ بعوامِلَ هي ما يصِحُّ وصفها بأنّها "سياسيّةٌ جدّاً ": إذْ هِيَ تعيّنُ قوى الصراعِ على المواردِ وتؤطّرُ تقاسُمَها، في مرحلةٍ ما، وترسِمُ الوجهةَ العامّةَ لِكلِّ تَحَوُّلٍ إستراتيجيٍّ ينتهي إليه هذا التقاسم.
ولا تُقْتَصَرُ الصِفةُ السياسيّةُ على أموالِ الهجرةِ مَثَلاً (مع العِلْمِ أنّ الهجْرةَ واقعةٌ سياسيّةٌ أصْلاً).. ولا على رساميلَ هرّبَها الاضطرابُ السياسيُّ من أقطارِ المحيطِ إلى لبنان ووجَدَت فيه بنيةَ استقبالٍ يعلو وصفُها بالسياسيّةِ على كلِّ وصفٍ آخر.. ولا على الأموالِ الوسخةِ التي تستقطِبُها "سويسرا الشرق" باعتِبارِ غسيلِها "أكثرَ بياضاً" على قولِ اقتصاديٍّ من سويسرا الغرب في اقتصادِ بلادِه.. ولا على أموالٍ خارجيّةٍ أخرى يتّحدُ لجذْبِها الضمانُ السياسيُّ والريعُ الممتاز..

هذه كلّها مقوِّماتٌ ذاتُ أهَمِّيّةٍ للاقتصادِ اللبنانيّ. ولكنّ المعالِمَ الهيكلِيّةَ الرئيسةَ لهذا الاقتصادِ أملاها، في مدى مائةِ سنةٍ، تحكُّمٌ متبادلٌ ما بين السلطةِ السياسيّةِ والسُلطةِ الاقتصاديّة. وهو ما فَرَضَ غلبةَ الصفَةِ الطائفيّةِ على تنازعِ الموارِدِ والمواقِعِ في السوقِ. وهو ما جعَلَ الدولةَ تستوي (بِخِلافِ الشائعِ عن "ضعفِها") ضابطاً رئيساً للمثاقيلِ الطائفيّةِ في موازينِ الاقتصادِ. وهو ما جعَلَ التَحَوُّلَ الكبيرَ في المباني الاجتماعيّةِ المقارَنةِ بيْنَ الطَوائفِ يقتضي، لترجَمَتِهِ في المجالين السياسيّ والاقتصاديّ، بلا فَصْلٍ، حرباً ضروساً بين الطوائف. وهو أيضاً ما جعَلَ استقطابَ الثروةِ إلى مواقعَ رئيسةٍ في طوائفَ عدّةٍ، لا يستجيبُ لسابقةٍ تُسَوِّغُهُ في المضمارِ الاقتصاديّ، بل للثِقلِ الحاليِّ في موازينِ النِظامِ الطائفيّ أي للقوّةِ أو لمنطقِ السلطةِ العاري.
هذا المنطقُ لا يُقْتَصَرُ على الفسادِ بمفهومِهِ الضيّق: على الرشوةِ أو العُمُولةِ مَثَلاً. بل هو أشدّ ُهيكليّةً باعتِبارِ قدرتِهِ على فرضِ "المناهبة" منطِقاً غالباً له. المناهَبةُ أي النهْبُِ المتقابِلُ طائفيّاً: للدولةِ بالدرجةِ الأولى وللمجتمَعِ بِقَدْرِ ما يُسْتَطاعُ.

يُتَرْجَمُ ذلك، باللغةِ الاقتصاديّةِ، هَدْراً فادحاً للمواردِ العامّةِ ضاعفَت فداحتَهُ استدانةٌ جعَلَتها سياسيّةً بامتِيازٍ رشوةُ الدائنينَ المُخْتارينَ (أي المصارفِ المُصْطَفاةِ) بنسبةِ ريعٍ سياسيّةٍ هي الأُخرى، بمعنى كَوْنِها غيرَ معهودةٍ بالمقياسِ الماليّ ِ العامّ للمرحلة.

هذا والحمايةُ الطائفيّةُ للجناياتِ الماليّةِ والاقتصاديّةِ من نشاطاتٍ جرميّةٍ متنوّعةٍ واعتداءٍ على الملكِ العامِّ واحتيالٍ على حقوقِ الدولةِ (وإن تكن القوانينُ تجنَحُ بهذه الحقوقِ نحْوَ أدنى المستَويات)، إلخ، ليست، بطابعها المتبادَلِ بَيْنَ قوى الطوائفِ وبتواطُؤِ مراجِعِها على نبْذِ سُلْطةِ القانون، غيرَ تجَلٍّ آخرٍ، خارجٍ عن سياسةِ الإنفاقِ العامِّ، لمنطقِ المُناهَبةِ نَفْسِه. وبالمُناهَبةِ، على اختلافِ مجاليها، تردَّيْنا إلى حيثُ نحْنُ الآن!

ولم تكن سِباحَتُنا إلى هذا الغَوْرِ، في عُمْقِ حقيقتِها، إِلَّا سياسةً في سياسة! وذاكَ أن الاقتصادَ السياسيَّ لِنِظامِ الطوائفِ "اقتصادٌ سياسيٌّ جدّاً"!... جِدّاً جِدّاً!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها