آخر تحديث:00:33(بيروت)
الأحد 02/08/2020
share

حياد وانحياز: حرب المئة عام

أحمد جابر | الأحد 02/08/2020
شارك المقال :
حياد وانحياز: حرب المئة عام الخلاف حول "الحياد" مستقى من بئر مأزق لبنان الكبير (عزيز طاهر)

طرح الحياد اللبناني ليس جديداً، وممارسة الالتحاق والإتباع ليست جديدة أيضاً. يحفل التاريخ الاستقلالي للوطن الصغير، بمحطات سياسية نزاعية كان محورها معضلة الحياد والانحياز، وكانت الجمل الناطقة باسم المعضلة حافلة بالكيانية وباللبنانية، وبالاستقلال والسيادة، مثلما كانت متخمة بالعروبة والوحدة، والتقدمية والتحرر والتحرير.

من 1967 إلى 1975
إذن، في الأصل كان الخلاف المستقى من بئر مأزق لبنان الكبير. وفي الفروع، كانت موازين القوى المتبدلة، على صعيد الداخل المحلي اللبناني، وعلى صعيد الخارج الذي كانت له مواطئ قدم راسخة في هذا الداخل. ولم يكن الخارج دولياً فقط، بل كان عربياً أيضاً، وكان، في بعض جهاته، إقليمياً يقيم على اشتباك مع الصعيدين العربي والدولي، أو يتبادل والصعيدين المذكورين، سياسة التقاء أو سياسة افتراق.

ومن التاريخ، عندما اهتزت المنطقة العربية مع صعود الناصرية في مصر، وعندما ارتفع مدّ الشعور القومي العربي بعد العدوان الثلاثي على الجمهورية المصرية الناشئة، حصد لبنان انقسامه الجدي المسلّح الأول عام 1958. وإذا كانت الشهابية قد تمكنت من ترميم صدوع الداخل الذي توزع بين شرق وغرب، فإن هزيمة العرب الكبرى في حرب حزيران عام 1967، عادت لتذكي النزاع بين محور الرد على الهزيمة قتالياً، ومحور اللبنانية الذي رفع أحد أقطابه شعار حياد لبنان، وطلب حماية الحدود اللبنانية بمؤازرة دولية. كان ذلك طرح العميد ريمون إده، أحد أقطاب الثلاثية اللبنانية، حزب الكتاب، وحزب الأحرار، وحزب الكتلة الوطنية. لقد تدحرج النزاع الحيادي – الانحيازي وكبرت كرة ناره، بعد دخول العامل الفلسطيني على خطوط الداخل اللبنانية، وبعد اعتناق صفوف لبنانية واسعة مبدأ الحرب الشعبية الطويلة الأمد ضد الكيان الصهيوني، ورفع شعار مقارعة داعميه، من قوى غربية، ومن قوى عربية ايضاً. وما كان مقدَّراً للانقسام اللبناني الإجمالي أن يظل انقساماً وطنياً لبنانياً عاماً، بل إن اللبنانية السيادية، واللبنانية العروبية، اللتين كانتا شعارين سياسيين افتراقيين عامين، عادتا وأخلتا الساحة لشعارين افتراقيين طائفيين، فباتت اللبنانية على مذهب المسيحية عموماً، وحُشرت العروبية في مذهب الإسلامية عموماً. هذا الانقسام الذي بدأ وصْفياً، ثم صارت له أسانيده الواقعية، شكَّل الإطار العام لصورة الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، وما زالت انقساماتها الجوهرية تتناسل في أشكال مختلفة، على الرغم من الهدوء الأمني الذي ما زال سائداً منذ اتفاق الطائف الشهير، وحتى تاريخه.

بكركي والكيانية
من الحاضر، وتأسيساً على الاستعادة التذكيرية لمحطات من سيرة المعضلات اللبنانية، عاد الحياد ليكون شعاراً مسيحيّ النشأة، وعاد الانحياز والاتباع ليتخذ موقعه ضمن الشعارية الإسلامية.

مقارنة يوم اللبنانيين بأمسهم، تسمح بإطلالة على متغيرات واقعية تشكل سمة لظروف المناداة بالحياد اليوم، ولظروف رفض هذا الشعار، والتمسك بما يشكله نقيضه. التبدل السياسي حصل على صعيد القوى التي حملت الشعارين سابقاً، والقوى التي تبادر إلى الخوض في معركة الشعارين راهناً. التبدل له إسم طائفي، لكن قوى المضمون الحيادي تجد لها صلة قربى بين أمسها ويومها، في الوقت الذي تغيب فيه صلة القربى بين قوى المضمون الإنحيازي، السابقة واللاحقة، بل هي تكاد تكون مقطوعة أيضاً.
في شرح الصلة، ليست بكركي، بما تمثل تاريخياً خارج الكلام الكياني الاستقلالي اللبناني، بل هي في متنه وعلى حواشيه، سواء عندما يصدر عنها الكلام المباشر عن الموضوع، أو عندما يصدر عن سياسيين لبنانيين سابقين، مثل مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل، أو الرئيس كميل شمعون، أو العميد ريمون إده. لكن قوى الانحياز، وفي طليعتها قوى الشيعية السياسية، تقع خارج منطق قوى خيار الارتباط بالناصرية، أو بالبعثية، أو بالشيوعية، أو بالاشتراكية، فهذه الأخيرة كلها، برَّرت انحيازها بعروبتها وبتقدميتها، وبعلمانيتها وبتعريفها للاستقلال اللبناني تعريفاً يرتبط بموقعه ضمن محيطه العربي، وبمساهمته في حمل قضاياها المصيرية، وعلى رأس قائمة القضايا مسألة فلسطين، وما تختزنه من كل القضية الصراعية ضد الاحتلال الصهيوني.
بإيجاز وتكثيف، ظلّت الاستقلالية اللبنانية معرّفة تعريفاً "هوياتياً وجودياً" للأقليات الكيانية، وفي مقدمتها المارونية السياسية، وظلّت الاستقلالية ذاتها معرّفة تعريفاً إتصالياً وثيقاً بالعروبة الحاضنة لتفاعل لبناني داخلي، يسعى إلى تقديم اللبنانيين كوحدة مصالح لا كإفتراق هويات، وبما أن تعريف اللبنانية متعذر دينياً، أو عرقياً، او كقومية ناجزة، فإن العروة الوثقى بين اللبنانيين تظل ماثلة في العروبة، التي هي قادرة، بما تختزن من أبعاد، على أن تكون الإطار الرحب لتعبير كل كيانية مستقلة عن خصوصيتها، وعن سياق نشوئها وتطورها، من دون قسر توحيدي، أو إكراه عروبوي. على هذا الوجه، كانت العروبة وما زالت، حاجة وطنية لكل بلد عربي على حدة، مثلما هي حاجة مشتركة لكل الأوطان.

الحوار الصعب
بالقياس إلى ما ورد، تدعو الحاجة إلى إعادة النقاش إلى مسألة الحياد، ليكون ذلك معروضاً على حساب المصالح الوطنية اللبنانية أولاً، وليكون متصلاً بكيفية تأمين هذه المصالح، تأميناً لا يُسقط طيفاً أهلياً، ولا يحاصر كتلة اجتماعية، ولا ينبذ استباقياً، فكرة مخالفة. هل هذا النقاش مقبول من قبل أهل فكرة الحياد؟ نزعم بالإجابة الإيجابية.

على الضفة المقابلة، تحتاج فكرة الانحياز إلى محور خارجي، أو إلى فكرة ما فوق وطنية، إلى الحوار أيضاً، وعليها أن تخضع للشروط الحوارية الوطنية ذاتها التي تنزل عليها مسألة الحياد. والسؤال هنا أيضاً: هل الأمر مقبول من أهل الانحياز؟ نزعم أن الجواب على السؤال سلبي!! هكذا كان الأمر سابقاً، وهكذا هو الأمر حالياً، على الرغم من اختلاف هوية القوى "السالبة".

إذن ما الموقف: لنقل ذلك في صيغة النفي أولاً: الحياد ليس مقبولاً تلقائياً، بل هو معروض في سوق الحوار، كذلك فإن الانحياز مرفوض عملياً، لأن نتائجه في الممارسة ظاهرة للعيان، وكمثل عدم التسليم المسبق بنتائج الحوار حول الحياد، فإن عدم التسليم المسبق بفرض الانحياز إلى الخارج كسياسة فئوية، يشكل مقدمة ضرورية لأي حوار.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها