آخر تحديث:14:24(بيروت)
الإثنين 07/09/2020
share

مصطفى أديب: المسيرة الخاوية والوجه الصبوح

محمد أبي سمرا | الإثنين 07/09/2020
شارك المقال :
مصطفى أديب: المسيرة الخاوية والوجه الصبوح حين يضطر للكلام، يتكلم كلاماً لا يقول شيئاً سوى رضى مستمعيه (علي علّوش)
وكان أن جمعنا من بعض عارفي الدكتور مصطفى أديب - المكلف حالياً تأليف الحكومة اللبنانية ورئاستها لإدارة خراب لبنان - أخباراً قليلة ومتناثرة عن حياته العائلية الطرابلسية، وعن مساره التعليمي والمهني أو العملي. وفي أخبارهم القليلة عنه، أجمع عارفوه على صفاته التالية: شاب متعلم، شديد التهذيب واللياقة والكياسة. دمث، مساير، ديبلوماسي، لطيف المعشر، "لذيذ"، خدوم. لا يكسف أحداً ولا يرد طلباً لأحد. ولا علاقة له بعالم السياسة والسياسيين، ولا بالرأي السياسي والخيارات السياسية والشؤون العامة. لا بالأيديولوجيات ولا بالأحزاب. وهو ظل على هذه الحال بعد عودته من فرنسا إلى مدينته ومسقطه طرابلس، حاملاً شهادة دكتوراه في العلوم السياسية، ليعمل محاضراً في الفرع الطرابلسي للجامعة اللبنانية، وفي المدرسة الحربية في الفياضية.

في حاشية "السياسي الملياري"
لكنه في طرابلس انضم إلى بطانة وحاشية سياسي طرابلسي، لم يطرق باب السياسة إلا من طريق ما يسمى الزبائنية والمحسوبية: الإعالة والإعاشة والرعاية وتقديم الخدمات للمعوزين وطالبي الوظائف في الإدارات الحكومية العامة والخاصة في مدينته، وجمعَهُ حوله بعضاً من أبناء عائلاتها المتعلمين وحملة شهادات الدكتوراه، لكسب ولائهم وولاء عائلاتهم. وهو لم تغوه السياسة والعمل السياسي، ليذهب إليهما من هذا لباب المشرع على مصراعيه في لبنان – إذا صحت تسميتة الغواية والمذهب هذين عملاً سياسياً - إلا لأنه جمع مع أخيه ثروة كبرى جعلتهما من ما يسمون في طرابلس "جماعة المليار".

أما عمل الدكتور مصطفى أديب في حاشية "السياسي الملياري" الطرابلسي هذا، فاقتصر على شؤون إدارية وتنظيمية في تسيير وتيسير الخدمات والإعالات والإعاشات والرعايات التي يمنحها ذاك السياسي لأبناء المدينة، ليصيروا من محاسيبه وأتباعه ومواليه، ويصير هو زعيماً خدماتياً فيها، فيمنحونه أصواتهم في الانتخابات النيابية. وهذه الأعمال وحدها - أي الثروة وما توفره من كسب الرعايا والأتباع والمحاسيب، إلى جانب خدماته لآل الأسد في سوريا ومشاركته حاشيتهم الاقتصادية في نهبها من باب قطاع الاتصالات المحدث والجديد في تسعينات القرن العشرين - كانت مطله على عالم السياسة والزعامة في طرابلس، ووصوله إلى النيابة عنها في البرلمان اللبناني، ثم إلى رئاسة الحكومة.

فقد شاءت أقدار لبنان التعيسة أن يصل ذاك السياسي والنائب الطرابلسي إلى رئاسة الحكومة مرتين: في العام 2005، وفي العام 2011. فاختار منظم خدماته في طرابلس، أي الدكتور مصطفى أديب، لإدارة مكتبه في السرايا الحكومية ببيروت. ومن ذلك المكتب عرف أديب أهل السياسة في لبنان وعرفوه.

بتلك الصفات الشخصية، وبهذه المحطات في حاشية "السياسي الملياري" الطرابلسي، تكتمل صورة مسيرة الدكتور مصطفى أديب العامة، قبل أن يكافئه السياسي إياه مرتين: عينه سفيراً للبنان في ألمانيا، ثم اختاره أخيراً رئيساً مكلفاً تأليف الحكومة، خلفاً لحكومة حسان دياب المستقيلة.

ومسار حياة الدكتور أديب الأملس هذا، الخاوي والخالي من النتوء، هو ما تشي به الأخبار القليلة عنه، والمنقولة عمن توفر لنا محادثتهم من عارفيه. فلم يرو أحد منهم خبراً واحداً لافتاً عنه، مداره حادثة أو تجربةٍ أو منعطف أو خيارٍ ما، يثير أي منها الانتباه، يستوقف ويبعثُ على الحيرة التساؤل والاستفسار والمراجعة.

ومن هذه حاله ودأبه في مسيرة حياته الممهدة سلفاً، الملساء الخاوية، والخالية من النتوء والمنعطفات والفعل والفاعلية الشخصيين، إلا على نحوٍ وظائفي وتقني خالصين - خلوها من الاختيار والتجربة والخيارات والمثالات الباعثة على التقلّب والقلق والاضطراب في خضم الحياة المتلاطم – يصعب العثور على بؤرة أو نواة أو مثال أو معنى أو فكرة ما، يمكن الانطلاق منها لبناء سيرة ما له، تتمحور عليها حياته، فتتوسع وتتموج وتتأرجح، لتنطوي على معطىً درامي ما، يثير التفكير ويبعث فيها الحياة، ويجعلها قابلة للرواية.  

صعوبة الرواية والتاريخ
لكن الحق أن مثل هذا المطلب – أي صيرورة حياة الناس، جماعاتٍ وأفراداً، سيرة درامية تُروى أو روائية في تحولاتها العائلية والاجتماعية والشخصية في حالة الأفراد، وعملاً تأريخياً في حالة الجماعات والمجتمعات - ليس أمراً متوفراً، سهلاً وبديهياً، في اجتماعنا وثقافتنا اللبنانيين والعربيين. بل هو أمر على خلاف ذلك وعكسه: استثنائي ونادر وصعب، على صعيد استقبال الناس والأشخاص حيواتهم، فهمها والتفكر فيها والنظر إليها، للعثور على معنىً ما لها ومثالٍ يتعالى عليها، ويجعلانها مدار سؤال واستنطاق ومراجعة، وقابلة للرواية. وهذا كله لا يزال ضعيفاً أيضاً على صعيد الفنون الأدبية والكتابية، التصويرية أو البصرية السينمائية، في ثقافتنا اللبنانية والعربية.

وقد تكون علّة ذلك كله أن حيوات الناس والجماعات ومساراتها وصيروراتها في مجتمعاتنا، إنما تُعاش شبه صامتةٍ وخرساء، ومرسومة سلفاً، أو تسير خبط عشواء، ممزقة وبلا مثالات فاعلة فيها وتجعلها قابلة للبناء والتركيب الدرامي. لذا تظل شبه قدريّة، بلا خيارات ولا مصائر، أي ما دون الرواية. وهذا ما ينطبق أيضاً على حياة الجماعات والمجتمعات، مساراتها وتحولاتها وصيروراتها، شبه الصامتة والتي يجعلها صمتها وعزوفها عن التأريخ لنفسها ما دون التأريخ.

فلتصير حياة الناس، جماعاتٍ ومجتمعات وأفراداً، مادة للرواية والتاريخ، تحتاج إلى ما عجزت عنه المجتمعات العربية، ولا تزال تتخبط في محاولات إنجازه المحبطة منذ قرنين: الانتقال إلى التنوير والعقلانية والفردية والحداثة والدولة التي أنجزتها الحضارة الغربية.

إدارة "عزم السياسي الملياري"
لذا لم نعثر في القليل من ما جمعناه من أخبار عن مسيرة حياة الدكتور مصطفى أديب، على ما يمكن جعلها سيرة تُروى أو روائية. وقلة ما تمكنا من جمعه وعاديته سببهما أن حياته ممهدة ملساء، مرسومة سلفاً، خاوية وصامتة، ولا تُروى حوادثها الضئيلة إلا نحو خيطي وتقليدي لا نتوء فيه: من البيت العائلي الطرابلسي، إلى المدرسة فالجامعة اللبنانية، فشهادة دكتوراه في العلوم السياسية من فرنسا. فعودة إلى مدينته ومسقطه طرابلس، وتدريس في فرع الجامعة اللبنانية الطرابلسي. ثم انضمام الدكتور الشاب إلى بطانة أو حاشية "السياسي الملياري"، الناسج في طرابلس على مثال رفيق الحريري في بيروت وصيدا. وعلى مثال تيار الحريري "المستقبل"، أنشأ الثري الطرابلسي تياراً كاريكاتورياً طرابلسياً سماه "تيار العزم" الذي لا يتردد اسمه إلا قليلاً في طرابلس، وندر أن تردد وشاع خارجها.

وانتخب "رجل المليار" السياسي ذاك، الدكتور الشاب مصطفى أديب واختاره لإدارة شؤون وخدمات وإعالات وإعاشات "تيار عزمه" وتنظيمها. وفي غفلةٍ من الزمن السياسي اللبناني المضطرب والدرامي بعد اغتيال رفيق الحريري، ضحك الزمان للنائب والثري الطرابلسي، فرست عليه قرعة اختياره رئيساً للحكومة. وذلك لأنه بلا لون ولا طعم ولا رائحة، سوى خدماته التي أداها مع أخيه لنظام حافظ وبشار الأسد في سوريا ولبنان. وهذه هي المواصفات التي كان مطلوباً توافرها في رئيس الحكومة اللبنانية في تلك اللحظة الحرجة، عقب جلاء جيش الأسد ومخابراته عن لبنان في العام 2005.

وهكذا ضحك الزمان لمنظم "تيار عزم" من صار رئيس حكومة، اختار المنظم الدكتور مصطفى أديب ونقله لينظم شؤون مكتبه في السرايا الحكومية ببيروت ويديرها. لكن الإقامة تلك في السرايا البيروتية كانت سريعةً خاطفة للرئيس العابر ومدير مكتبه، في انتظار فرصة أخرى تمكنهما من العودة إليها، بعد انضمام رئيس حكومة القرعة والصدفة والخدمات الأسدية، إلى نادي رؤساء الحكومة.

سياسة الفراغ والرعب
وراح الزمن السياسي اللبناني ينقلب بالتهديد والوعيد، بالتفجيرات والقتل والاغتيالات المتنقلة والمتلاحقة، نسجاً على منوال اغتيال رفيق الحريري، الذي ترك اغتياله فراغاً سياسياً كبيراً في لبنان ما بعد نظام الأسد فيه. وكان مستحيلاً في تلك الحقبة اللبنانية المضطربة والمحتقنة والدامية، أن يملأ ذلك الفراغ ورثة رفيق الحريري المعرضين وسواهم من الخارجين على طاعة نظام الأسد وسلطانه والمناوئين لوديعته الإيرانية في لبنان – للتهديد والترويع والاغتيال بعد العام 2005.

لذا تمكنت الوديعة الأمنية والعسكرية الإيرانية من تحطيم الإرث السياسي اللبناني لرفيق الحريري، وانتقلت في العام 2011 إلى سوريا وأعملت القتل والتدمير والاقتلاع والتشريد بشعبها الثائر على ديكتاتورية الأسدية.

ووسط هذين التحطيم والترويع في لبنان، والقتل والتدمير والتشريد في سوريا، ضحك الزمن مرة ثانية لـ"رجل المليار" الطرابلسي الذي عبر إلى السياسة وسراياها الحكومية من باب الفراغ والرعب السياسيين في لبنان، فاختاره المنتصرون على الإرث الحريري رئيساً للحكومة في العام 2011. وكان من البديهي أن يأتي بمهندس "تيار عزمه" الطرابلسي، مصطفى أديب، إلى مكتبه في السرايا الحكومية، ليدير شؤونه الداخلية وينظمها وفقاً لسياسة الفراغ و"النأي بالنفس"، أي التكاذب اللا لون واللا رائحة المطلوبة في لبنان، بعدما أنهكته وأرهقته المنظمة العسكرية الإيرانية، وصارت لها اليد الطولى في اختيار أهل السياسة والمناصب والحكم فيه. وفي هذا المناخ وولاءاته تعرّف مصطفى أديب من مكتبه في السرايا الحكومية على أهل السياسة والسلطان في لبنان، وجعل دماثته وتهذيبه ولياقته وكياسته – أي غربته عن السياسة وعالمها ورجالها – في خدمة من يماثله في لا سياسيته وشعار "النأي بالنفس" عن السياسة في السرايا الحكومية.

سياسة المكافآت اللبنانية
ولما أنهى الرجلان مهمتهما المطلوبة في تلك السرايا التي صارت شبه خاوية جراء الفراغ الذي خلفه فيها اغتيال الحريري، كان لابد أن يكافئ صاحب "سياسة المليار" مدير مكتبه الدمث والمطواع، مصطفى أديب، فعيّنه سفيراً في ألمانيا. و"سياسة المكافآت" هذه شديدة التجذر في العادات والتقاليد اللبنانية السياسية والإدارية، وقد تكون وحدها خبز السياسة اللبنانية وملحها ومعدنها.

واستكمل لبنان مسار انحطاطه وانقضاض رئيس الخديعة المسيحية وجنرالها وصهره على حطام إرث الحريرية، وفي خدمة المنظمة العسكرية الإيرانية المتعملقة. وغرق لبنان في الإفلاس المالي والاقتصادي جراء تناهب طغمته السياسية والمالية والمصرفية المافياوية وتقاسمها ماليته العامة ومناصبه الحكومية والإدارية. ثم استمرت سياسة المكافآت الراسية على الرغم من الإفلاس، فكوفئ الدكتور حسان دياب، الوزير اللا سياسي في حكومة "رجل المليار" الطرابلسي و"النأي بالنفس" عن السياسة، بتعيينه رئيس حكومة مستشارين لا سياسيين من أمثاله، فأبلى بلاءً حسناً في طاعته صهر رئيس الخديعة المسيحية شبه المتقاعد في القصر الجمهوري، وطاعة المنظمة العسكرية الإيرانية المتسلطة على لبنان.

وفي غمرة هذا التسلط وذاك الإفلاس المالي والسياسي، وقعت كارثة انفجار مرفأ بيروت. وكان لابد من تغيير وجوه أصحاب المعالي الموظفين الحكوميين تحت أمرة صهر الرئيس المتقاعد وعامله أو نائبه ووريثه الموعود، وأمرة المنظمة الإيرانية. وهكذا ضحك الزمن مرة ثالثة لصاحب "النأي بالنفس" عن السياسة وسفيره المخلص في ألمانيا، فاستُدعِي السفير على عجل من سفارته، وكوفئ بتعيينه رئيساً جديداً لحكومة موظفين إداريين لشؤون السرايا الحكومية الخاوية من السياسة، التي صارت من اختصاص المنظمة العسكرية الإيرانية السرية وحدها.

مصطفى وعائلة أديب الطرابلسية
هذا المسار اللا سياسي لرئيس الحكومة المكلف، والذي حظي بمكافآت متلاحقة لخلو حياته ومسارها من السياسة، هو نظير حياته الملساء منذ ولادته سنة 1972 في طرابلس. فهو توأم أخيه وسيم، المحامي ووكيل المراجعات القانونية الخاصة بالأراضي والممتلكات والعقارات الطرابلسية وغير الطرابلسية لـ"رجل المليار" الطرابلسي، والذي تجمع بين عائلته وعائلة أديب مصاهرات وزيجات قديمة متداخلة في طرابلس.

وللأخوين التوأمين أخ وأخت توأمين أيضاً. ووالد مصطفى أديب، سالم أديب، هو ابن وحيد للحاج ديب أديب (أبو سالم)، الثري الطرابلسي والمعمر مديداً، والمتوفي قبل سنوات عن عمر ناهز 104 سنوات، استغرقت القرن العشرين كله وفاضت عنه قليلاً. وكان الحاج أبو سالم أديب يملك قصراً منيفاً من قصور طرابلس، مرصعاً سقفه العالي بماء الذهب.

وورث سالم أديب هذا القصر عن والده، وحظي بوظيفة إدارية في الإنعاش الاجتماعي الذي أسسه العهد الرئاسي الشهابي مطلع الستينات، على الأرجح، وتزوج امرأة من آل الرافعي، والدتها من آل الميقاتي. وفي قصر جده لأبيه تربى مصطفى أديب ونشأ. والشائع في طرابلس أن آل أديب من التجار والمتعلمين وأصحاب المهن الحرة، وغير معروف أن في عائلتهم مشايخ ورجال دين، على خلاف معظم العائلات الطرابلسية التقليدية. وفي الثلاثينات من القرن العشرين كان رشاد أديب نائباً عن طرابلس في البرلمان اللبناني. ولما ضم "السياسي الملياري" الطرابلسي مصطفى أديب إلى حاشيته من حملة الدكتوراه، وصار مدير مكتبه في السرايا الحكومية، راح يتعرف على أبناء عائلته الكبيرة الواسعة. وهو أثناء دراسته الدكتوراه في فرنسا تزوج امرأة فرنسية والدها موظف في قصر الإليزيه، فأنجبا أبناءً خمسة.

ويقول عارفو الدكتور أديب أنه كان يحضر ندوات عامة في طرابلس من باب اللياقات الاجتماعية، وباب وظيفته في حاشية "السياسي الملياري"، فلا يهتم بما يدور فيها من مناقشات، ولا يتدخل في إبداء وجهة نظر بما حملته اللياقات على سماعه. أما حين ترغمه أدواره على اعتلاء منبر ما للكلام – على غرار ما فعل في السفارة اللبنانية بألمانيا في ذكرى "اختفاء" الإمام موسى الصدر، مثلاً – فإنه يتكلم كي "يملأ الهواء والوقت" بكلمات لا تخصه ولا تعني له شيئاً، سوى نيل رضى مستمعيه الحاضرين. وهذه مهنة تفشت وعمت بين أهل السياسة والحكم في لبنان.

وحسب إحدى الروايات الشائعة بين العائلات الطرابلسية في مديح أصلها وفصلها، يقول أبناء هذه العائلة لأبناء تلك: "نحن أبناء السطل والرطل والمقام الرفيع". والأرجح أن هذا القول وأمثاله، ينطوي على حنين طرابلسي مقيم إلى الزمن العثماني، وربما إلى الزمن المملوكي.

جيل الحرب والخواء
تبقى خاتمة أخيرة لهذه المقتطفات من مسيرة مصطفى أديب، وصولاً إلى السرايا الحكومية. فقد تكون هذه المسيرة السلسة الملساء، الخالية من النتوء والمنعطفات الدرامية، وغياب الشخص (إذا وُجد) خلفها أو ذوبانه فيها، من ميزات ومواصفات جيل من أبناء أسر وعائلات مدينته، ولد في عشيات الحرب (1975) وفي خضمها. فانكفأ أبناء ذلك الجيل على حياتهم الأسرية والعائلية، تعلموا وحصلوا شهادات عليا، وحظوا بوظائف ومهن مختلفة. لكن سني فتواتهم وشبابهم خلت وخوت من تجارب شخصية وعامة مفتوحة على الاختلاط  والتجريب، والخروج أو الابتعاد مسافة ما من الأطر والفضاءات العائلية والمحلية التي أغلقتها عليهم الحرب وسجنتهم فيها طوال سنواتها المديدة.

وهذا على خلاف الجيل الذي سبقهم، وعاش فتوته وشبابه في ستينات القرن العشرين والنصف الأول من سبعيناته، فانخرط أبناؤه في تجارب وأهواء حياتية وثقافية وسياسية وعقائدية، ملأت حيواتهم وأوقاتهم، وعرّفتهم على أنفسهم وذواتهم، وعلى العالم والمجتمع والأفكار والطوبويات والفنون، فأنشأوا علاقات متفتحة وسائلة ومليئة بالأهواء المتضاربة والمتلاطمة في خضم تلك التجارب الرجراجة، التي جعلت حيواتهم مفتوحة على احتمال السِّير والروايات، المركبة والدرامية.

أما جيل أبناء العائلات المولودين في عشايا الحرب مباشرة أو في خضمها، فقد حرمتهم الحرب إياها من تلك التجارب كلها، ومن اختبار أنفسهم اختبارات شخصية وفردية في معظم مناحي الحياة ودوائرها، وأغلقت عالمهم في دوائر وفضاءات ضيقة متجانسة تخلو من الاختلاط والتجريب.

وهذه حال رئيس الحكومة المكلف الدكتور مصطفى أديب في عائلته ومدينته وجامعته اللبنانية والفرنسية، وفي مكتب "سياسي المليار" في السرايا الحكومية. وحالة هذه، بمسيرته الممهدة الملساء، وبإطلالته بوجهه المشرق الصبوح، المسالم وشبه الطفلي، هي التي زوّدته بكلماته الإنشائية المنفصلة عنه، وغير الشخصية أو الذاتية، ليملأ بها الهواء والوقت حين يُطلب منه الوقوف على منصة ليتكلم كلاماً لا يقول شيئاً سوى رضى مستمعيه وحظوتهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها