آخر تحديث:14:47(بيروت)
الأربعاء 01/07/2020
share

شهوات اللبنانيين في عهدهم القوي.. و"هيهات منّا الذّلة"

محمد أبي سمرا | الأربعاء 01/07/2020
شارك المقال :
شهوات اللبنانيين في عهدهم القوي.. و"هيهات منّا الذّلة" تبخُّرِت مدَّخراتهم المصرفية وأفلست خزينة دولتهم وماليتهم العامة (المدن)
استباقاً للانتقال من أزمنة الوفرة وفقاعة الاستهلاك الكبيرة، تلك التي عاش فيها لبنان واللبنانيون واللبنانيات، طوال عقود تثبيت سعر عملتهم المحلية، والاستقرار النقدي في ديارهم، ووفرة العملة الصَّعبةَ (الدولار) في تدفقها إليها، وتحوُّلهِا عملةً "وطنية" في تداولاتهم اليومية العادية وتجارة المفرق، ودولرة حياتهم الاقتصادية كلها تقريباً... استباقاً لانتقالهم من أزمنتهم هذه، إلى زمن انهيارهم المالي والاقتصادي، وتبخُّرِ مدَّخراتهم المصرفية وإفلاس خزينة دولتهم وماليتها العامة - الموزّعة سلطاتها على زعاماتهم إقطاعات شبه مافياوية - وغرقِهم في الشّحِّ والكفاف والبؤس... بدأت فئاتٌ واسعة منهم تتسابق إلى الاصطفاف في طوابير على أبواب المتاجر على اختلاف أنواعها، للحصول على ما يتوفر فيها، ويستطيعون شراءه واقتناءه من بقايا سلع الوفرة، لتكديسها في بيوتهم: من الخبز إلى اللحوم - لحم الغنم أو الضأن خصوصاً - وسواهما من موادّ غذائيّة محليّة الصنع ومستوردة، راحت أسعارها تتضاعف مرات، وقد تُفقد من أسواقهم، ووصولاً إلى متاجر الثياب العالمية الفاخرة الماركات، مثل متاجر "لوي فيتون" التي بدا أنها تصفّي بضاعتها وفق سعر الدولار القديم الثابت، أو المستجد في مصرف لبنان، تمهيداً لإقفال تلك المتاجر أبوابها في بيروت وسائر الديار اللبنانية.

بين زمني الوفرة والبؤس
وكان اللبنانيون - أو كثرة منهم، توخياً لبعض الدقة - قد استبقوا انتقالهم هذا، بسحبهم ما استطاعوا إليه سبيلا من مدّخراتهم المدولرة، قبل أن تحتجزها المصارف. وقاموا بشراء خزناتٍ من الحديد، فثبّتوها في جدران بيوتهم داخل خِزانات ثيابهم، لحفظ الدولارات فيها مع بعض مقتنياتهم من المجوهرات، كلٍّ حسب مقدرته وحصّته من زمن الوفرة المشرف على الأفول.

وقيل أن كميات فلكيّة من الدولارات سُحِبت من المصارف المحلية وحوِّلت إلى مصارف خارجية، أو كُدِّست في خزنات الحديد البيتية، خوفاً عليها مع المجوهرات الثمنية من السرقات والإجرام، اللذين قد يزحف دبيبهما عليهم في زمن القلّة والفقر والجوع الزاحف.

ورحم الله المتنبي في قوله: لكلّ امرئ (وامرأة في الديار اللبنانية) من دهره ما تعوَّدا (وتعودت): من كبار نهّابي المال العام والصفقات الصغيرة والكبيرة اللبنانيين - وهم كلهم رجالٌ رجالٌ على الأرجح، لتسعد بهم نساؤهم وعشيقاتهم وبطاناتهم وقبائلهم الطائفية - إلى أصغر موظف وموظفة شأناً ومرتباً شهرياً في القطاع العام، ومتعالٍ ومتعالية على المهانات بزمن الوفرة والسياحة المنظمة والرخيصة في اسطنبول.

وهؤلاء الموظفون والموظفات صغاراً وكباراً: من مدرِّسي القطاع التعليمي الرسمي الابتدائي ومدرِّساته، إلى القضاة ومدرِّسي الجامعة اللبنانية ومدرِّساتها البطّالين والمتبطلات والمعتزين ببطالتهم ومرتباتهم العالية، ومن الضباط إلى الجنود المتقاعدين وغير المتقاعدين، كلّهم وجميعاً تظاهرت مجموعات صغيرة ورمزية منهم ومنهن في الشوارع، بعدما تحولت النقابات كلها في لبنان مجموعات صغيرة من بيروقراطيين مزمنين، ثابتين ومحترفين في بيروقراطيتهم، ومدمنين على رياضة التظاهر والكلام في المطالب الخشبيّة العارية إلا من نهمهم لزيادة مرتباتهم الشهرية في قطاعات البطالة وتكديس الموظفين.

وكانت تظاهراتهم هذه كلها، منذ أزمنة بعيدة سبقت الحروب الأهلية وأسست لها وتلتها، لا تطالب إلا بتحصيل زيادات على الرواتب. وكان آخر تلك التظاهرات، تلك التي طالبت بإقرار سلسلة الرواتب والرتب الأخيرة، فأقرّتها  حكومتهم وأقرّها مجلس نوابهم سريعاً قبيل الانتخايات النيابية، إمعاناً في رشوة جمهور واسع من اللبنانيين، لنيل أصواتهم في تلك الانتخابات المجيدة في ديموقراطيتها اللبنانية. وقيل أن تلك السلسلة ساهمت في التمهيد للانهيار والافلاس الكبيرين الزاحفين اليوم.

"ملحمة أوهانس" ولحم الغنم
ومن الأمثلة على اصطفاف الطوابير الطويلة على أبواب متاجر بقايا زمن الوفرة اللبناني المشرف على الأفول، سمعت أخباراً عن تلك الطوابير على أبواب "ملحمة أوهانس" الأرمنية في برج حمود. وهي ملحمة كبيرة قديمة، ويعود افتتاحها إلى 40 سنة خلت. وأصحابها من كبار مستوردي الماشية وذبحها وتوزيعها وبيع بعضها في ملحمتهم الكبرى.

وسمعت أن امرأة أرملة في كسروان تحادث جارتها عن تلك الملحمة قائلةً لها إن جارهما العقيد في الجيش اللبناني، يرسل "خادمه" أو سائقه الجندي، في سيارة عسكرية إلى الملحمة، فيشتري له ولعائلته بعض كيلوغرامات من لحم الغنم. بعدما لامس سعر كيلوغرامه الواحد في ملاحم الأحياء مئة الف ليرة. لكن ملحمة أوهانس الملحميّة لا تزال تبيعه بخمسين ألف ليرة فقط.

ولما قصدتِ الجارتان الملحمة الشهيرة في برج حمود، وجدتا طوابير من المغرمين بلحم الغنم وبأسعاره التي لا تزال متهاودة، تصطف على بابها: رجال ونساء جاؤوا وجئن من مناطق وأحياء كثيرة، ومعظمهم ومعظمهن من فئات يبدو عليها اليسر من الثياب واصطحاب "الخادمات" (عاملات المنازل بحسب منظمات حقوق الإنسان). وكثرة منهم ومنهن جئن في سيارات الدفع الرباعي التي يتسلم مفاتيحها عمال الملحمة، فيركنونها في موقف خاص بها، منتظرين فراغ أصحاب وصاحبات السيارات من شراء كميات وفيرة من اللحم، لتكديسها في ثلاجاتهم البيتية، غير مكترثين باحتمال انقطاع التيار الكهربائي الذي تغذيه المولدات الخاصة في أحيائهم، جراء ارتفاع أسعار المحروقات وفقدان قطع غيار المولدات في حال تعطلها، بسبب تشغيلها اليومي المديد. وهذا فضلاً عن بدء توقف شركة كهرباء لبنان عن التغذية، حتى في الساعات القليلة حسب برنامج التقنين المتبع منذ سنوات وسنوات.

نجمات البوتوكس ورجال الله
وتقول إحدى الجارتين اللتين وقفتا في الطابور منتظرتين دخولهما إلى الملحمة، إنها خجلت من ثيابها العادية، مقارنة بأزياء النساء المصطفات اللواتي يرفلن بثيابهن الفاخرة وسياراتهن من الدفع الرباعي. والمتباهيات بشفاههن المحقونة والمنتفخة بالبوتوكس. وهذا نسجاً على منوال نجمات مسلسلات الدراما التلفزيونية اللبنانية، التي تكاثر كالفطر إنتاجها وإنتاج نجماتها ونجومها اللواتي والذين تنقل الصحف والمواقع الإلكترونية أخبارهن وأخبارهم، وتجري معهن ومعهم مقابلات يتحدثن ويتحدثون، يثرثرن ويثرثرون فيها عما لذَّ ولهم ولهن وطاب من كلام وثرثرات عن مسيرتهن ومساراتهم الفنية والنجومية الظافرة.

وهذا بعدما غرقت المحطات التلفزيونية كلها في بث المسلسلات الدرامية اللبنانية، ومنافسة على نحو محموم الدراما المصرية الآفلة، والسورية الصاعدة منذ سنوات، والتركية المدبلجة باللهجة السورية أو الشامية المغناجة الدّبقة في استديوهات دمشق، على الرغم من غرق سوريا كلها بالدم والدمار والرعب الأسدي المديد، والذي أنجد فيها الأسدَ الإبن مقاتلو "هيهات منا الذّلة" وجمهورهم اللبناني الذي اعتاد "النصر الالهي"، ويعبده على جبهات كثيرة في لبنان والمهاجر.

والعبادة هذه لا تعدم عناصر شبهٍ - ولو بعيدة - بعبادة نساء البوتوكس نجمات الدراما التلفزيونية التي تمتنع قناة جمهور "هيهات منا الذّلة" عن بثِّها وتُحرّمه. وتبث بدلاً منها أشرطة مصوّرة عن بطولات حزب السلاح في ساحات افتراضية، تتخللها مشاهد من مذلَّة جنودٍ إسرائيليين شبان، لأن عيونهم تدمع في جنازات رفاقهم القتلى في حروب "النصر الالهي" المزعوم، إلا على لبنان واللبنانيين. وأشرطة البطولات الحربية الافتراضية تلك، يدمن عليها جمهورها إدمان الفتيان في البيوت على حروب لعبة "بلاي ستايشن" الحربية الافتراضية، وإدمان جمهور مسلسلات الدراما اللبنانية في رمضان وسواه من الشهور.

الرئيس العنيد وصهراه
أما "الرئيس" ناقدُ زمن عيش اللبنانيين في فقاعة الاقتصاد الريعي والاستهلاكي الحريرية، وناقد عزوفهم عن الاقتصاد المنتج، الزراعي والصناعي، بعد وداعه (أي الناقد إياه) اللبنانيين بحربين "إنتاجيتين" لأعداد وفيرة من القتلى والجرحى والمهجرين والمهاجرين؛ فاكتفى بعد عودته من المنفى بإطلاق شراسته وعناده المعهودين، مصرّاً على الوصول إلى القصر الجمهوري، مع رهط من نوابٍ يقودهم صهره الأول، المحبوب والمفضل عنده. ربما لأن لسانَه ذربٌ مهذار، على خلاف لسان المنفي العائد، الذي لم يترك لصهره الثاني مكانة وتفضيلاً، سوى الفوز بمقعد نيابي يتيم في كسروان. وهذا على الرغم من كونه (أي الصهر الثاني) ساعده الأيمن بمعاركه في حربيه الدمويتين المدمرتين، عندما كان صهره الأول لا يزال فتى غرّاً، ولم يشارك إلا لماماً في التظاهرات الأخيرة التي أرادت تثبيت العرّاب العسكري في القصر الجمهوري نهاية ثمانينات القرن العشرين.

وكان أن انشق أخيراً الصهر الثاني عن الرهط النيابي الكبير الذي يقوده الصهر الأول. ودافعه إلى الانشقاق منافسة ذاك الصهر على وراثة القصر الجمهوري الذي وصل اليه أخيراً وديعة حزب السلاح والبطولات الدونكيشوتية في الديار اللبنانية والإقليمية، والمتعملق في مبارزاتها مع قوى "الشيطان الأكبر" العظمى في الديار المشرقية الغارقة جماعاتها في البؤس والفوضى والحروب الاهلية والدماء.

وبعد انشقاقه في زمن تفشي وباء كورونا، حُمِلَ الصهرُ الثاني على أكتاف أنصاره المنشقين، فرقصوا به منتشين معه في رقصة الثأر من الصهر الأول. وهذا فيما راح المحمول على الأكتاف يتكلم عن الحرية والديموقراطية والحقوق والإصلاح... إلخ، المعزوفة اللبنانية، غير منتبهٍ إلى أن الرقص به على الأكتاف - شأن وزير الصحة في ساحات بعلبك، احتفالاً بنصره على وباء كورونا بالسيف والترس - يتنافى مع مثل هذا الكلام الخطابي المعسول.

لكن هيهات أن ينتبه أحد إلى هذه المفارقات الغرائبية في ديار القبائل اللبنانية الحديثة أو المعاصرة.

محاضرات في الاقتصاد الانتاجي
أما رئيس نقد اقتصاد اللبنانيين الريعي والاستهلاكي، فجلس مستريحاً على كرسي منصبه المشتهى شهوة محمومة بلا حدٍّ ولا ضابط، سوى حدود "تفاهمه" في كنيسة مار مخايل - قرب ديار مولده وطفولته وشبابه - مع مرشد حزب السلاح. وهو في جلوسه على تلك الكرسي حقق شهوته وأحلامه كلها، وراح يتخصَّص في إلقاء دروس على زوار، تشبه دروس التربية المدنية والإنشاء العربية في صفوف المدارس الابتدائية الرسمية.

وهذا فيما يجلس بعيداً منه المستشار الإعلامي الأبدي في القصر الرئاسي، واضعاً على إحدى ركبتيه دفتراً مدرسياً، متظاهراً بأنه يسجل عليه درر كلمات رئيسه عن الاقتصاد الانتاجي، الصناعي والزراعي. داعياً اللبنانيين إلى شروعهم فيه على شرفه وشرف صهره. وذلك بعدما أذن الإفلاس وزمن الفقر والفاقة بمباشرته الآن الآن وليس غداً، وربما حتى تحرير القدس. وتعويضاً عما فات في زمن الفقاعة الريعية والاستهلاكية الحريرية التي مكّنه حزب السلاح من الثأر منها ثأراً مدوياً، ويريد للثأر أن يستمر مباركاً ومديداً، حتى يتمكن صهره الأول من وراثة القصر الرئاسي، وتحقيق معجزته في تحويل لبنان إلى الاقتصاد الانتاجي الموعود:

زراعة الأرض البائرة والحدائق المهجورة حول البيوت وعلى شرفات البيوت. وصناعة الأورما من "ملحمة أوهانس" الأرمنية المسيحية المشرقية في برج حمود. وتخمير النبيذ والعرق في خمارات زحلة. وعودة قرقعة دق اللحمة في الأجران الحجرية البيتية، في بلاد جبيل والبترون وكسروان. ليتجمع شمل العائلات الروحية اللبنانية على مازة من الكبة النية والتبولة والخضروات البيتية، رقصاً وطرباً بالانتاج اللبناني الصرف. ورفعاً للأجران في نترة واحدة إلى ما فوق الرأس، وفقاً للعادات والتقاليد اللبنانية المجيدة.

رئيس الأصالة اللبنانية
ألا رحم الله الرئيس اللبناني الذي وعد اللبنانيين مرة بأن "يناموا وأبواب بيوتهم مفتوحة"، من شدة الأمن والأمان الذي أشاعه في الديار اللبنانيين في عهده.

فهو كان رئيساً لبنانياً أصيلاً، يفطر صباحاً على مقلاة من البيض بالقاورما، قبل انصرافه إلى تدخين سجائر البافرا الوطنية في مبسمٍ مرصع بالفضة على طريقة الحِرف اللبنانية الأصيلة، فيما هو يتسلى ويسلي زواره بلعب الطاولة المحبوسة أو الإفرنجيّة. ذلك لوفرة الوقت لديه في زمن الوفرة اللبنانية وتدفق عائدات النفط والسياحة العربية إلى الربوع اللبنانية. وهذا بعدما قال الرئيس ذاك لأهالي دياره وعشائرها إنه لا يريد أن يرى أحداً منهم فقيراً بعد وصوله إلى سدة رئاسة الجمهورية.

لكن في سنتي عهده الرئاسي الأخيرتين، لم تنم سوى قلة قليلة من اللبنانيين في بيوتها. بل نام معظم اللبنانيين في ديار التهجير والهجرة الدائمة. وهما السنتان اللتان افتتحتا حروب لبنان الأهلية التي لانزال نحصد ثمارها المرّة حتى الساعة.

وهي الحروب المديدة التي انقادت إليها جماعات اللبنانيين انقيادها إلى شهوات القطعان، التي لا تزال تنقاد حتى الساعة بأشكال وألوان كثيرة ومتناسلة من الشهوات، في انتقالها من زمن إلى آخر. وهي كلها أزمنة دائرية يبدو جليّاً أن لامخرج منها ولا خلاص. و"هيهات منها الذّلة".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها