آخر تحديث:13:20(بيروت)
الإثنين 11/01/2021
share

اليمين المسيحي الحائر بين الفيدرالية و"الطائف"

جوزفين ديب | الإثنين 11/01/2021
شارك المقال :
اليمين المسيحي الحائر بين الفيدرالية و"الطائف" انقسام مسيحي-مسيحي حول الفيدرالية (Getty)

غالباً ما كان مصطلح الفيدرالية أشبه بفزاعة، تعود باللبنانيين إلى مصطلحات الحرب. حينها كانت الفيدرالية مشروع اليمين المسيحي قبل أن تأخذ الحرب منحى آخر، ويتجه بعدها لبنان إلى نظام سياسي كرسه اتفاق الطائف.

اليوم، يعود المصطلح إلى الظهور في أكثر من تسمية. فيدرالية، تقسيم، ولانه مثقل بذاكرة الحرب ثمة من يسميه اليوم "اللامركزية الإدارية الموسعة".

عند كل أزمة لبنانية يكون الاستنتاج واحداً. عقم النظام وضرورة الذهاب إلى نظام جديد. فما هو شكل النظام الجديد؟ هذه هي الإشكالية المطروحة على بساط البحث، في كواليس السياسة في مختلف الطوائف.

المشهد الجديد
بالعودة إلى الفيدرالية، وفي تفكيك مواقف الطوائف منها. السنية السياسية تعارضها، والتي تجد في الطائف صيغة مثلى. فضلاً عن أن ديموغرافيا السنّة في لبنان لا تشجع الطائفة على الذهاب إلى الفيدرالية لتشتت أهل السنّة بين بيروت والبقاع والشمال. أما الشيعية السياسية، وان اعتبر البعض أنها من الجماعات التي تطبق الفيدرالية فعلاً لا قولاً عبر استقلالها في السلاح والمال والمؤسسات الاجتماعية والصحية، إلا أن الشيعية السياسية هي من أشد المعارضين للفيدرالية، لما لها من تأثير على طرق إمداد حزب الله وتوزّع بيئاته ومناطقه. والأهم حاجته إلى غطاء الطوائف الأخرى، و"المدى الحيوي" للبنان ككل.

لذا، كان الانقسام حول الفيدرالية هو بين المسيحيين والمسلمين، قبل أن تتغير المعادلة السياسية، وينتقل الانقسام إلى الساحة المسيحية نفسها. اليوم، يبدو المشهد جديداً. في الخطابات العلنية للأحزاب المسيحية التقليدية، يتركز النقاش حول خيار "اللامركزية الإدارية الموسعة"، إنما ضمن الصيغة اللبنانية التي حفظت للمسيحيين المناصفة، وتحت عنوان الشراكة في الحكم. لكن في الكواليس يتجه النقاش إلى أبعد من ذلك. إذ وجد اليمين المسيحي نفسه مقسوماً على ذاته هذه المرة. فهناك فريق ينظّر للفيدرالية ويدعو إليها وفريق آخر يعارضها. من هو الأول ومن هو الثاني؟ لنستعرض قليلاً النقاش الدائر الذي تتجاذبه الأفكار والمشاريع من دون أن يتحقق منها شيء.

ورش عمل
في الكلمة التي ألقاها رئيس التيار الوطني الحرّ، جبران باسيل، عنوان أساسي يتعلق بالنظام. فقد أعلن أن ورشة صوغ اللامركزية الإدارية بدأت. سرعان ما خرج صوت مسيحي معارض. فغرد الوزير السابق فارس سعيد على "تويتر" قائلاً إن لا تطوير ولا تعديل ولا تجاوز للطائف والدستور والنظام، في ظل سلاح حزب الله.

تفيد المعطيات المتراكمة أن هذا السجال ليس وليد اللحظة. بل هو يتبلور في ورش عمل جانبية في البيئة المسيحية، في لقاءات يجتمع فيها صحافيون ورجال أعمال ورجال كهنوت وفعاليات في ما يسمونه "المجتمع المسيحي". يناقشون الفيدرالية على أنها مشروع لبنان المقبل، بعيداً عن صيغة الحرب والتقسيم، وأقرب إلى نظام يشبه أنظمة عدد من الدول الناجحة. وفي الوقت الذي تنشط هذه المجموعات في البيئة المسيحية، هناك مجموعات أخرى تنشط ضد طروحات الفيدرالية.

في إطلالته الأخيرة، قال رئيس تيار المردة، سليمان فرنجية، إنه في كل مرة يحاول المسيحيون الذهاب إلى الفدرلة يكون ثمن ذلك هجرة مسيحية جماعية. فيما جبران باسيل بطرحه اللامركزية الإدارية الموسعة، يحاكي "هواجس" المسيحيين وتخوفهم من توسع حليفه حزب الله، وتشاؤمهم المستجد من مستقبل النظام في لبنان.

إدارة التعدد والتنوع
في المقابل يبدو النقاش الدائر حالياً بين القوى التي تتشابه في تحالفاتها في السياسة أكثر جاذبية. فهي التي صُنفت يوماً في خانة اليمين المسيحي، والمعارض الشديد لحزب الله، تتعارض اليوم فيما بينها، في مقاربتها للفيدرالية وفي تصوراتها لشكل النظام المقبل في لبنان.

فارس سعيد الذي يقف على النقيض من حزب الله، يرى المصلحة المسيحية في المحافظة على اتفاق الطائف. يستعرض انهيار المكونات الوجودية لحضور المسيحيين وقوتهم في لبنان، من القطاع المصرفي والجامعي والاستشفائي والتجاري، وصولاً إلى التحولات الكبرى الحاصلة في المنطقة عبر تفاهم الدول العربية مع اسرائيل، والنفوذ الإسلامي غير العربي في لبنان. يطرح سعيد التساؤلات حول مستقبل المسيحيين، وماهية الخيارات أمامهم قائلاً إن الفيدرالية ليست المشروع الأمثل. فالمسيحيون قرروا منذ أن كان لديهم فرصة استقلالهم عن المحيط أن يؤسسوا مع المسلمين للبنان الكبير. ويرى اليوم في الطائف صيغة أمثل لضمان وجودهم ضمن استمرارية صيغة الـ1943.

في المقابل يبدو حليفه في هذا اليمين المسيحي على النقيض منه. فالوزير السابق ملحم الرياشي، الذي يجلس على يمين رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، ينظّر للفيدرالية. فهو يعتبر أنها تُمارس اليوم أصلاً، ولو مقنّعة بالطائف وبـ"التوازنات الطائفية"، وما علينا سوى تنظيمها. وهذه الفيدرالية هي الطريقة المثلى لحماية التنوع اللبناني الغني، وإدارة التعددية فيه. وهي بالتالي مشروع اتحادي كما ألمانيا والولايات المتحدة والإمارات، ومعظم الدول الناجحة في العالم. لا يعني الرياشي في حديثه عن الفيدرالية التقسيم. يقول الرياشي إنها مشروع معطوف على حياد لبناني فاعل، سوف يكون المدخل الطبيعي والتلقائي إلى المواطنة والمساواة غير الكاذبة، والتوازن الطبيعي بين الجماعات المكونة للبنان. والأهم مدخلاً لعلمنة السلطة المركزية من رئيس الجمهورية إلى المواقع الأخرى.

موقف البطريركية
تراقب البطريركية المارونية هذا النقاش الدائر على "الساحة" المسيحية، متمسكة بتطبيق اتفاق الطائف، ومتمسكة بالصيغة اللبنانية الحالية. فبكركي تتخوف من الذهاب إلى نظام جديد، يدفع المسيحيون ثمنه. لا سيما مع الابتزاز الدائم الذي يتعرضون له في العدد والديموغرافيا. لا تقسيم ولا فيدرالية في قاموس بكركي. بل هي تفضّل تسميات أخف وطأة على المسيحيين، مع مطالبتها بتطبيق الطائف والمحافظة على الصيغة.

في خلفيات النقاش هذا، وخلف مواقع الفريقين المسيحيين قراءات أخرى. ثمة من يرى في مواقف فارس سعيد امتداداً للسنّية السياسية، على اعتباره ينتمي إليها في السياسة. وثمة من يرى في مواقف الرياشي محاكاة للمقاربة الأميركية المقبلة على المنطقة.
في المقابل، ثمة أيضاً من يرى أن النقاش الدائر حالياً، في الكواليس أو في العلن، هو تمهيد لصدام مسيحي إسلامي في البلاد، بدأت ملامحه بالظهور في جلسة اللجان النيابية المشتركة حول قانون الانتخاب. المسيحيون يتمسكون بالقانون الحالي والمسلمون يتوجهون إلى تغييره. وهنا بيت القصيد في المعركة المقبلة. وما طرح الفيدرالية سوى تمهيد لها، قبل العودة إلى ملاقاة الفريق الآخر في منتصف الطريق. أين سيكون منتصف الطريق وسط التغيرات الإقليمية والدولية؟ هل سيكون بشكل اللامركزية الإدارية أو بإعطاء الشيعية السياسية بعض مكاسب الحصة المسيحية في الإدارة اللبنانية؟ لننتظر ونر.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها