آخر تحديث:16:52(بيروت)
الثلاثاء 26/01/2021
share

تشكيلة الانقلاب على الجمهورية

أحمد جابر | الثلاثاء 26/01/2021
شارك المقال :
تشكيلة الانقلاب على الجمهورية ما زال النظام اللبناني مفتوحاً على انقلابات جديدة (الأرشيف)

مع العهد الحالي، نزل الانقلاب على الجمهورية اللبنانية، درجات صوب القعر التكويني الإشكالي الأول، وصعد درجات على سلم متابعة فراغ وإفراغ تاريخ النشأة، من سيرته التطورية الاستقلالية. هذه الحركة، المتعاكسة في الاتجاه، المنسجمة في الموضوع، تتابع تراكمياً، معادلة السقوط الإطاحة، بحيث تكون ملامسة القعر "الدولتي"، فاتحة الدخول في فضاء الفراغ التكويني التأسيسي، الذي نكرر القول في وصفه، بأنه حامل معضلات وإشكاليات بنيوية أصلية.

لكن، وكي لا تكون سيرة المسؤولية عن اللحظة اللبنانية الراهنة مجتزأة، يقتضي الأمر إعادة ربط حلقات السيرة منذ إقرار اتفاق الطائف، وحتى تاريخه، أي من النص الذي وضع حداً للحرب الأهلية، وترك أبوابها مشرعة على حالة صراعية مستدامة، بحيث لا بديل من القول اليوم، إن حالة الانقلاب على البلاد والعباد، هي نسخة انقلابية، تناسلت من حالات تأسيسية سابقة، مما يتيح الظن، استباقياً، أن انقلابية العهد الحالي، التي تساهم في الخراب المنتظم المقيد الراهن، قد تكون مقدمة لخراب فوضوي طليق، في مرحلة أهلية سياسية لاحقة.

ترويكا الطائف
كتبت ترويكا الرئاسات الثلاث، السطر الأول من سطور الانقلاب على الجمهورية. فهذه سمحت باكراً، بانتخابات نيابية ناقصة، وطنياً وميثاقياً، ووافقت بسلاسة، على احتلال الإرادة الوطنية المستقلة، من قبل الوجود السوري، الذي كانت له الكلمة التنفيذية الفصل، في سياسات الجمهورية. إذاً، وفي ظل الترويكا، المتشكلة من "مارونية" الياس الهراوي، و"سنية" رفيق الحريري، و"شيعية" نبيه بري، خضع لبنان لاحتلالين، الأول منهما سوري إرادي طوعي، يغلفه كل التمويه اللازم، شعارياً وتنظيرياً وسياسياً، والثاني إسرائيلي قسري قهري، واضح الوطأة، وجلي الإرتكابات.

على صعيد سياسي موازٍ، شكل احتلال القرار، مظلة أمان لتجاوزات وارتكابات التشكيلة الحاكمة، وشكل احتلال الأرض، بطاقة تجاوز حر، على كل مقتضيات إعادة بناء الحياة الداخلية اللبنانية. استفادت الترويكا من الاحتلالين، ووظف كل طرف منها نتائج فائدته ضمن بيئته الخاصة، وضمن المجال الأهلي العام، ولم يكن التوظيف متعادلا، وإن ظنه البعض عادلاً. ففي حين اقتصر قضم الطرف الماروني، على "نصيب" ضئيل من التوزيع الداخلي، وفي حين ارتضى الطرف السني، القضم الاقتصادي، وما ظنه امتلاك الصوت الأعلى، في ردهات الجمهورية، في هذا الحين، وفي سياق الحينين الآخرين، قضم الطرف الشيعي المعلن، أي   نبيه بري، حصة وازنة من الغنم الداخلي العام، وقضم الطرف الشيعي المحتجب، أي حزب الله، سلطة القرار الداخلي، الذي كان نظرياً، مسؤولية حصرية للسلطة اللبنانية. سيصير معلوماً لاحقاً، أن مد اليد على الحصرية السيادية السلطوية، كان السلوك السياسي الأهم، والأخطر، في سياق التأسيس للمحطات الانقلابية "الديمقراطية" اللاحقة.

إنقلابية متتالية
الانقلابية التي أعلنت وفاءها لاتفاق الطائف نظرياً، وأضمرت تنحيته عملياً، مارست، وتمارس كل ما كان، وما سيكون، من شأنه، جعل الطائف نصا ميتاً، وأسست، وتؤسس، وعلى امتداد مراحل متوالية، لما سيبقي الميت مسجى ومحنطاً بين أهله، من دون حاجة إلى إشهار موته، وعلى غير استعجال بالدعوة إلى تشييعه، هذا لأن "الجناة" المتنكرين في ثياب الحياة، يعدون بهدوء، مراسم تشييع لسياق لبناني كامل، بدأ عام "الطائف"، وها هو يكاد يلامس عام 2021، محطة إطلاق الدعوتين، العامة والخاصة إلى أنه آن أوان إعلان رحيله.

في امتداد استرجاع بعض محطات السياق الانقلابي، على السياق الداخلي، الذي لم يبلغ اشتداد عوده، تحتل سنة 2000 موقعاً بدئياً. السنة المذكورة، شهدت حدث تحرير الأرض اللبنانية، وهذا كان حدثاً مفصلياً في الخيارات اللبنانية، وفي وجهة هذه الخيارات، وفي احتمالاتها. لقد توسم طيف لبناني واسع، قسمات استقلالية جديدة في الحدث، وتفاءل جمع غفير، بإمكانية الانتقال من تحرير الأرض إلى تحرير الإرادة، وظن كثيرون، أن مخاطبة "السوري الشقيق"، باتت متاحة بعد دحر العدو الصهيوني المشترك، واحتفت الأكثرية اللبنانية، بـ"حزب الله" التحريري، فتوجهت إليه بخطب ودعوات الانخراط في مسيرة البناء اللبنانية. ما هو معلوم، أن الشريك الشيعي، ممثلا بثنائية حركة أمل وحزب الله، كان خارج الإنصات، والصوت الذي جاء من جهة الثنائي، كانت صوت الوصي السوري، الذي استحضر "مزارع شبعا"، لا طلباً لتحريرها وإنما توكيداً لقراره بالاستمرار في الاستثمار السياسي، في كل ما تقدمه الجغرافيا اللبنانية.
"مزارع شبعا"، كانت الإفصاح الهادف الأول، الذي مهد لما تلاه من إفصاح وإفصاح، خاصة في ظل رئاسة إميل لحود، الذي ورث الترويكا بعد انفراطها، في إثر رحيل طرفها الماروني، بالموت "الهادئ"، وفي إثر ترحيل طرفها السني، بموت الغيلة، الذي أيقظ صخبه الآذان والوجدان.
إذن، وعلى أكثر من معنى، كان عهد إميل لحود مرحلة ترويكا متشددة، من دون هيكلية ترويكا، ومساحة التعمية التي كانت أرحب مع الياس الهراوي، باتت أضيق مع خلفه، ونسخة المقاومة التحريرية، التي لا تريد شيئا لنفسها..! أشارت من طرف غير خفي، إلى أنها تريد أشياء وأشياء.

في سياق إعلان الرغبة، ومباشرة التطلب، كانت حرب 2006، مناسبة لقلب طاولة إمكانية التوافق الاستراتيجي بين اللبنانيين، وفي امتداد قلب الطاولة تلك، لم تكن رئاسة ميشال سليمان لتتجاوز حقيقة أنها مرحلة انتقالية، من واقع وصاية سورية خارجية، إلى واقع وصاية مركبة، داخلية وخارجية. هذا الواقع الذي نجم عن خروج أدوات التحكم الأمني السوري المباشر بعد اغتيال رفيق الحريري، شهد بدء اختلال ميزان التوافقية، والدفع في اتجاه محطة تعطيل داخلي، امتد حتى اتفاق جديد في الدوحة، ثم تعطل هذا الأخير فخلفه تعطيل تطاول حتى جاء بميشال عون رئيسا للجمهورية. سمة محطة اتفاق الدوحة الأهم، تمثلت في تكريس حق النقض المتبادل بين الطائفيات والمذهبيات، وسمة محطة التعطيل الطويل للانتخابات، من خلال إقفال المجلس النيابي، كانت الإطاحة بمقولة حكم الأكثرية ومعارضة الأقلية، وعليه، وبعد المجيء برئيس الجمهورية الحالي، صار التحكم صيغة فضلى، وبموجب هذه الصيغة يتحدد السلوك حيال المؤسسات الرسمية، وحيال الاستحقاقات الوطنية، وحيال كل ما تعرفه السيرة اللبنانية من صيغ وأعراف ومواثيق، ومن ضرورات موروثة كانت من "بنات" صناعة الصيغة اللبنانية. خلاصة الاستعادة السريعة الآنفة، أن ما تسميه القراءة السياسية محطات، تعطيه الفرق الأهلية أسماء متنوعة، تضمر معنى الانقلاب على الأوضاع المعروفة، من دون إشهار هذا المعنى تمام الإشهار.

العهد الحالي
ورث العهد الحالي الانقلابية المتدرجة، التي كان هو جزءاً منها في أوقات مختلفة، هذا للقول أن الرئاسة الحالية، لم تكن بريئة من الماضي الذي يرجع إلى ما قبل الطائف، وإلى ما بعده. تذكير سريع على هذا الصعيد، يفيد الاسترجاع، ويضيف إلى حيثياته، يستقي مادته من عملية انقلابية في الداخل، يعطيها الطرف الشيعي مسمى انتفاضة شباط، وعملية انقلابية يسميها أركان العهد حرب التحرير، وحكومة الاستقلال، والانقلابان حدثا في العقد الثمانيني من القرن المنصرم. إذن للمزاج الانقلابي سوابق، وإن تبدلت أسبابه وأسماؤه. لذلك، وفي مضمار تعطيل المؤسسات، وفي ميدان تعليق الجمهورية، وفي امتداد التلاعب بحياة اللبنانيين، وفي وصف استنتاجي من كل ذلك، لا يحضر سوى نعت الانقلاب على حاضر البلد ومستقبله، ويستحضر نعت التلاعب بمقومات صمود الجمهورية، وبأسس ثباتها واستمراريتها.

منتهى القول، ما زال النظام اللبناني مفتوحاً على انقلابات جديدة، وما زالت التشكيلة المقفلة على كل تحول خلاصي، توصد أبواب كل احتمال تغييري إصلاحي، بأقفال سياستها الصدئة المتآكلة.

حتى إشعار آخر، لن يكون إصلاح إلا بضغط اجتماعي مختلف، يفرض ضروراته على تشكيلة الاهتراء اللبناني، إذ ربما توفر من السياق الاجتماعي العام، ثلة نخبة "من فوق"، تقرأ مصلحة لها، في اللقاء مع ثلة نخبة "من تحت"، ويكون ذلك فوق رقعة إصلاح تطويري، تسمح بالتفاؤل بإمكانية جعل ممر التغيير ممراً سلمياً، بحيث لا تكون الحرب الأهلية، سلاحاً مرفوعاً في وجه كل إرادة وإمكانية.. تغيير.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها