آخر تحديث:15:31(بيروت)
السبت 25/07/2020
share

عن غياب التعاطف في حادثة "ماهان": سيرة الحزب بالتشفي

نادر فوز | السبت 25/07/2020
شارك المقال :
عن غياب التعاطف في حادثة "ماهان": سيرة الحزب بالتشفي يحوّلون الناس إلى كائنات شرّ (Getty)
عاش ركاب طائرة ماهان لحظات الرعب التي نقلوها لنا عبر تسجيلات فيديو. قد لا تكفي الكلمات لوصف الذعر المعاش على تلك الرحلة. أطفال مذهولون بعيون فارغة. ركاب متسمّرون، كأنهم مشلولون في مقاعدهم، عاجزون عن الحركة والفعل. يمكن تلخيص ما حصل بالعبارات التي تناقلها الركاب أنفسهم. قبل الصراخ وبعده، وخلاله، تكبيرات وصلوات على النبي وآله. "عم صوّر شو صاير بركي متنا"، تقول إحدى السيّدات بعد أن هدأت الحال وعادت الأمور إلى طبيعتها. تهديد لا يقبله عقل لحياة مدنيين في الجوّ، معرّضين بأي لحظة للسقوط الحرّ بطائرتهم. رسالة أمنية وعسكرية وسياسية بالغة الخطورة من خلال الاعتداء على مدنيين. قد لا تكفي أيضاً عبارات إدانة ما حصل على تلك الرحلة.

شعور إنساني
استنكار، اتّهام، شجب، عبارات بمغزى واحد. في حادثة ماهان، تأتي كل هذه العبارات من دون شعور فائض بالتعاطف. هذا ما بدا من ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي. كأنّ تهديد طائرة مدنية لا يعني لمجموعة من البشر شيئاً. لم تكتمل الجريمة ولم تتمّ التضحية بـ155 راكباً على متن الطائرة، ولو أنّ إبداء التعاطف لا يستوجب أساساً جرماً ناجزاً. ثمة جلاد وثمة ضحية، بغض النظر عن الجرم ونوعه ومداه وقسوته، وبغض النظر عن الزمان والمكان أيضاً. التضامن فعل واحد موّحد، من مسلّمات الشعور الإنساني الصافي. لا يخضع لحسابات ولا مصالح. ينوجد أو ينعدم، لا يخفت أو يشتعل. موجود راسخ، أو معدوم.  

اللا تعاطف
في اعتداء طائرة ماهان، مقاتلة إسرائيلية (أو أميركية) تهدّد طائرة مدنية إيرانية وجهتها بيروت، فوق الأرض السورية. مزيج من الصراعات، وتوضيح لواقع أنّ سوريا- وغيرها من الأراضي العربية أيضاً- أرض حروب الدول والإقليم. عناصر المشهد متشعّبة، سياسياً وطائفياً. بين العدو الإسرائيلي والنظام السوري-عدو شعبه، إيران وإمبراطوريتها وسلاحها الأقوى حزب الله. فيصبح لفعل اللا تعاطف مع ركاب الطائرة، أبعاداً مفهومة، ولو أنه لا يمكن تبريرها. رد فعل تلقائي على مناسبات أخرى، هلّل فيها أنصار ضحايا ماهان للجلّاد والمتلذذ بالدماء والقتل والتهجير والتجويع. محطات تكاد لا تُحصى من التجارب المرّة خلال العقدين الأخيرين في لبنان. ومن التجارب الأمرّ في العقد الأخير من الحرب السورية والثورة المقموعة فيها. مشهد اللا تعاطف واللا تضامن، مألوف، عالق في الذاكرة والوجدان. وكذلك الدعوة للقتل والتشّفي بالمقتول.

الشماتة بالحصارات
على الأرض السورية نفسها، بين حصار مخيّم اليرموك (2013-2014) وحصار مضايا (2015-2016)، انتشى أنصار الجلّادين بالمشهد. في الحصارين، ضحايا جوع ونقص المعدّات الطبية والنَفَس. إلتهم السكان قططهم المنزلية، والخضار واليباس حول منازلهم المزنّرة بالألغام. أنصار الجلّاد حينها، شعروا بنشوة لا توصف. في ضاحية بيروت الجنوبية، من بين أنصار حزب الله، من صوّروا برادات بيوتهم ملأى بالطعام والخبز والجبن. صوّروا ولائم اللحوم، بعنوان "متضامن مع حصار مضايا". خبث وتشفّي وشماتة موصوفون.  

التشفّي بالدولار
خلال الأسابيع الأخيرة، بينما سُرقت أموال مئات آلاف الموعدين في لبنان، تشّفى البعض ببؤس هؤلاء من خلال نشر شوالات الدولارات. وضعوا أوراق مكتوب عليها التواريخ لتثبيت منطق التشّفي وزمنه. وصوّروا دولاراتهم وعرضوها على الملأ. كل هذا مدعّماً بموقف الأمين العام لحزب الله الذي قال في وقت سابق "قد يأتي وقت لا تستطيع فيه الدولة اللبنانية دفع الرواتب... لكن أنا أؤكد لكم أنّ الحزب سيظلّ قادراً على دفع الرواتب". دفعها الحزب، ومستمرّ بدفعها وبالدولار، فاستعرض أنصاره وتشفّوا بسائر الشعب البائس.

الانتصار الحتمي
حلّت الأزمة الاقتصادية، وانحسر التداول بالدولار، حتى بات أيضاً مخصصاً لشريحة من حزب الله وبيئته فقط. وصل الجوع والعوز، وتوقّفت الخدمات الأخرى، وأتى حصار قيصر ليزيد الطين بلّة. فصوّر الأنصار أنفسهم برّادات بيوتهم، المطفأة بفعل انقطاع التيار الكهربائي، وفيها سلاح. حتى لو جعنا، السلاح معنا، وباقٍ معنا، ولن تنالوا. هم معدومون وجائعون، والباقون معدمون وجائعون، لكن الأنصار معهم سلاح. في ظهرهم منطق الاستئثار وفائض القوة. مهما صار، منتصرون. وهو تماماً ما سبق لنصر الله أن قاله في وقت سابق من هذا العام، "نحن لا نُهزم، عندما ننتصر ننتصر، وعندما نستشهد ننتصر". ولو متنا جوعاً، السلاح معنا، وسننتصر.
بهذه الروحية، اندفع فقراء خندق الغميق للتنكيل بالمدنيين بمن كانوا يهتفون: "يللي ساكن بالخندق انت ونحن بنفس الخندق".

انخاب الاغتيالات
بيئة حزب الله فاضت في التشفي طوال العقدين الأخيرين. فإن كان التشفي بوقوف جنود العدو الإسرائيلي على "إجر ونصف" على الحدود مفهوماً، إلا أنّ التشفي بشعوب كاملة معدومة أمر بالغ في خطورته وخبثه. في فترات السيارات المفخخة والاغتيالات، بين عامي 2005 و2006، وعامي 2012 و2013، وزّع البعض البقلاوة في الطرقات. تبادلوا التبريكات والتهاني. وكرروا الأمر نفسه عند تهجير الجموع السورية من قراهم، أكثر من مرة وفي أكثر من محافظة. وفي الأشهر الأخيرة هتفوا لـ"7 أيار" وقتل الناس في الشارع. صنعوا من رائحة البارود والموت والأشلاء انتصارات. جمعوها، عصروها، خمّروها، وجعلوا منها أنخاب حلال. لم يتركوا طرفاً، شريكاً أو خصماً أو محايداً، إلا وتجبّروا عليه. كأنهم يسرقون الشعور الإنساني، يصادرونه، يمنعون البشر عنه. يحوّلون الناس إلى كائنات شرّ، علّها إن اشتدّ عودها تصبح قادرةً على منافستهم في السوء. وهذا ما لم يقووا عليه حتى الآن.
التعاطف مع المدنيين.. لن تسرقوه منا. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها