آخر تحديث:00:01(بيروت)
الثلاثاء 07/07/2020
share

عتمة لبنان

يوسف بزي | الثلاثاء 07/07/2020
شارك المقال :
عتمة لبنان عتمة فاحشة أحيت فينا أسوأ ما يتذكره جيلنا (علي علّوش)

في سيرنا ليلاً على الطريق الساحلي بين جبيل وبيروت، رحنا نلحظ هذا التحول الذي أصاب البلد. التحلل المثابر الذي يفتك بمعالم العمران، والظلمة المخيّمة على السفوح ووسط الأوتوستراد. البحر المشوّه، والإسفلت المتفسخ، والإنارة المعدومة، والمرافق المقفلة، والعابرون المتوترون إلى حد القابلية للقتل، والجبال المبتورة بمخالب الفساد والجشع وسباق التربّح، والبرّية المنتهكة بلا هوادة، والقاذورات المنتشرة على الجوانب، والإهمال العمومي كميزة وطنية رسمية، وآثار الإطارات المطاطية المحروقة وغبارها الفحمي السام، اللذان يشيران إلى أن ثمة غاضبين كانوا هنا وتواروا كما في كل يوم منذ ذاك الخريف البعيد، والذي تزايد بعده في مخيلتنا لشدة ما تغيرت أحوالنا مذاك الحين.

في سيرنا هذا كنا صامتين نبتلع انفعالاتنا الصغيرة إزاء ما نراه، متذكرين على سبيل المقارنة ما كنا عليه فقط حتى الصيف الماضي. ورغم قناعتنا قبل سنة أن الكارثة مقبلة لا بد، كنا أيضاً نستهول التصديق، معوّلين أن حظنا لن يكون سيئاً إلى هذه الدرجة، أو أن الفاسدين قد يلجمهم خطر وقوع الهيكل على الجميع، ومراهنين إلى حد ما على فكرة أنه من غير المعقول أن يصل "العهد" إلى هذه السوية من الفشل الذريع، أو أن يغامر حزب الله بمصير البلد إلى هذا الحد الانتحاري.

العتمة التي استقبلتنا بها بيروت كانت كاسحة وقاسية. داهمتنا ككتلة هائلة من الهياكل السوداء كما لو أنها طالعة من مشهد كابوسي، أكثر سينمائية من السينما نفسها. ظلام شامل في ليل حار ورطب، فيما أضواء السيارات لا تفعل سوى توكيد سواد الفضاء وتكريسه. وكانت أنفاسنا ثقيلة وصدورنا تضيق وتضيق ورئاتنا بالكاد تشهق وتزفر. اختناق مصحوب بالأسى وحسب طالما أننا استنفدنا الطاقة التي يتوجبها الغضب.

لا كهرباء بعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب وحوالى 40 مليار دولار مهدورة كواحدة من أكبر عمليات النصب في التاريخ. هذه هي المهانة التامة التي يمكن توزيعها على الطوائف بالعدل والقسطاط.. مهانة يمكن منحها كأوسمة على صدر كل لبناني، أو توزيعها في أكياس يمكن توريثها لأجيال قادمة.

وكم كانت العتمة رابخة على المدينة، كم كانت تنخز عيوننا بوقاحة متجبرة، سيدة لا شك بسلطتها على حياتنا الآن. عتمة فاحشة أحيت فينا أسوأ ما يتذكره جيلنا الخبير بأنواع الظلمة ودرجاتها منذ أواخر السبعينات وحتى هذا اليوم. العتمة التي كانت تصاحب اندلاع القصف والجولات الكبرى من الحرب: اشتعال خطوط التماس والقذائف العشوائية، وما يصحبها من شمع الملاجئ. معركة الأشرفية لمدة مئة يوم مثلاً حين كانت الأنوار تنبثق فقط من راجمات برج المر. ثم الظلام الرهيب في حصار بيروت 1982، الذي كان ذروة لا يدانيها تقريباً سوى ظلام الضاحية الجنوبية في منتصف 2006.

تذكرنا عهد "الموتورات" المنزلية على الشرفات التي راجت بضجيجها الذي يهد الأعصاب منذ العام 1983 وحتى أواخر ذاك العقد. العتمة المديدة بين شباط 1984 وأواسط 1986، والعتمة التي باغتتنا في حرب التحرير.. وصولاً إلى نظام نصف عتمة الذي ساد في فترات الهدوء ثم في بداية التسعينات، قبل حلول نظام "كهرباء دولة" و"كهرباء مولدات"، لتُنتسى فترة الأضواء المشعشعة بين أعوام 1997 و2005.

ليست سيرة الكهرباء إلا قصة استعصاء الدولة، استعصاء السلم، وتمنّع الحرب عن الأفول.

هي ليست أزمة معامل وفيول وشبكات توزيع، و"عدّادات ذكية" أو وزراء عباقرة. هي ليست أزمة جلبتها خسارة الأرصدة المالية الضخمة وتبخرها (توازي ثروات أجيال). وليست في تعطّل النظام السياسي، واستتباب سلطة تستمد شرعيتها فقط من الامتناع عن الحرب الأهلية. وليست في انهيار المنظومة الإدارية لمؤسسات الدولة وانعطاب أجهزتها على نحو يصعب إصلاحه. هي ليست أيضاً خمود ثورة على مستنقع الخيبات. وليست أزمة بلد لم يستطع الفكاك من دوامة الصراعات الإقليمية والدولية التي تستنزفه وتمنعه من حق تقرير المصير. صحيح أن كل هذا كفيل بتحطيم البلد. لكن ما هو قاتل للأمل فيه أبعد من كل هذه الكوارث وأشد فتكاً به، هو موت "التصور الميتافيزيقي" للبنان. موت الرغبة الخيالية بهذا الكيان.

هذا هو معنى العتمة..


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني