آخر تحديث:16:56(بيروت)
الإثنين 07/09/2020
share

إسماعيل هنية: من مرج الزهور إلى حقل الألغام اللبناني

أحمد الحاج علي | الإثنين 07/09/2020
شارك المقال :
إسماعيل هنية: من مرج الزهور إلى حقل الألغام اللبناني اسماعيل هنية حين كان مبعداً إلى مرج الزهور عام 1992 (المدن)
قبل 27 عاماً جاء لبنان مبعداً، واليوم يأتيه رئيساً للمكتب السياسي لحركة "حماس". فارِق بين زمنين. يوم أتى إسماعيل هنية لبنان في المرة الأولى مع 415 من قادة حركته والجهاد الإسلامي، لم يكونوا يعرفون عن هذا البلد غير تاريخ ثورتهم فيه، وبعض كتيبات لفتحي يكن، تدارسوها طلاباً بحركة إسلامية وليدة. حينذاك وقع زمن التحوّل، في أرض صخرية، وخيام، ببلدة مرج الزهور على أطراف حاصبيا الجنوبية. وهناك من يقول إن اليوم قد يكون زمن التحوّل الثاني، وللمفارقة فإن هنية يُطل على هذا التحول من لبنان أيضاً.

خيمة ابن تيمية و"تابو" الأسد
من الأرض شبه المعزولة بمرج الزهور شاهدوا العالم السياسي ربّما لأول مرة. كان عليهم أن يتعاملوا مع المنظمات والمؤسسات الدولية، وبلغة تستطيع فهمها. ميثاقهم الغاضب والناقم على المجتمع الدولي، لم يثقل حركتهم كثيراً حين قرروا تبني القرار 799 الداعي لعودتهم، ورسموه بأجسادهم. قد تكون المرة الأولى التي تتبنى حركة إسلامية فلسطينية قراراً دولياً، فحتى القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين بقي موقف الحركات الإسلامية الفلسطينية منه ملتبساً بقدر التباسه.  

هناك سيكون اللقاء الأول بين قياديي الصف الأول في "حماس" وحزب الله داخل خيمة جامعة ابن تيمية، وتنشأ علاقة ستتطوّر بسرعة، ولن تهزّها، لفترة طويلة، سوى الثورة السورية و"الربيع العربي". في ذلك الزمن، زمن الإبعاد، كان حافظ الأسد يكسر الـ"تابو" بالسماح بلقاء ممثلين عن حكمه بقادة "حماس"، التي كان ميثاقها الأول ينص في مادته الثانية على أنها "جناح من أجنحة الإخوان المسلمين". الظروف السياسية المستجدة حينها كانت أقوى من قانون 49 الذي ينص على إعدام كل منتسب للإخوان.

فالمفاوضات مع "إسرائيل" تصدّعت من كثرة الدوران في حلقة مفرغة: هل يشرب السوريون من بحيرة طبريا، أم يصطادون السمك بصنارة، أم يُحرمون تماماً الاقتراب منها؟ المفاوضات التي كانت سبباً إضافياً لتفجير العلاقة بين عرفات والأسد يوم طُرح مؤتمر جنيف بالسبعينيات، حين رفض الأسد وجود تمثيل للفلسطينيين، عادت وفجرت الخلاف بين الرجلين بعد مدريد. بلدة مرج الزهور كانت نقطة تلاقٍ بين سوريا و"حماس"، حيث يقيم إسماعيل هنية ورفيقه عبد العزيز الرنتيسي وأبرز قادة "حماس".

شعار غسان كنفاني
لم يبق هنية والرنتيسي طوال الوقت داخل خيامهم، بل كانا يتوجهان في بعض الليالي إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان. يمكثان فيها أياماً. يستطلعان، ويخططان لانطلاق "حماس" في لبنان. وقعت أوسلو. ارتبك المبعدون في مرج الزهور. كانت الليالي أقسى من أن يستطيعوا النوم، كما يعبّر أحدهم. اللقاءات تواصلت مع قيادة "حماس" في الخارج. كان القرار "إسقاط أوسلو من دون أن يؤدي ذلك لحرب أهلية".

بعد 27 عاماً من شهادته زمن التحوّل الأوّل، ها هو، إسماعيل هنية، يعود إلى لبنان في زمن التحوّل الثاني. زمن تجاوز الاتفاقات مع "إسرائيل" إلى تحالف بعض العرب معها. جاء إلى لبنان المنقسم، حدّ ملامسة حدود الطلاق، لترميم العلاقات الفصائلية. فلكل خطوة حساباتها، ولكل همسة تأويلاتها.

وإذا كان مشروع الضم أعلن وفاة جثّة المفاوضات، بعد تأجيل ذلك الإعلان لسنوات، فإن الظروف السياسية تقيّد عمل المقاومة في غزة والضفة. لذلك جاء اجتماع الأمناء العامّين للفصائل الفلسطينية ليعلن "المقاومة الشعبية"، من دون أن يطلقها، ما يشبه استعادة شعار غسان كنفاني "فوق الصفر وتحت التوريط".

زيارة هنيّة مشبّعة بالرموز. يزور مقبرة شهداء فلسطين، فيناديه شاب من بين الجمهور "أبو العبد إنت أبونا"، يبكي هنية. يستعيد تلك الواقعة في لقاءاته الشعبية، ويذرف دموع العارف بمغزى صرخة الشاب. إنه اليُتم السياسي الذي أصاب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وكان حصيلة محطات ثلاث: خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، اتفاق أوسلو وتراجع دور المنظمة لصالح السلطة الفلسطينية، والمحطة الثالثة رحيل ياسر عرفات عام 2004.

اللاجئ والسجين
إدراكه، و"حماس"، لتغلغل الشعور باليتم السياسي في نفوس اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لن يدفعهما، على الأرجح، لادّعاء أبوّتهم، لمعرفتهم بمخاطر ذلك على العلاقات البينية بين الفصائل، وتحديداً العلاقة مع "فتح". وكان ذلك واضحاً من تأكيد هنية أن لا مشروع وطنياً من دون "فتح"، وتشديده أكثر من مرة على دورها المقاوم "نصف عدد أسرى السجون الإسرائيلية من فتح"، التي بادلته التحية بمشاركة قواعدها في استقباله بمخيم عين الحلوة.

خرج الناس في مخيم عين الحلوة لاستقبال هنية بحماسة لها ما يبررها. يرونه يشبههم، ويشبه تاريخهم. هو اللاجئ من عسقلان، السجين لدى الاحتلال، الرجل الذي حاولت "إسرائيل" اغتياله، والأهم أنه مثلهم يسكن مخيماً، مخيم الشاطئ. حتى اللقب الذي ناداه به البعض بالبداية "دولة الرئيس" باعتباره رئيس حكومة سابق، لم يأخذه الجمهور الفلسطيني على محمل الجد، وبقي يناديه "أبو العبد".

زغاريد النساء في استقباله ليست عورة، والموسيقى الصاخبة لم تكن بدعة. ليس ذلك تفصيلاً. حركة تضع الوطنية قبل الأيديولوجيا. وهذا أحد مفاتيح توسعها الشعبي، وقد سبقتها "فتح" في تلك الممارسة، وذلك سبب من أسباب سيطرة الفصيلين على حوالى 90 بالمائة من أصوات الناخبين الفلسطينيين حين تسنح انتخابات نقابية أو جامعية أو عامة.

السلاح والغضب
كان استقبال هنية بهذه الحرارة بالنظر إليه كأحد ممثلي الكفاح المسلّح، الذي لا يشفى من أثره الفلسطيني، مهما علا صخب النقاش بين عقله وقلبه. الكفاح الذي لعب دوراً في صوغ هويته الوطنية، وصنع جزءاً من كبريائه. حتى "فتح" دخلت أوسلو وبقيت عينها على البندقية، وبياناتها تحكي الكفاح المسلّح، وتُذيّل بعبارة "وإنها لثورة حتى النصر". صار يصعب في ظروف كثيرة نقد وسيلة كفاحية وليس فقط أصل الكفاح، إصرار على الأمل، وإن عطّل النقد الضروري في مراحل كثيرة.

هذا بالعموم، فكيف بمخيم عين الحلوة الذي شهد المعركة الأكثر ضراوة في الاجتياح الإسرائيلي عام 82. وصمد حوالي أسبوعين، حتى يمكن القول إنه قد دُمّر. أيام كانت ضرورية لكسب الوقت من قبل ياسر عرفات وخليل الوزير وسعد صايل والحركة الوطنية اللبنانية للتخطيط لخطة الدفاع عن بيروت. صمود كان كافياً أيضاً لإطلاق الإسرائيليين لقب "مسادا" الفلسطينيين على المخيم. تلك القلعة الأسطورة التي يتباها اليهود بصمودها.

الحفاوة الشعبية لا تلغي الحديث السياسي. تكرر كلام هنية عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومطالبته برفع الحرمان عنهم. والسؤال هو أنه في حال إصرار هنية على المضي في هذه القضية، إلى أي مدى يمكن أن يؤدّي ذلك إلى توتير علاقة "حماس" ببعض القوى اللبنانية المعارضة لإقرار الحقوق الإنسانية للفلسطينيين؟ ومن جانب آخر فإن اندفاعة هنية لعقد مزيد من اللقاءات الشعبية، وعلى الرغم من أن كثيرين يرون ضرورتها النفسية، فإنه تلزمها مواكبة فصائلية حتى لا يشعر أي فصيل بأن هذه اللقاءات تشكل تهديداً لحضوره السياسي.

ومن الذين يرون ضرورتها أيضاً، يحاجّون بأن هذه اللقاءات يمكن أن تصوّب الغضب الشعبي الفلسطيني من الوضع الاجتماعي القائم، فلا يذهب اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بخيارات انتحارية تعبيراً عن اليأس. لكن معظم السياسيين الفلسطينيين يرون أن الانقسام اللبناني، وبروز عدة محاور في لبنان، تتطلب مزيداً من الحذر السياسي من جانب هنية والوفد المرافق، وكذلك تنوّع في الاجتماعات واللقاءات بما يشمل معظم الأطراف، حتى لا تَخضع تحرّكاته وتصاريحه لتأويلات قد تضرّ بحركة "حماس" والفلسطينيين في لبنان، في ظل أجواء وتوترات لبنانية داخلية غير خافية.     


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها