آخر تحديث:19:25(بيروت)
الجمعة 10/07/2020
share

"الموت لأميركا".. الموت لنا

يوسف بزي | الجمعة 10/07/2020
شارك المقال :
"الموت لأميركا".. الموت لنا عيش لا يعرف استقراراً.. إلا في المقابر (Getty)

النظر إلى أولئك المتظاهرين على طريق المطار قبل يومين، وشعاراتهم من نوع "دام رعبك" و"سنفجّركم من جديد" و"نجوع ولا نركع"، كما تعبيرات أجسادهم ووجوههم وما يتفوهون به، لغة أو صراخاً، وانفعالات متشنجة.. يحيلنا كل هذا إلى أزمان "جماهيرية" حين كانت السياسة مداومة على مزج العنف بالغوغاء في طور انحطاط الحروب اللبنانية وميليشياتها العروبية واليسارية والإسلامية، التي كانت قد انتهت في مطار بيروت الثمانينات وكراً لخطف الطائرات وتهريب المخدرات ومقراً لمخابرات سورية رفعت صورة حافظ الأسد فيه، حيث عاثت فيه أجهزة أحزاب وحركات وعصابات مسلحة فساداً وإرهاباً محلياً وعالمياً وأعمال سطو وخطف وفوضى، رافقها وقوع البلاد في الرثاثة والفقر والخراب والقتل اليومي.

تظاهرة المطار هذه في شكلها ومضمونها لا تختلف عن سابقاتها بالقرب من السفارة الأميركية في عوكر، وإن كانت الآن أكثر اتساقاً مع ما شهدناه منذ تشرين الأول الماضي من عراضات عنيفة وصدامات ممنهجة، مشحونة بهتافات "شيعة.. شيعة"، مرفقة بحوادث لا عد لها انضوت ضمن "سياسة السحسوح" الترهيبية، ومعها غارات وكمائن الشبيحة ما بين عين التينة وخندق الغميق وعين الرمانة وصولاً إلى ساحات صور والنبطية وبعلبك وكفرمان، وتخللتها اعتداءات دموية على النساء والشبان والعائلات، وعلى العابرين أو حتى المتنزهين، كان آخرها تحطيم عظام شبان يتريضون في "أرض المجاهدين والشهداء".

وتتناسل "جماهير" هذه التظاهرة الغاضبة المتوعدة، من مواكب القمصان السود وجيش الموتوسيكلات وجحافل 7 أيار 2008، وهي من الأجيال التي لم تكن قد ولدت بعد، حين ازدهرت الشاحنات والسيارات المفخخة وكواتم الصوت وحروب الزواريب واحترق الجبل كله وشرق صيدا والإقليم وتحولت الضاحية الجنوبية إلى حقل رماية بالمدفعية وسقطت بيروت بيد "أبطال" 6 شباط 1984، وحل البؤس والدمار والتهجير والموت المجاني بطول البلاد وعرضها. وعندما كان الدولار يساوي فقط خمس ليرات لا غير صار ثلاثة آلاف ليرة في غضون أشهر قليلة، شبيهة بكابوس الأشهر الماضية.

والحال أن شعارات "التفجير" و"الرعب" و"الجوع"، في هذه التظاهرة، وإن كانت بوجه أميركا والامبريالية وإسرائيل، فهي لا تفعل سوى أن تكون بوجه "أعداء الداخل"، أو بوجه الطوائف الأخرى، أو بوجه من لا يريد تفجيراً ولا رعباً ولا جوعاً.. وهؤلاء هم ما قد نسميهم عموم المواطنين. فقد كانت الشعارات المماثلة والتظاهرات المشابهة والجماهير عينها، غالباً ما يفضي غضبها وكلامها وقبضاتها وسلاحها إلى حروب أهلية وأخوية وطائفية ومذهبية، على نحو ما أصاب تاريخ "المقاومة" نفسه الشيوعي والقومي والأملي والحزب اللاهي والفلسطيني، من شقاق واقتتال واغتيالات وتهجير وبؤس وتدمير مجتمعات وتحطيم اقتصاد وعيش لا يعرف استقراراً.. إلا في المقابر.

ولا تفعل تظاهرة المطار كما تظاهرات عوكر أو خندق الغميق أو احتفاليات "الشهداء" وخطيبها التلفزيوني المواظب اليوم على الزراعة، إلا تبشيرنا أولاً وقبل الأميركيين (ودونهم على الأرجح)، باستئناف تلك الثمانينات السعيدة، أو باستعادة رصاصات ومتفجرات 2005 -2008، وما تلاها من انتصارات من حلب إلى ساحة رياض الصلح، نقطف ثمارها قحطاً وقوافل موتى وفقراً وهجرات، وحكومات دمى وظلال عاجزة، ودولة خاوية وفساداً عميماً.

ولا شك، أن أولئك "أشرف الناس" المتجمهرين على طريق المطار أو في عوكر، لهم الحق في اعتصامهم وتظاهرهم، على عكس مليوني لبناني اجتمعوا في وسط بيروت على ضلال التآمر على سلاح المقاومة وعلى خطيئة نكرانهم لـ"الممانعة" وطمعهم المرذول بحياة الدنيا ومتعها واحتفائهم الفاحش بما هم عليه خليطاً على صورة مفاسد الغرب وموبقاته.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني