آخر تحديث:00:04(بيروت)
الخميس 23/07/2020
share

هيمنة الأفكار والإفقار: حرب أهلية بلا دم

أحمد جابر | الخميس 23/07/2020
شارك المقال :
هيمنة الأفكار والإفقار: حرب أهلية بلا دم لقد باتت فكرة "المقاومة" الشيعية مكرورة ومستنفدة (Getty)

الهجمة المضادة على بوادر الحركة الشعبية، توسّل لها الحكم القائم سلاحي الأفكار والإفقار، وإذا كانت سردية الطائفيات قديمة، عن ذواتها وعن نظيراتها، فإن الجديد هو سلاح الإفقار، الذي يطال الأغلبية الكاسحة من اللبنانيين، في مقومات عيشهم، لكنه قصّر دون الوصول إلى أغلبية وازنة منهم، سياسياً، بسبب من ديماغوجيا الأفكار، وبسبب صمود قلاعها التاريخية فوق أرض سردياتها، الحقيقية والمتخيلة. سلاحان متآزران في معركة واحدة، هي معركة كسر إرادة التغيير لدى اللبنانيين، من خلال حرب أهلية "مبتكرة"، يسعى قادتها إلى الهيمنة والإخضاع، من دون إراقة قطرة دم، ومع دفق غزير من "الدمع والأسى" الشعبي، الذي لا يوصل إلى مكان تغييري.

ساسة المعركة الجديدة كثر، هم جمع في الهدف، وفرادى في اقتراح سبل الوصول، لكن اللغة واحدة ولو تبدَّلت المفردات، والغاية واحدة، ولو اختلفت إعلانات النوايا. في الجمع هذا، حكم ظاهر، وحكم مستتر، وفي إزائه جمعٌ آخر يحاول تكويناً معارضاً، لكنه لا يصل إلى تناسق لوني محدد، وإذ يخفق هذا "المعارض"، في بلوغ شكل قوس قزح، فإنه يُظهر رمادية وسواداً، مثلما يظهر لا لون ولا إشارة دالة. والحال، يبقى الحكم في مقام مبادرته التسلطية التصاعدية، ويبقى المحكوم في دوامة حيرته النكوصية المتفاقمة.

أفكار رئاسة الجمهورية
خلاصة الأداء الرئاسي، مزيد من تدهور البنية اللبنانية العامة، في سياستها وفي اقتصادها وفي اجتماعها وفي مقوماتها الوطنية. مثلاً، وعلى الرغم من هذه الحصيلة، فما زالت فذلكة الأداء مستندة إلى مقولات الإصلاح والتغيير، وإلى عناوين السيادة والاستقلال، وإلى قول فئوي يخصّ المسيحيين بالغبن، فيجعل فوز المحازبين والمحبذين بالمكاسب، ممراً خلاصياً إلى "إنصاف" المسيحيين عموماً. حتى تاريخه، لا مبادرة رئاسية إنقاذية تتمثل مجموع مصالح اللبنانيين، في تقاطعها وفي تباينها، كذلك لا مبادرة رئاسية تستطيع رسم خط النأي بالنفس عن صراع المحاور، والنأي بالمجموعات اللبنانية عن تذمرها من شروط المساكنة والتعايش، الشروط التي باتت معقودة اللواء لهيمنة فئوية داخلية، تستفيد من غطاء موقع الرئاسة، ويستفيد المتحلقون حول موقع الرئاسة من قوة الهيمنة المذهبية الجديدة، فيجمعون سلّة نفوذ ومواقع رسمية، ويكدسون، مع من كدَّس، أرقاماً مالية يشير إليها اللبنانيون بالعيون والأسف وبكل لبنان.

أفكار رئاسة الحكومة
رئيس الحكومة، الذي أتى من خارج نادي رؤساء الوزارات المتعاقبة، نسب إلى نفسه صفة "الاختصاص"، وارتضى الجمهور هذه الصفة له، لكن الرئيس لم يفلح، بعد فترة تجربة، إلا في ترداد فكرة التركة الثقيلة، وامتنع عن التقدم خطوة على طريق سدّ الثغرات الواضحة في هذه التركة. كان هذا هو "الناتج العام" لوزارة العهد "الأولى"، وفي سبيل تحصين الناتج أعلاه، اختار رئيس الحكومة لنفسه موقعاً تفسيرياً أحادي الجانب، فكان في جهة الذين أوصلوه، واستسهل، تالياً، الهجوم على من اعتبر أنهم في موقع الخصوم. لقد كوَّن رئيس الحكومة "أفكاره" انطلاقاً من ثقل المهمة، ومن كثرة الخصوم، ومن برامج وخطط الاستهداف والانقلاب عليه، فصار سعيه السياسي، غير الاختصاصي، متعلقاً بالذود عن "مقام شخصه"، وغير مكترث بشكل لافت، إلى شرح خطته الإنقاذية، وحشد الأسانيد والحجج التي تستند إليها، كتمهيد لجمع الصف الأوسع من السياسيين حولها، وتأمين سبل الدعم الكفيلة بإنجاحها، طالما أن المطروح إنقاذ البلد، وليس الدفاع عن سياسة العهد، بموقعيه، الرئاسي والحكومي.

أفكار الثنائية الشيعية
لقد باتت فكرة "المقاومة" الشيعية مكرورة ومستنفدة، كذلك صارت فكرة التصدي للاستكبار العالمي، وللولايات المتحدة الأميركية، فكرة خاصة بأصحابها، من أهل الثنائي الشيعي، ومن أهل من يلائمه الطرح السياسي هذا، من أهل أو من الذين يشكل هذا الطرح سبيلاً إلى تأمين مصالحهم الضيقة.
الفكرة القائمة على "الصمود والتصدي"، مردودة بالأسلوب الذي تطرح به، ومردودة بالسياسات التي تعتمدها. إن أبسط قاعدة من قواعد المواجهة الوطنية العامة، تفترض جمع الصفوف الوطنية لا تمزيقها، وتتطلب المشاركة في صناعة القرار، لا فرض الرؤية الأحادية من قبل أي طرف لبناني بعينه. لا جدوى وطنية، من فكرة تجعل من تحقيقها تحقيقاً لكل مصالح اللبنانيين، ولا منطق لسياسة، تؤكد على خصوصيات مطالبها، ثم تحمِّل كل اللبنانيين وزر نتائجها. من حق كل الجمع اللبناني النقاش في كيفية عيشه، ومن حقه النقاش في جدوى السياسات التي تأخذه إلى موته، ومن حقه الاعتراض والتصدي لكل السياسات التي تعسِّر حصوله على قوته.

أفكار أهل التوليفة
يشترك الموجودون خارج الحكم، من أهل الحكم، في المسؤولية عن الأوضاع، مع جزء من أهل الحكم المقيمين داخله. غاب النقاش السياسي عن صفوف هؤلاء، وباتت "التغريدات" وسيلة اعتراض، وعندما يجتمع المغردون في ثنائيات وثلاثيات، لا يطلقون "زقزقة" واحدة، بل إن كل غرِّيد منهم يظهر ثقل قيد القفص الذي سجن جناحيه فيه.

في هذا السياق، لم تقدم حريرية سعد الحريري شيئاً إنقاذياً ملموساً، وفكرته الداعمة لحركته، أو لقلّة حركته، هي "لو أخذوا بما اقترحناه...، ولو قدموا ما قدمناه"، أما الهدف الأدنى إليه، فهو استعادة ما خسر في بيئته المذهبية، وهدفه المتوسط، الاحتفاظ بموقعه المتقدم ضمن مجموعة من المتقدمين من بيئته، وهدفه الأقصى، ربما، استعادة موقع "الزعيم" الأول في طائفته، الذي يسلّم بأحقية زعامته على الجميع.

جنبلاطية وليد جنبلاط، ما زالت فكرتها الحيرة والتأرجح، وما زال سلوكها مسك العصا من كل مساحاتها، ودائماً حسب المعطيات، أما الوزن المتدخل للجنبلاطية الموروثة، فقد تبخَّر، حسب مواصفاته الماضية، ووزن الجنبلاطية الحديثة، بعد اتفاق الطائف، فقد مثقاله الإقليمي والداخلي، وتعذر بعد ذلك استعارة مثاقيل وازنة من بعيد، أو مثقالاً يأمن جانب الجنبلاطية من قريب، وتأمن الجنبلاطية جانبه أيضاً.

إذن، وعلى جبهة الاعتراض على الحكم من داخله، لا أفكار وازنة تدل على طريق آخر، يجنب اللبنانيين مصير الإفقار، ولا طريق آخر، يأخذ بيدهم إلى شيء من التخفيف من غلواء الاحتقان الفئوي، ومن اصطفاف الأفكار، وأهل الأفكار.

اعتراضات خارج الحكم
سيكون من التكرار الممل، ترداد واقع حال تشتت أقوال الحالة الاعتراضية الشعبية، وسيكون من التعسُّف الحديث عن أفكارها، ما هو موجود لا يتجاوز أشتات نظرات "ونظريات"، بحيث تعذّر حتى تاريخه، حشد حبات الكلام في عقد رؤية سياسية واحدة، وخطة عمل منسجمة واحدة.

في ظل العجز عن إنتاج ما يجمع، استحضرت المجموعات المعترضة قديمها، فضاع الصوت بين طبقية وعمالية، وبين قومية وضد إمبريالية، وبين غيفارية كانت مدانة سابقاً، من قبل محبذيها اليوم، وبين رجعية عربية يظن البعض أن له الفضل في اكتشافها، وبين إغماضة فكر وعين، عن رجعية دينية في الإقليم، وبين غش فكري في توليفة تفصل بين طبيعة السلاح وبرنامجه، وبين مجتمعه. هو خليط مريح للجميع، مريح للحكم الذي لا يسقطه هتاف، ومريح للهاتف الذي يؤدي "قسطه للعلى..." وينام.

والحال..
البلد الذي لم يسقطه الغزو العسكري، يسقطه غزو الإفقار، وما كل فقر ثورة، فشتات الأفكار، وشتات جماعات الإفقار، يجهض كل ثورة. أما الخلاصة الأقرب إلى الواقع الحالي فهي: إذا نزل الفقر، سهل مدُّ اليد على البلد، ومن يدفع "الرغيف" يقبض ثمنه من "خضوع" الجياع... سياسة الخضوع مقصودة، يتضافر على صناعتها خارج متعدد الأطراف، ويؤازره داخل موزِّع الأهواء والأطياف.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها