آخر تحديث:12:58(بيروت)
الثلاثاء 19/01/2021
share

الفيدرالية المضمرة.. متى إعلانها؟

أحمد جابر | الثلاثاء 19/01/2021
شارك المقال :
الفيدرالية المضمرة.. متى إعلانها؟ ما هو قائم حالياً ليس أقل من استبداد جديد (Getty)

بلا شرحٍ طويل ما عاد اللبنانيون كتلة تقارب مواضيعها بالجملة، بل الأصح أن الكتلة السكانية التي تحتل الجغرافيا المسمَّاة لبنان، باتت مؤلفة من مجموعات متنافرة ناظمها الشقاق في التطلعات، والانشقاق في الخيارات والتوجهات، والتضاد على مظاهر توافق، والانعزال على أشكال التساكن المتباينة.
لا جامع يجمع السياق اللبناني الذي صار سياقات متعددة، ولا رابط يشدّ صوب التراص الاجتماعي، هذا قبل أن يدور الحديث على الاندماج الذي يفترضه الاقتراب، ويتيحه لاحقاً، وجود "كتف المواطن" على تماس مع كتف الآخر الذي يفترض أنه نسيبه في المواطنية.

الافتراق الذي يترسخ يوماً بعد يوم، والذي تتسع شقته طرداً، ما زال مضبوطاً بعامل المجهول الذي قد تحمله تطورات ما بعده، أي أن قرار الافتراق لدى من يساورهم هاجسه، ممتنع لأسباب عملية تتضافر في صناعتها الحسابات المحلية، وما يتقاطع معها، بل ما يقع في أساسها من حسابات إقليمية ودولية. تفسير ذلك، أو توضيح ذلك، يعني، في جملةِ ما يعنيه، أن صناعة "الجمعية" اللبنانية، والحرص على توليد اجتماعها، والعمل في سبيل تلك العملية مجتمعة، لم تعد بنداً على جدول أعمال اللبنانيين، هؤلاء الذين لا يمكن وصفهم إلاّ بمفردة المجموعات اللبنانية، أو الفئات والكتل الطائفية والمذهبية اللبنانية. أكثر من أي وقت مضى، انتكس مفهوم "الشعب" اللبناني، وارتد ليتناسل مفاهيم "شعوب" تتوزع المدن والبلدات والقرى والأحياء والدساكر.

وقد يقال، وهو قول ليس باطلاً بمجمله، أن توق اللبنانيين إلى أن يكونوا شعباً لم يغب عن الاهتمام العام. دليل هذا التوق بعض المحطات النادرة التي خرجت خلالها ألوف من التواقين إلى الحرية والاستقلال والكرامة، أي إلى بعض المعاني التي ينطوي عليها مضمون الوطن والمواطنية. تحضر في هذا السياق يوميات ما بعد اغتيال رئيس حكومة لبنان، رفيق الحريري، مثلما تحضر، وإن من مكان مختلف يكاد يكون منافياً للسياق الآنف يوميات حرب العام 2006، أثناء اندلاع معاركها خصوصاً، والتضامن في وجه الهجمة الإسرائيلية التي تعامل معها المزاج اللبناني الأعمّ، بصفتها عدواناً يمسّ كل المصير الوطني اللبناني، ويهدده بأخطار فادحة.

لكن التوق إلى الحرية كان عابراً، فقد نزل بعد جموع الاستقلالية عام 2005 من ينفيها، وكذلك انبرى من تطوع لنفي مفعول التطلع المواطني إلى الوطنية الجامعة، فكسر موجة الشوق والتوق السياديين، عندما نزل بفائض قوته إلى شوارع العاصمة اللبنانية بيروت.

في السياق ذاته، لم يمكث جنى حراك 2015 في الأرض، وتبدد وعد حراك 2017، وفي حين لم يستطع الاعتراض بلورة تعبيرية، أفلح نظام الطائفية، البائد، في بلورة شدَّة تحجره، وفي الإيغال في استخدام أساليبه اللاوطنية التدميرية.

لم يندمل جرح ما بعد 2005، كذلك لم تردم هوَّة ما بعد 2006، وحال الحراك ما هو عليه، وكل ما تلا ذلك هو استمرار بذور شقاق داخلية يتعهدها باذروها بالرعاية والعناية، وقد صار واضحاً للعيان أن مسيرة الإجهاز على محاولة توليد انسجام وطني داخلي، قد حققت الكثير من أهدافها. التباعد الداخلي لا يخفى على ذي بصيرة. الخروج على أحكام الميثاق والعرف والتقليد، حاضر في القول وفي العمل، التحكم بمفاصل الأنساق الرسمية كسر معنى "الدولة"، وردّ هذه الأخيرة إلى ما دون تكوُّن إرهاصاتها الاستقلالية الأولى. التلاعب بالموارد العامة، وبالقرارات الداخلية والخارجية، والقفز إلى الخارج من فوق رأس الداخل. عنوة وضد إرادة هذا الداخل، والتهديد بورقة السلم الأهلي الهش، كلها من تجليات الانشقاق السياسي الذي بات حاكماً للبنانيين، ومتحكماً بحياتهم العامة.

سبق القول إن الافتراق اللبناني المكتوم، يمنعه الخوف من المجهول من أن يصير معلناً بصوتٍ عال، كذلك فإن السيطرة والتهديد باستخدام أدواتها، تطيل أمد الكتمان، فما لا يحب معظم اللبنانيين العودة إليه يشكل رادعاً ذاتياً، وبوضوح فإن الغالبية الداخلية لا تريد حرباً أهلية جديدة. هذا جانب، لكن الجانب الآخر، هو شبه ثقة كبيرة من اللبنانيين، بأن الفئة الغالبة والمتغلبة داخلياً، لا تمتنع عن اللجوء إلى القمع العاري إذا ما قال المخالفون ما في سرائرهم، وإذا ما صارت همهمة التذمر صراخاً معترضاً عالياً.

ومن قبيل الأمثلة: فرض النظام الاستبدادي العربي الضبط الداخلي بالقمع، وقال عنه انسجاماً ووحدة، في لبنان يتكرر المثال، وما هو قائم حالياً ليس أقل من استبداد جديد، يتحكم به مدير عام واحد، ويستجيب لإدارته، قسراً أو طوعاً، أغلب مدراء الفروع المحلية.

وعلى سبيل المقاربة أيضاً: تهمة المطالبة بالحرية في ظل الاستبداد العربي، هي العمالة للعدو، ذات التهمة صارت عملة متداولة في لبنان.

كان العدو وما زال مشروع استثمار ناجح لكل الاستبداد العربي، ولبنان الآن صار في قلب دائرة الاستبداد.. وبقية المشهد تتوالى، من شقاق إلى شقاق أوسع، وكل ذلك من ضمن سياق: التوافقية السياسية، والصيغة اللبنانية الفريدة!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها