آخر تحديث:17:46(بيروت)
الخميس 07/05/2020
share

جلسة مبايعة في قصر الجمهورية

أحمد جابر | الخميس 07/05/2020
شارك المقال :
جلسة مبايعة في قصر الجمهورية لقاء "شهود" ديموقراطي يتوزع المشاركون فيه ديموقراطية هز الرؤوس (دالاتي ونهرا)

دعوة رئيس الجمهورية إلى لقاء في مقره الرئاسي في بعبدا، ليست دعوة رؤساء كتل نيابية، بل حقيقتها دعوة "استدعاء" المجلس النيابي إلى حيث ينتقل تباعاً.. قرار الجمهورية. لذلك، فإن ظاهر الدعوة "القانوني" الذي يتيحه الدستور، كإحدى صلاحيات الرئاسة الأولى، لا يحجب باطن الدعوة الذي يشكل حلقة في سلسلة الصراع على "إمرة" الجمهورية، في ظرف لبناني عام بالغ الشدة، وفي سياق سياسي مرتبك، سمته الأساسية قلة الكفاءة الرسمية في مواجهة ما يحيط بلبنان من مخاطر وتحديات. إذن، المجلس النيابي كله في بعبدا، هو حاضر بأقطاب التشكيلة الحاكمة والمتحكمة التي تختزل نوابها حتى الإلغاء، والأقطاب مدعوون إلى الاستماع للمتكلم الأوحد، لعرض ما أجازه من كلام وحيد، وما يريد إنفاذه بإرادته الواحدة، في لقاء "شهود" ديموقراطي، يتوزع المشاركون فيه ديموقراطية هز الرؤوس، كعلامة قبول ومشاركة في توزع أعباء المسؤولية الوطنية!

عهد الإمرة المركبة
لا تكفي قدرة العهد الذاتية لركوب مركب المسّ بصلاحيات الرئاسة الثانية، ولا للتمادي في سلوك الإصرار على منازعة الرئاسة الثالثة في صلاحياتها، لكن العهد، الذي أطلق تياره الوطني الحر، أوكل لهذا الأخير إدارة سلوكات المناكفات والمنازعات، ضمن صف "مكونات" العهد، وفي مواجهة سائر الصفوف المعارضة والمعترضة على السياسات "العهدية".

مكونات العهد التي باتت واضحة للعيان، باتت أقرب إلى ثنائية قوامها حزب الله والتيار الوطني الحر، يتولى النطق باسمها رئيس الجمهورية، فتصير ثلاثية موقع رسمي وموقعين، لحاكم ومتحكم، ويدلي بوجهتها العامة أمين عام حزب الله، فتصير ثلاثية موقع شعبي وموقعين، لحاكم وتياره، أي لموقع رسمي واحد في نهاية المطاف.. أما المعادلة فتبقى على ثنائية نطق ولو جرى تظهيرها، بين مناسبة ومناسبة، على صورة ثلاثية نطق وفعل وأداء.

الإمرة من ضمن الإمرة
الثنائية التي تتبلور تباعاً مع العهد الحالي، تستطيع المرافعة ضد من ينسب إليها الاختزالية، وضد من يجعلها تحالفاً يهدف إلى تصفية حسابات سياسية، بتوسل ممارسات كيدية تتخذ من "المصلحة الوطنية" عنواناً لفظياً، في الوقت الذي تتجاوز فيه على هذه المصلحة عملياً، كلما كان التجاوز متاحاً، أو كان مسكوتاً عنه، لسبب من الأسباب.

في باب الاختزالية، لا يكفي تعداد الثنائية العهدية لأسماء وأحزاب تدرجها في عداد مكوناتها، فاللعبة التعدادية لا تحجب الأحادية السياسية، وذكر أسماء بعض الأقطاب الفرعيين، لا يضع أصحابها في موقع المساهمة في صناعة القرار، بل يترك لهم حرية اختيار أساليب تتفيذه. العلاقة بين قرار الثنائية الأساسي، وبين قنوات التنفيذ الفرعية، علاقة "وظيفية" وتوظيفية، يدفع بموجبها صاحب القرار بدل أتعاب يقرره هو على الأغلب، فيكون بدلاً سياسياً في مسالك الحكم، أو حظوة اجتماعية في معارج "القضية"، أو نقداً وعدّاً في واقع الربحية اليومية. التوزيع الوظيفي هذا، يرسم حدوداً محددة لعماله، وهؤلاء يتحركون ضمن الحيز المسموح لهم ووفق الأداء المطلوب منهم.. فإذا بدت فرصة مناسبة لتعظيم طلباتهم، أقدموا، وإن جرى التلويح لهم بعصا الحرمان أحجموا. وهكذا تظل الأصوات كورساً واحداً، هي متعددة وواحدة في انتظام موسيقي لا نشاز فيه.

على ما جرت الإشارة إليه، يقتضي الوضوح تحديداً. في مجال الوضوح، لقد قدمت الوقائع المتوالية حتى تاريخه، شواهد على تقدم حزب الله على أقرانه ضمن ثنائيتين، ثنائيته مع حركة أمل، وثنائيته مع التيار الوطني الحر، ومع تقدمه هذا على شريكيه، سيظل واقعياً القول، إن الرابح الأول من دور كل من الشريكين، هو حزب الله، وهو إذ يترك لهما المكافأة مرحلياً ومناوراتياً، فإنه يراجع بنود المكافأة ليرى ما سيكون عليه لشريكيه استراتيجياً، وعلى نحو مباشر صريح ومن دون مواربة سياسية. ماذا يعني ذلك؟ المعنى الأهم هو أن الآمر ضمن الإمرة، أي حزب الله، يملك خيارات تبادلية وتبديلية واسعة، لشركائه ولمن رفعهم هو إلى مرتبة الشركاء، وهذا عامل اطمئنان سياسي للحزب، يختلف عن ما يقيم عليه سائر الشركاء والأعوان والأتباع. من قلق على الدور، وعلى ما قد يواجهونه من مصير.

قيود المعارضة الرسمية
يجد المعارضون الرسميون أنفسهم في ضيق وعسر، وهم يديرون معارضتهم التقليدية ضد رئيس الجمهورية، كناطق باسم الثنائية التي تتقدم على طريق استوائها كائناً مرئياً. ترتيب أهل الضائقة والعسر، يوجب ترك المقعد الأول لرئيس المجلس النيابي، نبيه بري، فشاغل المقعد الرئاسي الثاني يعلم تمام العلم، أن دور الناطق باسم الشيعية السياسية صار موضع "تشويش" من شريكه، مما يدفع إلى الاعتقاد أن صاحب التشويش يطلب إلى المستمعين التحول إلى أثير محطته الخاصة. هذا يعني، أو يحتمل الاستخلاص، أن إصابة نبيه بري في موقعه المذهبي الخصوصي، تتعدى الخاص إلى العام الذي جعله المتقدم رسمياً، على رأس الثنائية الشيعية. في مواجهة ذلك، لا يملك رئيس المجلس ما يجعله يعيد إنتاج نبيه برّي آخر، فالنبيه الرسمي يدرك حال النبيه الحركي، ورجل النظام لا يقوى على خلع بزته الرسمية التي نسجها موقفاً موقفاً، والحال، أن الخيوط كانت محلية الصنع بمقدار، وخارجية المنشأ بمقادير.

بناء عليه، يبدو أن ليس لدى النبيه، ولأنه نبيه سياسياً، سوى أن يقبل بمرور العاصفة، في محاولة لاجتناب أو لتأخير عواصف أخرى، وللإعداد للحد من خسائرها.

رئيس الحكومة سعد الحريري، له مقعد العسر الثاني، فهو مستضعف داخلياً، ومتروك خارجياً، وغير موفق وهو يحاول "قلع شوكه بيديه" في بيئته المذهبية. رصد ما وصل إليه وارث البيت الحريري، لا يقدم شهادة دراية أو حنكة سياسية له، مثلما لا تقدم المعطيات ما يثبت أن الرئيس الثالث قد أحسن التعلم من سنوات مسؤوليته، وأن المعاناة صقلت تجربته فجعلت أداؤه أكثر انسجاماً ووضوحاً. في امتداد ذلك، يمكن القول أن سرعة انسحاب سعد الحريري من الحكم بعد اندلاع حركة 17 تشرين الأول الشعبية، كانت حركة في الفراغ. فالرئيس المستقيل لم يحسن توظيف استقالته في مطرح شعبي أو رسمي، وأداؤه بعد الاستقالة جاء استنكافياً، ثم صار انسحابياً بعد تشكيل حكومة حسان دياب الحالية.

وعلى سبيل المقارنة مع رئيس المجلس النيابي، لن يستطيع سعد الحريري استعادة مقومات رفيق الحريري، أي لن يكون على قدر تمثل واستيعاب ما مضى، ليكون متاحاً لتياره ومناصريه، أمل استكمال المعارضة مع نسخة مختلفة قليلا عن النسخة" السعدية" التي غادرت مسؤولياتها الرسمية.

ينجلي المشهد إذن عن رئيسين، تشريعي وتنفيذي، تجمعهما واقعة الاستهداف، ولا تجمعهما وقائع ضرورات الرد على الاستهداف، هذا في حد ذاته يشكل مأزقاً للرئيسين، ويظهر جوانب مهمة من عجز كل منهما، فصعوبة اللقاء على التشكل في معارضة رسمية، هي في الكثير من مندرجاتها اعتراض على الضرر المصلحي المباشر، هي أي الصعوبة، دلالة أكيدة على الممنوعات الذاتية والبينية والمحيطة... التي تجعل هكذا لقاء بالغ المحاذير، ومتعدد العقبات والمحاذير.

وفي ميدان القيود ذاته تتوزع المرتبة الثالثة على أصحاب مقاعد عدة، الأبرز من بينهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي ما زال هو صاحب الخطاب الجدي الأصلي عن الدرزية السياسية. تقتضي المطالعة فتح سياق خاص للإشكالية الجنبلاطية، مشروحة ومعللة ضمن بيئتها العامة، ومن ضمن موقعها الكياني الذي يحفظه التاريخ لها، من لبنان الصغير إلى لبنان الذي تتعثر مسيرته، وهو يحاول أن يصير كبيراً. هذه القراءة الإشكالية المركبة، تعجز عن التطرق إليها حسابات استعادة الدور "الماروني" الأول الذي يسير في مسالكه رئيس الجمهورية الحالي، ويتجاهلها، عجزاً وربما استخفافاً بالتاريخ، قطب الشيعية السياسية الأول، أي حزب الله، الذي يعمل لخلق هيمنة مذهبية سياسية جديدة، تكون لها الكلمة المقررة الأولى في الجمهورية الحبلى بالنزاعات، بالرضى والتسليم من قبل أقسام من المذهبيات السياسية اللبنانية، أو بالقفز من فوق رضى وقبول كل المذهبيات.

وفي القصر الجمهوري
لن يختلف الكلام الراهن في قصر الجمهورية عن كل ما قيل من كلام، ولن تكون "المسؤولية الوطنية" أكثر من واجهة لمسؤولية كل طرف مشارك، عن تثبيت موقعه وما يمثل، ضمن حلبة تقاذف التهم ورفع المسؤوليات.

وعلى حدود الوصف، ومن دون شرح وتكرار، لقد انتشر "فيروس" عدم الثقة بين أطراف التشكيلة الحاكمة والمتحكمة، لذلك برزت على جدران إقفالها معالم تشققات طفيفة، وهذه غير مرشحة لكي تصير انشقاقات واسعة تمهد لتفرق ما يصيب صفوف النظام. حقيقة التشققات، يجب أن تكون موضع مراقبة من قبل الشارع الشعبي الذي نزعت جموع منه، الثقة من النظام كله. ولكل مراقبة خلاصات. لكن الملاحظة والخلاصة تقتضيان وجود مرجعية شعبية تتولى مسؤولية النظر والعمل. هذا الأمر يطرح السؤال عن المتضررين شعبياً: ماذا بعد انتهاء مشاورات طلب "الإمرة" في بعبدا؟ هل مازال الشعار "كلن يعني كلن"؟ أم أن السياسة الشعبية مفتوحة على أكثر من شعار وعلى أكثر من خيار؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها