آخر تحديث:15:33(بيروت)
الأربعاء 10/06/2020
share

إلّا سعد الحريري

يوسف بزي | الأربعاء 10/06/2020
شارك المقال :
إلّا سعد الحريري السياسي الأكثر طواعية وهزالاً وإفلاساً وضيق حال (Getty)

إبن رفيق الحريري في العام 2005، كان قائداً لذاك الغضب النبيل. كان ذاك الشاب النقي نفساً وسياسة، وقد "بايعه" جمهور انتفاضة الاستقلال بالعاطفة كما بإرادة تحدي "الاغتيال". كان يمثل الوجه الفتي الناصع لثورة مدنية، أرادت استرداد لبنان على نحو يشبه الأغنيات.

بايعه وانتخبه الناس، بوصفه ابن ثورة حرية وتيار جارف يجمع اللبنانيين على "العيش معاً"، ويزهو بالتلاقي وتجاوز الطوائف ونبذ العنف وإعلاء قيم الحريات والديموقراطية والانفتاح و"الاعتدال" (لا أحبذ هذه الصفة)، وتوطيد الدولة وتحكيم الدستور وسطوة القانون.

هذا هو رصيد سعد الحريري. صورته الأولى، "القديمة". بل هذا ما يحن إليه ما تبقى من جمهوره، مكابراً متشبثاً به، ناكراً تاريخاً من التحولات الأليمة والمخيبة لتلك الصورة، وغير مصدّق تبدد ذاك الرصيد ونفاده.

بعد ضربة 7 أيار 2008، اعترت وجه سعد الحريري التجعيدات السياسية الأولى، مزيج من الأرق واضطرابات الضمير في حياكة التسويات، وأوجاع المعدة في تقديم التنازلات. فيما علامات "إدمان" السلطة بدأت تظهر لساناً وإيماءات وسلوكاً.

أنصار رفيق الحريري وأصدقاؤه، القدماء والجدد، كانوا طيفاً واسعاً من ليبراليين ويساريين سابقين وقوميين عرب ويمين محافظ ووجهاء تقليديين ونخب أكاديمية ورجال أعمال وأبناء أحياء أهلية وسكان أرياف وتجار مدن.. والأهم، أنهم من كل الطوائف بلا استثناء، خليط يمثل المجتمع اللبناني الذي يحمل "ندم" الحرب و"طموحات" السلم والازدهار. وهؤلاء شكلوا ما سيسمى "الحريرية" كظاهرة سياسية كبيرة ووازنة. وعليهم سيكون تأسيس "تيار المستقبل".

على أي حال، ومنذ أيام أيار المشؤومة تلك في العام 2008، وبالتوازي مع استمرار الاغتيالات، وبالتساوق مع طلب السلطة وحساباتها الانتخابية، وبانحراف التيار العوني بانتهازية طائفية فجّة نحو "حلف الممانعة"، بات الاستنفار الطائفي والمذهبي الذي فرضه حزب الله واقعاً سياسياً لتدمير حركة 14 آذار، هو العامل الحاسم بتحويل "تيار المستقبل" إلى حزب سنّي محض.

بين تجربة انتخابات 2009، والذهاب "صاغراً" إلى قصر بشّار الأسد، اكتمل "ميتامورفوز" (تحول) سعد الحريري الذي من الصعب مشابهته بذاك الشاب عام 2005، إلا على سبيل الاستغلال الدعائي. ومعه أيضاً تحول "تيار المستقبل" إلى جهاز إداري أشبه بـ"سكريتاريا" الزعيم العائلي، بأدوار استشارية وتنفيذية خاملة فكراً وإرادة.

وبسبب هذا الخمول وعدواه، خسر الحريري الذي بات أكثر "شخصانية" سلاحه الأهم، مؤسساته الإعلامية. وإذا أضفنا إلى كل هذا هزائمه اليومية، ونزوعه بالتالي إلى التطبيع مع الضعف، على نحو يجعل خيار التنازل خياراً أولاً لا أخيراً، بات سعد الحريري أفضل خصم يمكن أن يحلم به مناوئوه.

الكئيب والمحبط والمواظب على تمثيل دور الضعف وطلب التعاطف، والمدمن على السلطة، سيكون في العام 2016، السياسي الأكثر طواعية وهزالاً وإفلاساً وضيق حال ويأساً إلى حد التسليم بكل شيء، كمقامر خسر ثروته على الطاولة ويسير في الشارع مستعطياً ثمن أجرة التاكسي.

حينها قالها بوضوح: لا تهمني السياسة، بل الاقتصاد (بالأحرى الصفقات). عاد رجل أعمال مفلساً يحاول جمع رأسمال جديد. وهذه المرة بأساليب ملتوية على الأرجح. لم يبق من سعد الحريري القديم سوى الإسم وحسب.

كان جمهور 17 تشرين 2019 رحيماً به، مقارنة بمن التصقت به "الهيلا هو" البديعة. وكان هو أيضاً رؤوفاً بنفسه إذ استقال معترفاً بسوء أدائه وفساد سياسته وخواء جعبته.

على حال الخواء وتناسباً معه، بل تجسيد له، كان "تكليف" حسان دياب ظلاً لرئاسة حكومة من ظلال. لقد بات منصباً بلا سياسة ولا حول ولا قوة، ونتاجاً محزناً لما آل إليه على يد سعد الحريري لا غيره.

"جلب" سعد الحريري مرة أخرى إلى السرايا الحكومية بتكليف من العصبة المهيمنة إياها، بتسميته من قبل "مرشد" الجمهورية، سيكون الانتقام الأخير من الكرسي التي أثثها رفيق الحريري.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني