آخر تحديث:15:06(بيروت)
الأربعاء 23/09/2020
share

الحرب الأهلية المؤجلة يومياً

يوسف بزي | الأربعاء 23/09/2020
شارك المقال :
الحرب الأهلية المؤجلة يومياً يستيقظ كل يوم صباحاً ويوقع الهزيمة الاستباقية بالمناوئين (Getty)

ما بين الترابط والتواطؤ بين القوى السياسية، المتحالفة أو المتخاصمة، ونزوع ممثلي الطوائف لحماية "النظام" الذي يؤمن لهم السلطة والمنافع، من جهة أولى، وخوف اللبنانيين عموماً من تكرار "الحرب الأهلية"، من جهة ثانية، والتفوق الكاسح للقوة العسكرية التي يحوزها حزب الله منفرداً، من جهة ثالثة، وغياب أي إرادة إقليمية ودولية للتورط في نزاع أهلي في لبنان، تسليحاً ومالاً، من جهة رابعة.. كل هذا، ورغم الانقسامات الحادة ومشاعر الكراهية المتبادلة، ومنسوب العنف واحتقاناته الموضعية، منع أو كبح أي احتمال لحرب أهلية فعلية منذ العام 2005 وحتى اليوم.

لكن المانع الأهم كان الهزيمة المسبقة لأطراف تلك الحرب المفترضة، قبل وقوعها. ولهذا السبب وحده، انتفت الحرب الأهلية طوال 15 عاماً، من دون تحقيق أي "سلم أهلي". فالمفارقة القاسية أن المنتصر غير قادر على تدبير هذا السلم الأهلي. وعلى الأرجح، لا يرغب إطلاقاً بالسلم، ولا يدركه أصلاً.

"مأساة" حزب الله، أو بالأحرى مأساتنا (من دون المزدوجين)، أنه أسير هذه الديناميكية الحربية، ولا يمكنه التوقف للحظة عن "جهاده". ولأن السلم مماته، لا يسعه سوى البقاء هكذا: أن "ينتصر" يومياً. أن يستيقظ كل يوم صباحاً ويوقع الهزيمة الاستباقية بالمناوئين.. ليس فقط منعاً للحرب الأهلية، بل لمنع احتمال الوصول إلى السلم الأهلي وانتفاء النزاع.. انتفاء دور السلاح.

أسوأ لحظات حزب الله كانت في اليوم التالي لتحرير الجنوب اللبناني عام 2000. لقد شعر بتهديد خطير أمام احتمال "انتهاء المهمة". شعور البطالة المخيف. ثم كانت لحظة صيف 2004، القرار الدولي 1559 الذي "ينتشل" لبنان حرفياً من مستنقع الشرق الأوسط وحروبه. كان هذا بمثابة التهديد الوجودي للتنظيم الحربي الإقليمي- الشرق أوسطي. تلتها لحظة خريف 2006 وما شكله القرار 1701 بموجباته ومندرجاته من مسار يفضي إلى نهاية ذريعة "المقاومة". الأسوأ بين هذه اللحظات، هي حين كان يضطر للجلوس إلى طاولات الحوار أو التوقيع على بيانات أو إعلانات من قبيل "إعلان بعبدا". كان عليه أن يتنكب دوراً مضنياً لا يتقنه، سرعان ما يخرج عنه وعليه.. إلى السلاح. فالحزب يرعبه ذاك الكبت الذي يجلبه السلم. تقييد نفسه بدستور ونظام والنزول من علياء تفوق القوة إلى مساواة الحقوق والواجبات أشبه بالانتحار والتلاشي.

بهذا المعنى، بقي لبنان في حقبته الشيعية (تناولناه بمقالة سابقة) "مشروع حرب أهلية" ينتصر فيها حزب الله قبل وقوعها، ليس لمرة واحدة ختامية، إنما كرياضة يومية يتوجب عليه ممارستها. وهو مضطر لا للانتصار فقط، لكن أيضاً لتجديد أسباب تلك الحرب. إنه ينتج كل يوم "حوافز" الاحتراب الأهلي من أجل أن يسجل نصره فيها.

وعلى الرغم من أنها "افتراضية"، إلا أنها تظل حرباً حقيقية في نتائجها وآثارها. فداحة الدمار الذي أصاب لبنان في هذه الحقبة، من دون قذائف ورصاص، قد توازي عمقاً وتأثيراً وخسارة مجمل خسائر حروب 1975-1990. الهجرة "النوعية" ونزيفها، بشراً ورساميل وأفكاراً ومشاريع، أفقدت لبنان مستقبلاً كاملاً. الانهيارات الاقتصادية والإفقار المتواصل وتهاوي التعليم والانحطاط الثقافي واهتراء البنى التحتية وتهاوي أركان البلد "الحديث" (المصارف، الجامعات، الشركات الكبرى، المرافق الأساسية..).. كل هذا غيّر لبنان جذرياً.

كسر حزب الله المسيحيين ليس بمعركة ما مع "القوات اللبنانية" و"الكتائب" بل عبر الإقرار الضمني بالهزيمة التي أقرّها التيار العوني في مار مخايل، مفوضاً بأكثرية شعبية مسيحية. وكانت "الباسيلية" هي التعبير المتحذلق عن "تفادي الحرب الأهلية" مقابل "معاملة حسنة" لدى المنتصر. وهذا سراب تبدد أخيراً في انفجار المرفأ يوم 4 آب 2020.

أما تحطيم حزب الله للسنّة والدروز، فهو لا يتوقف على نحو يومي منذ الانفجار الكبير في شباط 2005 وحتى أمس سعد الحريري شارباً سمّ التنازل الألف.

المعضلة الفعلية هي الظن القديم والمتجدد، كما يحدث الآن مع المبادرة الفرنسية، بأن تقديم خيارات "جيدة" ومفيدة ومربحة لحزب الله ولطائفته، هي مغرية كفاية ليتوقف عن رياضة الانتصار والعنف والقوة. أي إخراجه من "طبيعته". ظن يقوم على بديهية "المصلحة" والرغبة بالبقاء على قيد الحياة، تماماً كما ظنّ مخطئاً ذاك الضفدع الذي نقل على ظهره عقرباً ليجتاز النهر.

على هذا النحو، كي لا نخدع أنفسنا، نقرأ البيان التأسيسي لهذا الحزب (17 شباط 1985): "نحن أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست نواة دولة الإسلام المركزية في العالم. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه.. ويتولى كل واحد منا مهمته الجهادية وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد.. ولا نخفي التزامنا بحكم الإسلام. وندعو الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة للجميع.. ونواجه النظام القائم في لبنان لكونه صنيعة الاستكبار العالمي وجزءاً من الخارطة السياسية المعادية للإسلام، ولكونه تركيبة ظالمة في أساسها لا ينفع معها أي إصلاح أو ترقيع ولا بد من تغييرها من جذورها".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب