آخر تحديث:11:38(بيروت)
الجمعة 01/01/2021
share

الحمرا 2020: الزيارة الأخيرة للجمهورية الميتة

يوسف بزي | الجمعة 01/01/2021
شارك المقال :
الحمرا 2020: الزيارة الأخيرة للجمهورية الميتة سنة واحدة تقريباً كانت كافية ليتمكن الخراب من قلب المدينة ويميتها (عباس سلمان)

بين عيدي الميلاد ورأس السنة 1974-1975، كانت العادة أن يأخذنا أبي بسيارته كي "نتفرج" على شارع الحمرا ومنطقة الفنادق والزيتونة والروشة، صعوداً إلى الأشرفية.

وتلك الفرجة بالنسبة لي كطفل من الضواحي الشرقية للعاصمة، كانت أقرب إلى المشاهدة السينمائية والانسحار البصري والدهشة السياحية بمدينة تزهو بنفسها وتحتفل بأيامها.

سنتان فقط بعد ذلك (1975-1976)، كانتا كفيلتين بإحالة بيروت إلى مدينة منكوبة. ومنطقة الحمرا تحديداً التي غزتها الميليشيات والفوضى، وجحافل المهجّرين، راحت تنهار مؤسساتها ويهجرها تجارها وأجانبها وسكانها.. وصار كل من الهلهلة والانحطاط يهيمنان على أماكنها، كما على مرتاديها. ودلت بذلك على نحو نموذجي على حال البلاد في زمن الحروب والفقر وانحلال الدولة.

مع ذلك، بقي رصيد السحر القديم وإرث العاصمة وأثر المتشبثين بها من بقية مجتمع مديني.. فاعلاً ومؤثراً إلى منتصف الثمانينات، حين انقلبت "بيروت الغربية" إلى أسوأ مدينة بالعالم وأخطرها على الإطلاق. مدينة الفوضى المطلقة والموت اليومي. وكان احتضار الحمرا علامة على موت "الجمهورية الأولى".

بين 1990 و2008، حقق مشروع "الجمهورية الثانية" إعماراً واقتصاداً ونمط حياة يومية، ما يوحي بإعادة صنع مدينة تستأنف تلك السابقة لعام 1975. وظهر ذلك في الحمرا أكثر بكثير من وسط بيروت (أو ما سمي مشروع "سوليدير")، لما لها من قدرة تكثيفية على حضور المجتمع المديني، وتياراته السياسية والثقافية والطلابية والحيوية التجارية والمالية، وسطوة المؤسسات الإعلامية المتمركزة فيها ودور النشر وصالات الفن والمسارح والغاليريات والجامعتين الأميركيتين ومرافقها السياحية وفضائها الحر من الهويات.. إلى يوم 7 أيار 2008، الشبيه إلى حد كابوسي بمصاب منتصف السبعينات وغزو الميليشيات والرعاع.

بين عيدي الميلاد ورأس السنة 2008- 2009، كانت "الفرجة" في الحمرا انتباهاً لخفوت الأضواء وحلول الكآبة وتبدد السحر. كان "الإرهاب" الخفي لسطوة السلاح يهيمن على الفضاء والوجوه.

منذ السابع من أيار بدأ الانطفاء البطيء والمؤلم للعاصمة وللحمرا على وجه الخصوص، التي بدأ هجرانها ("الثقافي" أولاً) نحو شرق المدينة أو خارج البلاد كلياً.

كان ذلك إيذاناً ببداية زمن لزج ومريض. احتضار مديد لروح المدينة وجسم البلد العليل. كان أصحاب "اليوم المجيد" والانتصارات الإلهية يتسيدون على لبنان، وأشباههم يحرقون المشرق العربي كله. وراح محترفو السياسة والسلطة والنفوذ ينضوون في هذا العهد وزمنه، انضواء المنتفعين الانتهازيين منعدمي الذمة، يقتاتون فوضاه وفساده وغنائمه بشراهة.. حتى العظم، حتى أواخر عام 2019.

بين عيدي الميلاد ورأس السنة، 2020، وبعد غياب أكثر من عام، رحت إلى هناك.. حيث قضيت أغلب حياتي: الحمرا - راس بيروت. ومجدداً، وعلى مثال 1976 أو 1984، سنة واحدة تقريباً كانت كافية ليتمكن الخراب من قلب المدينة ويميتها.

هذه المرة بلا رصاص ولا صواريخ.. بل ذروة الإشعاع الفتاك والضربة الأخيرة لعهد 7 أيار المديد والعنيد والشرس، الأشبه بالتعذيب الممنهج لاغتيال "الجمهورية الثانية". عهد لا يمكن إلا أن يتوّجهُ انفجار 4 آب. 

في الحمرا، وأكثر من أي مكان بلبنان، تفرجت على وأيقنت من النهاية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني