آخر تحديث:21:54(بيروت)
الجمعة 04/09/2020
share

عودة إلى "إلْغاءِ الطائفيّةِ السياسيّة"

أحمد بيضون | الجمعة 04/09/2020
شارك المقال :
عودة إلى "إلْغاءِ الطائفيّةِ السياسيّة" الانتماءُ إلى الوطنِ هو انتماءٌ إلى جماعةٍ تاريخيّةٍ سياسيّةٍ بالدرجةِ الأولى (مصطفى جمال الدين)
حينَ يُفْتَحُ حديثُ الطائفيّةِ، في صورَتِها اللبنانيّةِ، يَنْدُرُ أنْ يُفْلِحَ المتَداوِلونَ في تَجَنُّبِ مَحَطٍّ للكَلامِ يَبْرُزُ في صورةِ القَدَرِ المقدَّر: وذاكَ أنّ اللبنانيَّ "يَجْعَلُ طائفتَهُ فوقَ وطَنِهِ" وأنَّ هذه هي العِلّةُ التاريخيّةُ المستوطِنةُ في أساسِ بنيانِنا الوطنيّ.

هذا التَعْليلُ الذي لا تُحْصى مِرارُ تكرارِهِ يعْرِضُ نَفْسَهُ على أنّ مَصْدَرَهُ الملاحظةُ التلقائيّةُ وأنّ حقيقتَهُ لا يُجادَلُ فيها.
ما أراهُ أنّ هذه التلقائيّةَ المَزْعومةَ حاجبةٌ للملاحَظةِ الفعليّةِ وللتفكيرِ وأنّ الأخْذَ بها مَجْلَبةٌ لضَرَرٍ جَسيم.
فالحقُّ أنّ النَظَرَ في العلاقةِ بين الانتماءينِ الوطنيِّ والطائفيّ لا يَصِحُّ أن يَكونَ منطَلَقُهُ منطَلَقَ مُفاضَلةٍ أيْ مُنْطَلَقَ مُقايَسةٍ لـ"قيمةِ" هذا بقيمةِ ذاك. وإنّما يجب الانطلاقُ من التفارُقِ في المضمونِ والحَقْلِ والاختِصاص (وليسَ في القيمةِ والمَكانةِ والرُتْبةِ) ما بين هذا الانتماء وذاك.
فالانتماءُ إلى الوطنِ هو انتماءٌ إلى جماعةٍ تاريخيّةٍ سياسيّةٍ بالدرجةِ الأولى هي جماعةُ المواطنين ودَوْلَتُها. ومن هذا الانتماءِ الجامِعِ يُفْتَرَضُ أن تتوزّعَ انتماءاتٌ مجانِسةٌ له هي الانتماءاتُ إلى هذه أو تلك من الهيئاتِ التي تتَوَزَّعُ المُجْتَمَعَ السِياسيّ.
هذا فيما الانتِماءُ إلى الطائفةِ انتماءٌ إلى جماعةٍ تاريخيّةٍ مُعْتَقَدِيّةٍ منتظِمةٍ في تَقاليدَ وأعْرافٍ وتتَبايَنُ درجاتُ الإلزامِ بإملاءاتها بتبايُنِ الأوساطِ والحُقولِ والموضوعات.

وأمّا ما يَنْشَأُ عنه التنازُعُ بين هذين النوعينِ من الانتِماءِ فهُو اتّخاذُ الطوائفِ وَحَداتٍ سياسيّةٍ بِما هُوَ مُنْشئٌ لوَضْعٍ لا ريب في كونِه مؤسّساً على تاريخٍ مَديدٍ، من جهةٍ، وعلى البنيةِ المعتَمَدةِ للدولةِ، من جهةٍ أخرى، ولكنّه يَبْقى، بدليلِ ما تَرَتَّبَ ويَتَرَتَّبُ عليه من الآثارِ المَدَمّرةِ، تعَدّياً من الطَوائفِ على دائرةٍ ليست دائرَتَها وتَغَلُّباً مِنْها على حقْلٍ يُفْتَرَضُ، في أحْسَنِ احْتِمالٍ، أن يكونَ حُضورُها فيهِ ثانَوِيّاً فَتُخْلي مُعْظَمَ المَجالِ لِقِيَمٍ ومَصالِحَ تَفيضُ عن أطُرِها وعن مَنْطِقِ المُواجَهةِ بَيْنَها ولا تَصْلُحُ لَها تلكَ الأُطُرُ وهذا المَنْطِق.

هو إذن هذا التَغايُرُ في المَضٌمونِ والطابَعِ بَيْنَ الانْتِماءَيْنِ ما يجبُ الانطلاقُ مِنْهُ لتَصْحيحِ التشخيصِ واستِطْلاعِ مَسارِ الإصْلاحِ والمُعالَجة.
يبقى أنّ تَقَلُّبَ الظُروفِ لا يَخْلو أن يَفْرِضَ المُفاضَلةَ بَيْنَ هذا الانْتِماءِ وذاكَ في هذه المناسبةِ أو تلك. ولكنّ المُفاضَلةَ لَيْسَ لَها أن تستَوي محَطَّ كلامٍ مَشْروعاً ومَدارَ تَفَكُّرٍ مُنْتِجٍ عندَ البَحْثِ في الطائفيّة. بل إنّ هذا الموقِعَ حَقٌّ للتَغايُرِ في المضمونِ وللتوجيهِ نَحْوَ إدراكِهِ واحتِرامِهِ والعَمَلِ على تَجْسيدِهِ في القوانينِ والمُؤَسَّساتِ والوقائع.

هذا يَمْنَحُ وجاهةً تاريخيّةً مؤَكَّدةً لشِعارِ "إلْغاءِ الطائفيّةِ السياسيّة" الذي أصْبَحَ مَوْضِعَ اسْتِهانةٍ يَسْتَسْهِلُها البَعْض. فَهُوَ، وإنْ كان لا يستَوْعِبُ ما يُفْتَرَضُ تَغييرُهُ لمُداواةِ "العُطْلِ" اللُبْنانيِّ، يَبْقى مُسْتَحِقّاً مَوْقِعَ الصَدارةِ الإسْتِراتيجيّة في خطّةِ التَغْيير.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها