آخر تحديث:15:54(بيروت)
الإثنين 25/05/2020
share

تحرير منجز.. واستقلال مؤجل

يوسف بزي | الإثنين 25/05/2020
شارك المقال :
تحرير منجز.. واستقلال مؤجل خسر اللبنانيون بلدهم وتعمق شقاقهم وترسخت الضغائن الطائفية فيما بينهم (Getty)

أفضى الانقسام الأهلي والشقاق الوطني (الطائفي) اللبناني، إلى جنوح لدى المسلمين نحو "الخروج على الدولة" (وضاح شرارة). وبدفع من حماسة عروبية ويسارية، اتخذ هذا الخروج اندماجاً بـ"المقاومة الفلسطينية" التي كانت تبحث عن أرض متاخمة لفلسطين تصلح قاعدة لعملها "الفدائي"، تعززها مخيلة تكرار التجربة الفيتنامية آنذاك، وتؤكدها التجربة الجزائرية الأسبق: الحرب الشعبية الطويلة الأمد.

وعلى هذا الانقسام والشقاق، حلّ الضعف في الدولة اللبنانية، إلى حد رضوخها لما سيسمى "اتفاق القاهرة" (1969). وبعد أحداث أيلول الأسود 1970 في الأردن، بات جنوب لبنان أرضاً مفتوحة ومستباحة بصيغة سورية – فلسطينية، لاستئناف قتال إسرائيل. فأنيط بلبنان وحده "الثأر" لهزيمة الجيوش العربية عام 1967. وهو أمر رآه المسيحيون اللبنانيون خصوصاً، كارثة محققة للكيان والدولة.

أدى هذا الحال وبسببه إلى حرب أهلية، سرعان ما تناسلت منها حروب إقليمية ودولية على أرض لبنان، استدعت جيوشاً وميليشيات وأسلحة واحتلالات، أنزلت بلبنان فلتاناً للمنظمات المسلحة الفلسطينية، واقتتالاً طائفياً لبنانياً مكللاً بالمجازر المتبادلة.. واحتلالاً سورياً أسدياً بغيضاً ومديداً. وكان أفظع ما نزل بلبنان هو الاجتياحات الاسرائيلية التدميرية التي تعمّدت تحطيم البلد على نحو لئيم وحقود.

دخل الإسرائيليون عبر "الشقاق" الأهلي، ما بين لبنانيي الجنوب، بذريعة "حماية المسيحيين" ومساعدتهم في مرجعيون والقليعة ورميش ودبل وعين إبل.. بمواجهة الفلسطينيين وحلفائهم من المسلمين اللبنانيين واليساريين. كانت فرصة للقضاء على "منظمة التحرير الفلسطينية"، واستثمار الحرب الطائفية لاستنزاف البلد الأكثر أهلية لمنافسة إسرائيل (حينها) اقتصاداً وسياحة وثقافة.. بل كنموذج ديموقراطي حديث يطرح التنوع والتعدد الديني والتعايش بين المجموعات الطائفية أو الإثنية.

ومع هذا "التدخل" الإسرائيلي، الذي قابله دخول الجيش السوري وفق اتفاق كيسنجر – الأسد الذي يضمن المجال الحيوي الإسرائيلي في الجنوب (حدود النهر الأولي)، تحول لبنان إلى "ساحة"، أي الحلبة البديلة للصراع العربي الإسرائيلي، أو "صندوق البريد" الدموي المتبادل من غير اضطرار للمواجهة المباشرة.

المسيحيون المدفوعون اضطراراً إلى أحضان إسرائيل وقعوا في فخ "حماية شمال إسرائيل"، والمسلمون المندفعون إلى "حماية الثورة الفلسطينية" و"التلاحم القومي" مع سوريا الأسد، وقعوا في فخ حروب الآخرين على أرضهم. وعلى هذا المنوال، خسر اللبنانيون بلدهم وتعمق شقاقهم وترسخت الضغائن الطائفية فيما بينهم، وتمزق عمرانهم واجتماعهم، وانهار اقتصادهم وباتت دولتهم حطاماً.

خلال أكثر من 15 عاماً، وبعد تحولات وانعطافات ومسلسل كوارث طويل، رست الجماعتان اللبنانيتان على اختصاص كل منهما بمهمة "وطنية". فرفع المسيحيون شعار تحرير لبنان من الاحتلال السوري، فيما تنكب المسلمون (الشيعة خصوصاً) مهمة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. وتضمر كل مهمة وتستدخل نزاعاً مع الجماعة الأخرى. فتحرير لبنان من الجيش السوري، إنما يطمح إلى استعادة الجمهورية الأولى، وإلى تدبير الهوية اللبنانية وفق التصور المسيحي ذاته، أقل عروبة وأكثر غربية، وبالتأكيد رجحان في السلطة والنفوذ والامتيازات الاقتصادية وغلبة "ثقافية" حاسمة. بينما تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، يفرض غلبة المسلمين على تقرير مصير لبنان ووجهته وهويته.

بين عامي 2000 و2005، تحقق الإنجازان. انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000 وانسحب الجيش السوري في نيسان 2005. بين التاريخين كان السجال اللبناني – اللبناني على أشده. وبدل أن يكمل التاريخان بعضهما البعض في حالة استقلالية واحدة، تبين أنهما متعارضان بما يكفي لبقاء الشقاق الأهلي على حاله، وبما يكفل بقاء النظام السوري فاعلاً في لبنان، وبقاء إسرائيل تهديداً يومياً على ما اختبرناه في صيف 2006.

وكما السلاح في العام 1969 الذي أتى بكل هذا التاريخ المأسوي.. ما زال هو نفسه ضامناً لاستئناف التاريخ إياه، كابوساً لا نستيقظ منه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني