آخر تحديث:16:48(بيروت)
الإثنين 18/05/2020
share

قاموس السياسة اللبنانية: عبارات التلاعب والمكر

نادر فوز | الإثنين 18/05/2020
شارك المقال :
قاموس السياسة اللبنانية: عبارات التلاعب والمكر عبارات خالدة في الحياة السياسية اللبنانية. ضمّت إلى قاموسها مع مرور الزمن، وباتت من المسلمّات (علي لمع)
يتشعّب قاموس السياسة اللبنانية ويزدهر بمفردات غريبة وعبارات عجيبة. تم تطويع العجيب والغريب منها لتتلاءم مع أهواء أسياد البلد. فالتركيبة الغريبة تستوجب قاموساً عجيباً علّ الناس تفهم ما يدور حولها، وكيف تدار المؤسسات وتّتخذ القرارات.

آخر هذه الإبداعات، ما نقلته مصادر عن رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، بأنه سيتّبع "المساكنة الإيجابية مع رئيس الجمهورية ميشال عون". حبيبان يتساكنان منزلاً واحداً بانتظار "نعم" كنسية أو عقد شرعي أو توقيع مدني. أو طليقان يعيشان في البيت نفسه، يعجزان لأسباب مختلفة عن الرحيل، فيبقيان في المساحة المشتركة ويقلّصان المشترك بينهما. ولو أنه يبقى أنّ تنغيص حياة الآخر ووجوده، الشريك السابق المفترض، مهمة شبه يومية ومتبادلة.

هدف المساكنة الإيجابية
المساكنة الإيجابية، يعني أنّ الانفصال أو الطلاق غير وارد الآن. فلا الرئيس برّي قادر على خوض معركة بوجه عون، ولا الأخير أو من يهمس في أذنه باستطاعته مواجهة برّي. لكن حفلة التنغيص اليومية ستهدأ، لمصلحة ثمرة تلك العلاقة، طفلها الشرعي متمثلاً بالحكومة. والتاريخ حافل ومستمرّ بالالتهاب بين برّي وهامس الأذن، بين وصف "البلطجي" حيناً و"ملامسة" غضب أنصار برّي لمركز التيار الوطني الحرّ، والأزمات الدائمة حول تعيين هنا أو تمرير صفقة هناك أو حصة حكومية أو حقيبة وزارية في مستوى آخر. فتهدف المساكنة الإيجابية إلى نسيان كل ذلك، والاستمرار في الخضوع لمشيئة العرّاب الأكبر، وما يفرضه من شراكات وتحالفات ومساكنات. عرّاب السياسة، عرّاب كل ما فيها وقاموسها أيضاً.  

تلاعب ومكر
للحياة السياسة في لبنان قاموس وافر قابل على الدوام للتحديث، بحسب الأهواء السياسية. فيه عبارات لا يمكن أن تتماشى مع منطق السياسة والحكم والديموقراطية ولا في جوهر التنفيذ، إلا من باب التلاعب والمكر. ميكيافيلية لبنانية رخيصة، قرّشت دماء شباب قتلوا واستشهدوا وظائف ومناصب. تشتري الصوت الانتخابي بـ100 دولار في زمن الرخص. تخضع لأنظمة قاتلة ومارقة وتنفّذ ما يُطلب منها. تسوّغ العبارات وتحدّث القواميس بما يتناسب. من دون مبادئ ولا قوانين، فلا أخلاق وفساد مطلق. لذا كانت العديد من العبارات التي تربّينا عليها في مواقف الزعماء وصحفهم وقنواتهم المتلفزة. عبارات تحكّمت بيومياتنا ووجودنا ومصيرنا، دفعنا ثمنها ولا نزال.

عبارات خالدة
ليس تشكيل الحكومات والانقلاب عليها، عقد التحالفات وثم نسفها، إلا جزء سطحي حدّدها القاموس السياسي اللبناني. فالقاموس يتيح كل هذا التلاعب والمكر وحفلات الطعن في الظهر المتبادل بين قوى السلطة. ففيه ما يكفي من عبارات تشرّع الخذلان والانقلابات. في هذا القاموس عبارات تكفي لإعداد دراسات معمّقة في علم السياسية والاجتماع والنفس لمئة سنة مقبلة. "أم الصبي"، "بيّ الكل"، "القانون الأرثوذوكسي"، "تدوير الزوايا"، "الديموقراطية التوافقية"، "الثلث الضامن (قل معطّل)"، "أرنب بِرّي". "ليس التحالف مع فلان زواج متعة بل زواج ماروني". كل هذه، وغيرها بالطبع، عبارات خالدة في الحياة السياسية اللبنانية. ضمّت إلى قاموسها مع مرور الزمن، وباتت من المسلمّات. شكّلت مفاهيم بتنا محكومين بها لتشلّ كل ما في البلاد من أمل.

نتائج ملموسة
برّرت عبارات هذا القاموس تشكيل حكومات "الشراكة الوطنية" و"الوحدة الوطنية" و"المصلحة الوطنية" و"كلنا للوطن" و"الإرادة الوطنية الجامعة". منذ 2008 إلى اليوم، لم تسقط كلمة "وطنية" أو مشتقاتها من اسم أي من الحكومات التي تم تشكيلها. تشكّلت جميعها لاستكمال مشروع ما بعد الحرب الأهلية لتأمين "الإنماء المتوازن"، والمحافظة على "العيش المشترك". استكملت كل على طريقتها تنفيذ "وحدة المسار والمصير"، و"شعب واحد في بلدين". هذا في النص، أما في المضمون، فتكريس للمحاصصة والسيطرة على المؤسسات وبيعها أو تلزيمها. وكل هذا من دون تقديمات ولا تطوير، فقط تحديث للقاموس. ونتائج كل هذا واضحة. انهيار وصل وإفلاس مقبل، بطالة مزدهرة، نفايات متراكمة، ديون عارمة، كهرباء مقطوعة، بحر ملوّث، أراضي زراعية غير صالحة، سدود تتحدى الطبيعة، نفط غير واعد وإن كان.. فسيُنهب. هذه نتائج عبارات ومفاهيم نلمسها كل يوم وكل لحظة.

وفي هذا القاموس أيضاً تفسير كلمة "ثورة"، هي مؤامرة وضرب للسلم الأهلي وقطع طرقات وفعل بتمويل خارجي. عليه، تصبح أولى الخطوات المطلوب تنفيذها، الكفر بهذا القاموس، جمع نسخه من كل بيت، سياسي وغير سياسي، ماكر وفاسد ومستفيد، وحرقها على عتبات تلك المنازل، لتصبح نار ثورة. ولتلدع من تشاء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها