آخر تحديث:14:34(بيروت)
الجمعة 03/07/2020
share

وجوه كثيرة لحزب الله والميليشيات في الحرب والسلم

بدوان عبد النور | الجمعة 03/07/2020
شارك المقال :
وجوه كثيرة لحزب الله والميليشيات في الحرب والسلم بنى مافيوية في الأمن والاقتصاد والسياسة (Getty)
نهار الخميس 2 تموز الجاري، كتب عقيل حسن في "المدن" مقالة عن "أكبر عملية تهريب من نوعها في العالم": عثور سلطات مكافحة التهريب الإيطالية على 84 مليون قرص من مادة الكبتاغون المخدرة، في حاويات سفن ثلاث رست نهار الأربعاء الأول من الشهر نفسه في ميناء مدينة ساليرنو جنوب إيطاليا، المعتبرة أحد معاقل المافيا الإيطالية. وقدرت قيمة الشحنة المهربة بحوالى مليار دولار. واتهمت روما تنظيم "داعش" بالمسؤولية عن هذه العملية. لكن كثيرين يعتقدون أن نظام الأسد وجهات مرتبطة به هي التي تقف خلفها.

وكانت السلطات اليونانية قد ضبطت قبل شهرين عملية تهريب مشابهة، عندما صادرت سلطاتها 5.25 طناً من المخدر نفسه، عُبئت في حاويات سفن شحن أبحرت من سوريا، وتتجاوز قيمتها 660 مليون دولار.

وعلى عكس ما يظن كثيرون من أن عمليات إنتاج وتهريب المخدرات، من سوريا إلى دول العالم، تقتصر على الشراكة بين نظام الأسد وحزب الله اللبناني، صاحب الباع الطويل في هذا المجال، يُعتقد على نطاق واسع أن المافيا الروسية على علاقة وطيدة بمثل هذه العمليات التي تغرق السوق الأوروبية بالمخدرات الآتية من الهند وأفغانستان وباكستان سابقاً، وحالياً من سوريا ولبنان. وهذا بعدما استفادت المافيا الروسية من النفوذ الروسي الذي بات قوياً على ساحل المتوسط الشرقي والجنوبي، وانخفضت تكاليف إنتاج وشحن المخدرات من سوريا إلى أوروبا.

وتبيّن المعلومات المتقاطعة أن سامر الأسد، ابن عم بشار، هو المسؤول الأول عن صناعة وتجارة المخدرات، ويدير عمليات النظام بالتعاون مع كل من حزب الله والمافيا الروسية.

وجه حزب الله الثالث
تظهر، بل تؤكد مثل هذه المعلومات، الوجه الثالث لحزب الله، إلى جانب وجهيه المعروفين في لبنان: الوجه السياسي، والوجه العسكري - الأمني. فتصنيع الكبتاغون وزراعة النباتات التي تُصنع منها المخدرات، والإتجار بالكوكايين والهيرويين، وتهريب البضائع والأدوية والمواد الغذائية عبر عشرات المعابر البرية بين سوريا ولبنان، وعبر مرفأ بيروت ومطار رفيق الحريري، وتبييض الأموال..

هذه الأعمال كلها تقع ضمن النشاطات الخارجة على القانون التي تمارسها المافيات العالمية: من الكوزانوسترا الإيطالية، إلى التريياد الصينية والياكوزا اليابانية، وباقي كارتيلات المخدرات في أميركا اللاتينية.

مقاومات في الدول الضعيفة
والقاسم المشترك الأول بين هذه المافيات والمنظمات والعصابات الإجرامية والميليشيات، أنها في معظمها نشأت كمقاومات شعبية ضد الاحتلال الأجنبي، مثل الكوزانوسترا الإيطالية، التي حاربت ضد نابوليون حينما احتل أجزاء من إيطاليا.

وعندما زالت الاحتلالات تحولت هذه المنظمات والميليشيات والمافيات إلى ما يسمى في لبنان قوى "الأمر الواقع" التي فرضت سيطرتها على المجتمع وجماعاته بحجة حمايته.

ويتفق اللبنانيون جميعاً على اعتبار أن الأحزاب والميليشيات نخرت الدولة من داخلها وعششت فيها وأضعفتها، ثم سيطرت على شطور كثيرة من أجهزتها ومؤسساتها.

القاسم المشترك الثاني بين هذه المنظمات وميليشيات المقاومة، قامت تاريخياً في دول هشة وضعيفة، شأن الدولة اللبنانية. أو هي نشأت في بلدان عرفت ظروفاً أضعفت الدولة: حروب أهلية، احتلالات أجنبية. وهذا ينطبق على إيطاليا، وكذلك على اليابان والصين وسواها من بلدان شهدت اضطرابات أضعفت دولها في حقب سابقة. وهذه تماماً حال الدولة اللبنانية منذ نشوئها حتى الساعة.

ومن الملاحظ في هذا السياق أن دولاً متل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا - ومصر مثلاً من الدول العربية - لم تنشأ فيها مثل هذه المنظمات الإجرامية والميليشيات الأهلية الخارجة على سلطان الدول.

الإعالة الاجتماعية
هناك قاسم مشترك ثالث بين عصابات المافيا والإجرام وميليشيات المقاومة والتحرير: امتلاكها شبكة معقدة من المؤسسات الاجتماعية والخيرية والتربوية والاستشفائية.

فأثناء كارثة التسونامي التي ضربت اليابان، كانت الياكوزا في بعض الأحيان أفعل وانجع في مساعدة المدنيين من مؤسسات الدولة اليابانية. وفي كولومبيا كانت منظمات بابلو إسكوبار الإجرامية أكبر فاعل خير ونصير للفقراء. والمنظات هذه تمتلك شعبية وجماهير تؤيدها، ولم تكن قادرة على الاستمرار لولا شعبيتها وجماهيريتها.

وهي تمتلك أذرع سياسية وقضائية وإعلامية، فيُقاس مستوى قوة الزعيم والمنظمات والميليشيا بعدد النواب والوزراء والإعلامييين والقضاة التابعين. والأذرع هذه تشكل خط الدفاع الأول عنها.

بين الدم والظلام
لكن على خلاف الشائع، المافيات لا تحب ولا تهوى إراقة الدماء إلا عند الضرورة وفي الظلام. فالدم يلفت الانتباه إلى نشاطاتها، فيما هي تفضل العمل في الظلام. لذلك تستعمل القضاء أو الشرطة الفاسدة لإزاحة خصومها أو تستعمل الإعلام المأجور لتشويه سمعتهم.

ولتنشأ مثل هذه المنظمات وتنمو وتكبر، من الضروري توفّر مجتمع محافظ تتمتع فيه أواصر القرابة وقيم التماسك العائلي بقوة حاضرة وفاعلة. وهذه حال اليابان وإيطاليا وكورسيكا ولبنان. وحتى في الصين، فإن نفوذ الحزب الشيوعي الكاسح بعد الثورة الماوية، لم يستطع القضاء أو استئصال منظمة الترياد، على الرغم من نجاحه بتهميشها في البر الصيني. ولكنها ازدهرت في هونغ كونغ وماكاو وبين الجاليات الصينية في كل مكان، وخصوصا في أميركا.

رعاية النظام الأسدي
تنطبق هذه المواصفات على أحزاب مسلحة ومقاوِمة وميليشيات كثيرة وتيارات سياسية لبنانية مسيحية وإسلامية. لكن ليس في زمن الحرب وحسب، بل هي مستمرة في نهجها وأعمالها حتى الآن.

فالزعامة الجنبلاطية الدرزية مثلاً، هي زعامة إقطاعية عائلية مديدة، تتقنع بقناع حزبي. وزعامة نبيه بري الشيعية، نشأت على ميليشيا في خضم الحرب، واستمرت على حالها في زمن السلم لتتعيش على الريوع التي تحصلها على نحو مافيوي من الدولة، شأن الزعامة الجنبلاطية. وزعامة بشير الجميل الصاروخية ووصوله السريع إلى رئاسة الجمهورية، كانت مثلثة السّند والقاعدة: سند عائلي وحزبي متين، ميليشيا منظمة احتكرت القوة السلاح في الشارع المسيحي.

لكن مافيوية الميليشيا المسيحية لم تعمر إلى زمن السلم، بسبب استئصالها وضرب بنيتها التنظيمية في حقبة الاحتلال السوري. بينما استمرت البنية نفسها لدى كل من الشيعة والدروز، فانتقلت تلك البنية شبه المافيوية إلى داخل مؤسسات الدولة والحكم، مستفيدة من تحالفها مع النظام السوري الذي يقوم على بنى مافيوية في الأمن والاقتصاد والسياسة.

أما حزب المقاومة، فهو آخر بنية عسكرية قوية ومتماسكة من زمن الحرب. واستمرت في رعاية سورية أسدية وإيرانية في زمن السلم. وها هي اليوم تسيطر على الحياة السياسية في لبنان، باسم مقاومة إسرائيل وأميركا. وهذا على طريقة النظام الأسدي. وهي تشاركه في أعماله الإقليمية والدولية.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها